Subscribe:

Ads 468x60px

21 مايو، 2017

كحلها فأعماها!

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 25 شعبان 1438 22 مايو 2017
كحلها فأعماها! – فهمي هويدي

حين قرأت أن الأجهزة الأمنية تفتش عن السيد حبيب العادلي في غرف العناية المركزة بالمستشفيات، خطر لي على الفور التعبير الشائع الذي يتحدث عمن حاول أن يكحلها فأعماها.

ذلك أن فكرة هروب وزير الداخلية المصري السابق بعد الحكم بسجنه سبع سنوات في قضية الفساد المالي لم تكن مقنعة للرأي العام.
إذ لم يخطر على بال أحد أن يتعذر ذلك على أجهزة الداخلية بما يتوافر لها من إمكانيات هائلة في المراقبة والتنصت والملاحقة.
ولم يكن لذلك من تفسير سوى أن «رجاله» في الداخلية هم الذين روجوا لقصة هروبه لتبرير عدم تنفيذ الحكم عليه، انتظارا لقرار محكمة النقض في الاستئناف الذي قدمه محاميه.

 أيد هذا الشك أن العملية لها سوابق، ورعاية الأجهزة الأمنية لأركان النظام السابق الذين صدرت ضدهم أحكام نهاية بالسجن باتت أمرا معلوما ومسكوتا عليه.

إزاء عدم تصديق الرأي العام قصة هروب العادلي، حين نشر خبرها لأول مرة في الأسبوع الماضي، فإن أجهزة الداخلية حاولت أن تصحح الصورة وتبعد عن نفسها شبهة التقصير أو التواطؤ التي لاحقتها.

وحين حاولت أن «تكحلها» فإنها سربت معلومات نشرتها جريدة «الشروق» يوم السبت ٢٠/٥ جاء فيها ما يلي:

قالت مصادر أمنية مطلعة إن إدارة تنفيذ الأحكام في وزارة الداخلية نفذت خلال الساعات الماضية عدة مأموريات للقبض على الوزير الهارب، شملت فحص عدد من غرف العناية المركزة في المستشفيات الاستثمارية والخاصة، لاحتمال وجوده بها.
فضلا عن مأموريات أخرى (قامت بالبحث عنه) حول منزله في ضاحية ٦ أكتوبر، والأماكن التي يتردد عليها، وفحص شبكات المحمول لتعقبه عن طريق الهاتف.

الغريب في الأمر أن الفقرة التالية من الخبر المنشور ذكرت ما نصه:
أضافت المصادر أنه في المقابل يمارس وزير الداخلية الأسبق حياته الطبيعية مع أسرته وأصدقائه، كما يتردد على إحدى المستشفيات الاستثمارية بدعوى العلاج..
وأكدت أنه واصل لقاء محاميه أكثر من مرة في الأسبوع الماضي للتوصل إلى أقرب طريقة للتعجيل بعقد جلسة نقض الحكم، لتحديد موقفه النهائي.
لافتة إلى أن الحراسة المكلفة بمراقبة منزله من قبل وزارة الداخلية لا تزال موجودة في «فيللته».

في الجزء الأخير من الخبر أن العادلي سيظهر خلال جلسة النقض على الحكم.
وهو يعمل حاليا على جمع أكبر عدد من المستندات التي تدعم موقفه بخصوص بنود الصرف أثناء توليه منصبه،
لذلك فإنه يتواصل ومحاميه مع ضباط في الوزارة لاستعادة نسخ إلكترونية من الأوراق التي تم تدميرها خلال حريق مبنى إدارة الحسابات بالوزارة.

هذه «الإيضاحات» أكدت أن الرجل ليس هاربا، كما أنه ليس مريضا، وأن حكاية البحث عنه في غرف العناية المركزة كانت أكذوبة،
كما أن تتبع اتصالاته الهاتفية وفحص شبكات المحمول للتعرف على مكانه ليس سوى شائعة لا أساس لها،
وكان ذلك «الإيضاح» كافيا لإثبات أن الرجل في «الحفظ والصون» تحت رعاية الشرطة التي تخفيه حتى يظهر في جلسة النقض.

ما يهمني في الفيلم ليس وقائعه، وإنما تدني مستوى قصته الذي أستغربه بشدة،
خصوصا أننا نعلم أن للداخلية خبرة طويلة في الموضوع ترشحها لأداء أفضل بكثير مما تابعناه،

ولو أن القصة أساءت إلى الداخلية وحدها لهان الأمر ولضممناها إلى جملة ما يصدر عنها من روايات مفتعلة وقصص مرتبكة وملفقة،
إنما الأخطر من ذلك أنها تهدم فكرة دولة القانون وتعيد إلى الأذهان فكرة «شبه الدولة» التي أشير إليها في مناسبات عدة،
قيل لنا فيها إننا تجاوزناها واستعدنا للدولة هيبتها وللقانون احترامه.

إذ اكتشفنا في ثنايا القصة أن ذلك كله كان كلام «جرايد»، يطلق في المناسبات لدغدغة المشاعر ثم ينسى بعد ذلك لتعود «ريمة إلى عادتها القديمة». بحيث نظل في القاع الذي وصلنا إليه ولم نغادره.

................................................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar