Subscribe:

Ads 468x60px

10 أبريل، 2017

الاستنفار واجب والمراجعات أوجب – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 14 رجب 1438 11 أبريل 2017
الاستنفار واجب والمراجعات أوجب – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

لا أحد يجادل فى ضرورة التصدى للإرهاب بكل حزم، لكن ذلك الواجب لا ينبغى له أن يحول دون المراجعة ونقد الذات.

(1)

أهم ثلاث مقالات عن جريمة تفجير كنيستى طنطا والإسكندرية «كتبها» فى جريدة «المصرى اليوم» أمس (الإثنين ١٠/٤) ثلاثة من رسامى الكاريكاتير.

فى الأولى ظهر رمز للتاريخ ممددا أمام طبيب نفسى، يعبر عن حيرته ماذا يقول وماذا يكتب.
 فالحوادث واحدة والسيناريو واحد.
وإذ يطلب من الطبيب العون والنصيحة، فإن الأخير لا يجد ما يقوله، لكنه يصوب مسدسا إلى حلقه قاصدا الانتحار.
(دعاء العدل).

فى الثانية ظهر رجل يعبر عن حيرته فيقول لزوجته وهو يبكى،
هل هم الدواعش «الكلاب» أم هو الفساد والمحسوبية
أم هو التستر والمداراة التى تدعى أن كل شىء مراقب «وكله قشطة ومِيه مِيه
(عمرو سليم).

الثالثة لمسئول جالس على مكتب عائم فوق بحر من الدماء التى تناثرت حوله.
بيده اليمنى منديل يجفف به عرقه، فى حين أمسك سماعة الهاتف باليد الأخرى وهو يقول لمسئول أكبر منه إن «كله تمام»
(أنور).

رغم أن الشائع عن الكاريكاتير أنه باب من أبواب السخرية والهزل، إلا أننى قرأت فى الصور الثلاث ملاحظات وآراء سياسية تتسم بالجدية، التى جاءت معبرة عن البلبلة والحيرة والنقد الرشيق.

ولا أعرف ما إذا كانت تلك مجرد مصادفة، أم إنها من مقدمات النقد الذى سيلجأ إليه بعض الصحفيين فى ظل «الطوارئ» وإزاء النقد الذى وجه إلى ممارسات الإعلام المقروء،

أيا كان الأمر، فإننى أتفق تماما مع الرأى القائل بأن كل ما فى جعبة اللغة من إدانة وهجاء للإرهاب وأهله قيل بالفعل فى مرات عديدة سابقة،
كما أن كل عبارات العزاء والمواساة للأقباط جرى استهلاكها، حتى أن ترديدها فقد رنينه ومات فيه المعنى.

ليس ذلك فحسب وإنما ثبت أننا لم نتعلم شيئا من التجارب السابقة، وإننا اكتفينا بالرثاء والأحزان، فذرفنا الدموع بأكثر مما استنفرنا العقول.
وشغلنا بالتنديد بالإرهابيين وصب اللعنات عليهم بأكثر مما شغلنا بمراجعة أوضاعنا، وتحرى الثغرات التى تمكنهم من تحقيق مرادهم فى إرهابنا.
وفى أحيان كثيرة بدا أننا ركزنا على ملاحقة الإرهابيين وإنزال العقاب بهم ولم نقم بما يجب نحو ملاحقة المقصرين ومحاسبتهم على تقاعسهم.

(2)

الرسامون الثلاثة كانوا أكثر توفيقا فى الإفصاح عن بعض ما ينبغى أن ننتبه إليه ونفعله.
إذ وجدت مثلا أن صاحبنا الذى أكد على أن كله تمام وهو جالس على مكتب عائم فوق بحر الدماء،

هو ذاته الذى علم بأن قنبلة عثر عليها فى كنيسة طنطا قبل عشرة أيام من حلول مناسبة العيد ولم يكترث بالأمر.
فلا رفع مستوى الطوارئ فى محيط الكنيسة، ولا عزز من الحراسة على مداخلها.

ولم يفرق بين يوم أحد عادى تقام فيه الصلوات بالكنيسة، ويوم عيد تؤم المكان فيه أعداد غفيرة من الأقباط.

وأثار دهشتى وانتباهى ما تناقلته وكالات الأنباء خلال اليومين الماضيين عن ان البريطانيين كانوا قد أصدروا تعميما حذر من السفر إلى مصر فى فترة الأعياد وبسبب احتمال حدوث عمليات إرهابية،
وان الاستخبارات الإسرائيلية هى التى نقلت المعلومة إليهم.

وهو ما يعنى أن الإسرائيليين عرفوا وحذروا البريطانيين، لكن السلطات المصرية ظلت نائمة فى العسل كما يقال.

لا أريد أن أذهب إلى أن السلطات المصرية لم تفعل شيئا، لأنها فعلت الكثير، لكن ما فعلته ظل دون ما ينبغى أن يفعل فى الظروف الطارئة الراهنة.

ذلك أن السؤال الأول الذى لم يختلف عليه أحد بعد كل فاجعة عرفتها مصر من قبيل ما جرى هو:
أين الأمن؟،
ليس فقط بقواته واحتياطاته، ولكن أيضا بتحرياته ومعلوماته،

وضاعف من البلبلة والحيرة أننا لم نعرف حزما فى محاسبة المقصرين يتناسب مع الشدة التى عومل بها الفاعلون أو المشتبه بهم،
 لقد دأبت التصريحات الرسمية التى باتت تصدر فى أعقاب كل كارثة على تذكيرنا بالتضحيات التى بذلت، والجرائم المماثلة التى اكتشفت قبل وقوعها، وذلك أمر مقدر لا ريب. وهو يستحق التنويه فعلا،
 إلا أنه ينبغى أن يستقبل باعتباره أداء للوظيفة وقياما بالواجب.
 إلا أن ذلك لا يمنعنا من التساؤل عن السبب فى أن ذلك «الواجب» لم يقم به المسئولون عنه فى حالات أخرى.

صورة الرجل الحائر الذى لم يعرف على وجه الدقة ما إذا كان إرهاب داعش وحده المسئول عن أزمة البلد، أم أنه أيضا الفساد ومشتقاته تطرح سؤالا حقيقيا وجادا.
لأن تحميل الإرهاب بالمسئولية عن كل ما يحدث فى مصر لا يخلو من مبالغة.
لأن الإرهاب إذا كان بمثابة الشر الأكبر، فإن هناك شرورا أخرى تنخر فى عظام البلد وتنال من عافيته يتعين الانتباه إليها والتحذير منها.
 إن شئت فقل إن الإرهاب هو أحد الهموم وليس كل الهموم.

(3)

إذا كانت مثل تلك الرسوم تقرع بعض الأجراس، فثمة أجراس أخرى ينبغى أن يسمع رنينها فى الأجواء الراهنة،
ليس فقط للتنبيه إلى مواضع الخلل ولكن أيضا للتحذير من المزالق وإزالة الالتباسات، كى يصوب المسار وتوضع الأمور فى إطارها الصحيح.

من ذلك مثلا أننى لست من مؤيدى الفكرة القائلة إن تفجير الكنائس على بشاعته يعبر فقط عن استهداف الأقباط واضطهادهم.
وأقر ابتداء بأن الذين أعلنوا مسئوليتهم عن التفجير (تنظيم داعش) لهم رأيهم السلبى فى مخالفيهم فى الاعتقاد من غير المسلمين،
أو حتى بالفكر فى المسلمين (لاحظ أنهم كفروا حماس فى غزة واعتبروهم مرتدين).

مع ذلك فينبغى ألا ننسى أن تلك الكنائس كانت أمامهم ولم تمس طوال السنوات الثلاث السابقة،
وإذا كانت بعض الكنائس قد تعرضت للهجوم من جانب بعض المتعصبين أو المجهولين فى السنوات السابقة، فلم نسمع أن تنظيم داعش كان طرفا فى تلك الاعتداءات.

لذلك فإننى أزعم أن استهداف الكنائس فى سيناء أو فى خارج حدودها تم بعد التضييق الشديد عليهم والردع القوى لهم هناك من قبل القوات المسلحة والشرطة.
 الأمر الذى اضطرهم إلى البحث عن أهداف خارجها يمكن الوصول إليها لإزعاج السلطة ومواصلة تحديها.
وهو تقدير إذا صح، فهو يعنى أن ما أقدموا عليه هو جريمة أريد بها مكايدة النظام القائم، وكان الأقباط ضحية له.

فى هذا الصدد من المهم ملاحظة أمرين:
 أولهما أن العمليات الإرهابية قامت بها عناصر داعش وسجلت ذلك فى البيانات التى أصدرتها.
وهو ما يعد كاشفا عن حقيقة الفاعلين فى هذه الحالة، فى حين أن هناك حالات أخرى عديدة نسبت إلى «الإرهابيين» دون تحديد لهوياتهم، وهو ما فتح الباب لتعميم التهمة على الجميع.

الأمر الثانى إن نشاط تلك المجموعات ظل مستهدفا مراكز السلطة ومؤسساتها ومفاصلها وليس المجتمع.
فلم نسمع عن عمليات إرهابية استهدفت المقاهى أو المجمعات السكنية أو المتاجر و«المولات».
وربما عد ذلك من الفروق المهمة بين جرائم الإرهاب الواقع فى بلادنا، وبين نظيره فى الدول الأوروبية،
 فالأول يستهدف السلطة والثانى يضرب فى المجتمع.

(4)

لدى خمس ملاحظات أخرى لا أعتبرها أجراسا لكنى أزعم أنها من قبيل التفاعل مع قرارات مجلس الأمن القومى التى أعلنت مساء يوم التفجير (الأحد ٩/٤).
هذه الملاحظات هى:

<
إن إعلان حالة الطوارئ وإن بدا مفهوما ومبررا، إلا أننى تمنيت أن يكون قد صدر بعد دراسة وافية لتجربة الطوارئ فى سيناء، لاستخلاص العبرة منها وضمان تحقيق الهدف المراد منها.
من ناحية أخرى فإن الطوارئ تعد سلاحا بحدين،
فهى قد تشدد من القبضة الأمنية التى لم نعرف أن هناك ما يعطلها فى الظروف العادية.
إلا أنها يمكن أن تصبح قيدا على الحريات العامة يعمق من الاحتقان فى المجتمع فضلا عن انقسامه.

والاحتمال فى هذه الحالة ليس مستبعدا، لأن الطوارئ حين تعلن فى المجتمعات الديمقراطية فإنها تتم فى ظل ضوابط صارمة ورقابة قضائية تجعل من الطوارئ عاملا يحقق الأمن للمجتمع وليس خصما من رصيد الحريات فيه.

<
إننى لا أعرف مدى ملاءمة إنشاء مجلس قومى مطلق اليد فى مكافحة الإرهاب، فى العام الرابع من عمر النظام الحالى، وبعد ثلاث سنوات من الصراع أثر فيها الإرهاب على الاستثمار والسياحة.
وحين يحدث ذلك بعدما بذلت جهود حثيثة لتشجيع تلك المجالات فأخشى أن لا تحقق تلك الجهود مرادها فى ظل المجلس الجديد، الذى قد يكون وجوده طاردا للمستثمرين والسائحين.

<
إننى أتمنى أن يحيد الخطاب الدينى فى ساحة المواجهة، لأن اللغط المثار حول تجديده مستمر منذ سنوات ولم يحقق نتيجة تتجاوز تشديد سيطرة الأمن على المساجد، وفتح الأبواب للمهرجين والأدعياء والخصوم للحط من التعاليم وتجريحها، علما بأن الصراع فى جوهره سياسى وليس فكريا أو دينيا.

<
إن الإجراءات إذا كانت ضرورية فهى قد لا تخلو من فائدة، لكن مراجعة السياسات تظل ضرورية أيضا. وربما صارت أكثر أهمية إلحاحا.

بكلام آخر فإن تقوية قبضة السلطة لا يجادل فيها أحد، لكن إضعاف قوة المجتمع والتضييق عليه لا يخدم الاستقرار، ولكنه يغرى بمزيد من التغول الذى يشكل بيئة مواتية لتمدد الإرهاب.
لذلك أزعم بأن المواجهة تحقق نجاحها المنشود إذا تضافرت فيها قوة السلطة مع قوة المجتمع.

<
أخيرا فإنه إذا كانت انتخابات الرئاسة القادمة تتم بعد عشرة أشهر من الآن، وفرضت الطوارئ لثلاثة أشهر، فإن المعادلة الصعبة التى يتعين حلها هى كيف يمكن توفير المناخ المواتى لإجراء الانتخابات الرئاسية فى الأشهر السبعة التالية، دون أن تتأثر بأجواء الطوارئ وإفرازاتها؟

................................

1 التعليقات:

usama يقول...

كلمة السر
الاستربتيز

Delete this element to display blogger navbar