Subscribe:

Ads 468x60px

10 يونيو، 2017

مقارنة مسكونة بالتدليس

صيحفة السبيل الأردنيه الأحد 16 رمضان 1438 11 يونيو 2017
مقارنة مسكونة بالتدليس – فهمي هويدي

يحتاج إلى تفسير إبراز بعض صحف الخميس المصرية (٨/٦) لتصريح رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي الذي أعربت فيه عن استعدادها للإطاحة بقوانين حقوق الإنسان إذا حالت دون تطبيق تشريعات مكافحة الإرهاب،

وكانت السيدة ماي قد أشارت إلى تلك النقطة في سياق إحدى خطبها الانتخابية التي سبقت التصويت الذي تم يوم الخميس،
وفي أجواء القلق الذي استشعره كثيرون في بريطانيا جراء العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة.

ولأنها ليست المرة الأولى التي تحتفي فيها وسائل الإعلام المصرية بأي تصريحات تصدر في الديمقراطيات الغربية بخصوص إعلان الطوارئ أو «التساهل» في تطبيق قوانين حقوق الإنسان، بما يمرر بعض الانتهاكات، فإن الأمر بات يحتاج إلى وقفة وبعض المصارحة.

من ناحية، لأن تلك الحفاوة الإعلامية التي تكررت ليست مصادفة، ثم إنني أشك كثيرا في براءتها،

 في هذا الصدد فإنني أميل إلى أن ذلك الاهتمام والإبراز أريد به توصيل رسالة للمواطن المصري تقول:
انظروا ــ ها هى الديمقراطيات الغربية لا تتردد في الإطاحة بمبادئ وقوانين حقوق الإنسان حينما يتهددها الإرهاب وتتعرض لظروف طارئة،
 بالتالي فإن ما يحدث في مصر ليس أمرا شاذا ولا هو استثناء في العالم المعاصر.
فكفوا إذن عن انتقاداتكم وأريحونا بسكوتكم، لأن ما تأخذونه علينا تفعله أهم الدول الديمقراطية.

من ناحية ثانية لأن استخدام تلك الحجة مسكون بالتدليس والتغليط.

 أولا لأن الذين ينددون ويعارضون الانتهاكات التي تحدث لحقوق الإنسان ليسوا ضد مكافحة الإرهاب،
وإنما هم يؤيدون المكافحة شريطة أن تلتزم بضوابط القانون وباحترام حقوق الناس وكراماتهم،
وهم يدركون بأن الانتهاكات التي تحدث لا تكافح الإرهاب ولكنها توفر مناخا وبيئة تفرخ المزيد من الإرهابيين.

ولست أنسى في هذا الصدد ما سمعته من أحد كبار المحامين الذين يشاركون في الدفاع عن المتهمين في قضايا الإرهاب حين قال لي إن بعض الشبان المتهمين صارحوه بأنهم ينتظرون بفارغ الصبر موعد إطلاقهم، لا لكي يعودوا إلى بيوتهم، ولكن لكي ينتقموا من الذين عذبوهم في السجن.

وإذا لاحظت أن كلام رئيسة الوزراء البريطانية صدر أثناء خطبة انتخابية فستنتبه إلى أن الأمر لا يخلو من اصطياد، لأنها قالت إنها مستعدة لتمزيق قوانين حقوق الإنسان إذا حالت دون تطبيق تشريعات مكافحة الإرهاب،
الأمر الذي يعني مباشرة أن تلك القوانين ستظل سارية مادامت لا تتعارض مع تلك التشريعات،
وغني عن البيان أن ذلك «التمزيق» حاصل عندنا في كل الأحوال، وليس له ضابط أو كابح.

النقطة الأهم في الموضوع أن الحكومة حين تتخذ إجراءات في مواجهة الإرهاب وبوجه أخص إذا كانت تمس حقوق الإنسان من قريب أو بعيد، فإنها ليست مطلقة اليد ولا هى فوق المساءلة والحساب، لأن في البلد مؤسسات قوية مستقلة تشهر سيف القانون.
ثم إن الإجراءات الاستثنائية لها أجل محدود، وتمارس تحت رقابة البرلمان والمجتمع.

لذلك فإن الناس لا يقلقهم إعلان الطوارئ ولا تزعجهم تشريعات مكافحة الإرهاب، لأنهم واثقون من أن ذلك يستهدف حماية المجتمع وليس حماية السلطة التي باتت تتذرع بالإرهاب لكي تشدد قبضتها وتقيد الحريات العامة وتقمع معارضيها،
ناهيك عن أن الإرهاب هناك له تعريف منضبط ينحصر في ممارسة العنف لفرض الرأي وتقويض أسس المجتمع
ولا تسأل عن تعريفه عندنا.

إن المعادلة تكون ناقصة إذا وقفنا عند مقارنة قانون بقانون، وهى لا تكتمل إذا شملت المقارنة وضع المجتمع هناك بمؤسساته وقيمه القانونية وقواه المدنية بنظيره في بلادنا.

وإذا ما أجرينا هذه المقارنة بأمانة وصدق فسوف نلتزم الصمت وقد نغرق في بحر الخجل.

.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar