Subscribe:

Ads 468x60px

20 مايو، 2017

درس للرئيس ترامب

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 24 شعبان 1438 21 مايو 2017
درس للرئيس ترامب – فهمي هويدي

الخبر أن أحد رؤساء أجهزة السلطة قرر أن يلقن رئيس الجمهورية درسا، وينبهه إلى أنه يخدم القانون والمجتمع ولا يخدم الرئيس.
وقبل أن يلتبس الأمر على أحد وتذهب به الظنون بعيدا، فإننى أطمئن الجميع إلى أن «المعجزة» حدثت فى الولايات المتحدة وأن طرفيها هما جيمس كومى رئيس المباحث الفيدرالية، الذى هو بطل القصة، أما الثانى فهو الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.

والقصة روتها صحيفة «نيويورك تايمز» التى نشرت يوم ١٦ مايو الحالى تقريرا أشار إلى الدرس الذى لقنه كومى للرئيس ترامب قبل أن يعزله الأخير من منصبه، ليصبح قرار الرئيس نقطة سوداء فى سجل المآخذ التى يحاسب عليها الآن.

خلاصة القصة كالتالى:

بحكم موقعه فإن السيد كومى كان يعرف الكثير عن ترامب، وأراد أن يعرفه حدود وتقاليد التعامل معه خصوصا أنه قادم من خارج السياسة والإدارة.
لذلك حرص على أن ينبهه إلى أن ثمة مسافة يتعين الحفاظ عليها بين البيت الأبيض والمباحث الفيدرالية،
وبالتالى فليس للرئيس أن يتدخل فى عمل المباحث الذى هو مستقل تماما.
 وليس لفريقه أن يتدخل فى التحقيقات التى يجريها أو أن يتابع تفصيلاتها

ــ وإذا كان ذلك ضروريا فليس للرئاسة أن تخاطب المباحث الفيدرالية مباشرة، وإنما يتعين عليها أن تقدم طلبا رسميا بما تريد إلى وزارة العدل، وهى التى توجهه إلى رئيس المباحث الفيدرالية،
وعلى الأخير أو نائبه أن يفحصها جيدا قبل أن يرد على طلب البيت الأبيض بما يراه مناسبا.

ذكرت الصحيفة فى تقريرها أن ترامب أراد أن يقيم علاقة شخصية مع كومى، وطلب منه أن ينضم إلى فريقه الذى يدين له بالولاء،
لكن الرجل حرص طول الوقت على أن تظل العلاقة فى إطارها الرسمى وليس الشخصى، لتظل المسافة قائمة بين البيت الأبيض والمباحث الفيدرالية، بحيث يتحرك كل طرف فى مجاله دون اتصال أو مساس بالآخر.

فى هذا السياق روت الصحيفة قصة اللقاء بين الرجلين بعد تنصيب ترامب رسميا رئيسا للولايات المتحدة.
 ذلك أن الرئيس أقام حفلا لممثلى الأجهزة الأمنية الذين أشرفوا على ترتيب أمر حفل التنصيب. وكان جيمس كومى بينهم.

وجد الرجل نفسه مضطرا لحضور الحفل، إلا أنه وقف بعيدا كى يحتفظ بالمسافة بينه وبين الرئيس، بل وحاول أن يختبئ وراء إحدى الستائر فى القاعة.
ولأن قامته طويلة بأكثر مما ينبغى (طوله متران و٣ سنتيمتر) فقد لمحه ترامب ودعاه كى يصافحه فلم يجد مفرا من التوجه إليه.

ولأن اللقاء كان مثيرا للانتباه. فإن الصحيفة أرفقت تسجيلا مصورا له، ظهر فيه كومى وهو يمد يده الطويلة لكى يصافح الرئيس، ولكن الأخير جذبه نحوه لكى يحتضنه، فاضطر لأن يقبله على وجنته ثم يعود إلى مكانه مسرعا.

ولم يفوت الرجل المشهد، لأنه ما إن غادر الحفل وركب سيارته حتى دون تفاصيل ما جرى فيه وانطباعاته عنه.
ثم سلم ما دونه إلى أحد مساعديه لتحتفظ المباحث الفيدرالية بسجل لما جرى.
خصوصا أنه اعتاد أن يسجل على الورق تفصيليا كل اتصالات الرئيس ترامب معه.

وهذه الأوراق التى احتفظت بها المباحث الفيدرالية، محل تحقيق الآن ضمن الجهد الذى يبذل لتقييم أداء الرئيس الأمريكى.

(فى أحد تلك الاتصالات طلب ترامب من جيمس كومى وقف التحقيقات التى تجريها المباحث الفيدرالية مع مايكل فلين مستشاره للأمن القومى (الذى أقيل لاحقا)، وهو ما لم يستجب له الرجل بطبيعة الحال).

الحديث الذى نحن بصدده ليس نموذجا للفصل بين السلطات الذى بات أمرا مفروغا منه، ولكنه نموذج لاحترام القانون والفصل بين الاختصاصات داخل السلطة الواحدة.
وهو ما يبتعد بمسافة ضوئية عن الواقع العربى الذى نعيشه بحيث صار الفصل بين السلطات فيه حلما بعيد المنال وتم اختزال الدولة فى شخص الزعيم، بحيث ما عادت لدينا مؤسسات مستقلة، بل ولا أوطان مستقلة فى حالات عديدة.

.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar