Subscribe:

Ads 468x60px

24 أبريل، 2017

عن انتكاسة الربيع العربى فى المغرب – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 28 رجب 1438 – 25 أبريل 2017
عن انتكاسة الربيع العربى فى المغرب – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

مثلما قدمت المملكة المغربية نموذجا للاستثناء فى التفاعل الذى بدا إيجابيا مع الربيع العربى فى زمانه، فإنها قدمت أخيرا نموذجا مماثلا لتفريغه من مضمونه.

(1)

تتردد فى كتابات النشطاء والمدونين المغاربة فى الأسابيع الأخيرة عبارات مثل
«عودة المخزن إلى صدارة المشهد»
و«إغلاق قوس الحراك الديمقراطى»
و«الفوز فى الانتخابات تحول إلى هزيمة سياسية»،
و«أهم نجاحات الثورة المضادة»... إلخ.

وهى العبارات التى تختزل ست سنوات من خبرة السياسة المغربية، التى بدا أنها دخلت منعطفا جديدا مع هبوب رياح الربيع العربى فى عام ٢٠١١، وتلك خلفية لا مفر من استدعائها.

آنذاك، بعد نجاح ثورة الشعب التونسى وسقوط نظام بن على وهروبه وكذلك انطلاق شرارة الثورة فى مصر، كان لذلك الحراك صداه القوى فى المملكة المغربية،
ذلك أن مليكها محمد السادس كان قد ورث نظاما بوليسيا سلطويا لم يختلف كثيرا عما كان عليه الحال فى تونس ومصر، وربما كان أشد،
 ورغم أن الملك بعد توليه العرش فى سنة ١٩٩٩ حاول امتصاص غضب المغاربة وسخطهم من خلال تشكيل «لجنة الإنصاف والمصالحة»،
 إلا أن التجربة أثبتت أن رحيل الملك الحسن لم يغير كثيرا فى النظام وأدائه نظرا لرسوخه وعمقه التاريخى.

حين هبت رياح التغيير فى بداية عام ٢٠١١، كانت الساحة المغربية جاهزة لاستقبالها. ذلك أن بعض الشباب المغاربة سارعوا إلى إعداد مقطع فيديو قصير دعوا فيه إلى التظاهر يوم ٢٠ فبراير لإعلان المطالبة بالإصلاح.

وكان للدعوة صداها السريع، إذ ظهرت بعده تسجيلات عدة مؤيدة ومؤازرة له.
وظلت كرة الثلج تكبر ومعها ظل صوت الدعوة للتغيير يعلو، إلى أن ذاع خبر انتصار الثورة المصرية وتنحى الرئيس مبارك فى ١١ فبراير.
حينذاك قررت ٢٠ هيئة حقوقية مغربية يوم ١٧ فبراير الانضمام إلى الحركة الاحتجاجية وتأييد انتفاضة ٢٠ فبراير.
وفى اليوم نفسه (١٧ فبرير) عقد شباب حركة ٢٠ فبراير مؤتمرا صحفيا فى مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أعلنوا فيه صراحة مطالبهم التى حدودها فى أمور عدة هى:
 إقامة نظام ملكى برلمانى
ــ وضع دستور ديمقراطى جديد
 ــ حل البرلمان وإقالة الحكومة.

(2)

لأن الغضب كان عاما وعارما، كما أن المطالب كانت كلها إصلاحية بالدرجة الأولى، مع الديمقراطية وضد الاستبداد والفساد،
ولأن الرياح بدت شديدة فى العالم العربى، فإن الموجة بدت أعلا وأقوى من أن تتصدى لها المؤسسة الأمنية.

وحين أدرك الملك ذلك فإنه سارع إلى ضم صوته إلى الدعوة للتغيير، ووجه خطابا يوم ٩ مارس، وصفته بعض الصحف بأنه «ثورى»، عبر فيه عن تجاوبه مع طموح الشارع المغربى، فدعا إلى تعديل الدستور وشكل لجنة استشارية لذلك الغرض، حتى بدا وكأنه رفع شعار «الشعب يريد وأنا معه».

الدستور الجديد بعد تعديله أشاع بعض التفاؤل.
إذ نص على الفصل بين السلطات واحترام استقلال القضاء.
كما أنه وسع من اختصاص الوزير الأول (رئيس الوزراء) بحيث أصبح هو المسئول عن إدارة الحكومة وليس فقط منسقا بين الوزراء.
كما نص على اختيار رئيس الوزراء من الحزب الفائز بأعلى الأصوات فى الانتخابات.
 الأمر الذى بدا تعبيرا عن احترام نتائج صناديق الاقتراع.
واعتبر الأمازيغية لغة وطنية إلى جانب العربية، فى تعبير آخر عن احترام التعددية العرقية والاثنية.
ووصفته بعض وسائل الإعلام باعتباره نقلة أحدثت ثورة سياسية وثقافية فى المملكة، وخصما من صلاحيات القصر (المخزن كما يوصف فى الأدبيات المغربية).
ولم يكن ذلك خصما حقيقيا، وإنما كان بمثابة خطوة واحدة إلى الوراء.

تم الاستفتاء على الدستور الجديد فى شهر يوليو عام ٢٠١١، وجرى التصديق عليه فى سبتمبر،
ثم أجريت الانتخابات التشريعية وفقا له فى شهر أكتوبر، وشارك فيها ٣٠ حزبا، وحين فاز حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية بالمرتبة الأولى (حصل على ١٠٧ مقاعد من مجموع ٣٩٥ لمجلس النواب)،
 فلم يكن هناك مفر أمام الملك من تعيين عبدالإله بنكيران الأمين العام للحزب فى منصب الوزير الأول.

حدث كل ذلك فى عام ٢٠١١، الأمر الذى مكن النظام المغربى من الانحناء لعاصفة الربيع العربى.
وكانت النتيجة أن «المخزن» استطاع أن يخرج منها بسلام، بإشاعة تجاوبه مع الدعوة إلى الإصلاح والتغيير من خلال النظام ودون حاجة إلى تغيير كما حدث فى حالات أخرى
ــ وهو ما عُد استثناء حظى بالإعجاب والتقدير.

(3)

كان حزب العدالة والتنمية (الذى بدأ باسم حركة التوحيد والإصلاح) جزءا من الخارطة السياسية وفى المعارضة منذ ١٤ عاما.
 إذ بدأ فى عام ١٩٩٧ بتسعة مقاعد فى مجلس النواب، أصبحت بعد ذلك ١٤ مقعدا وتضاعفت إلى ٤٢ مقعدا (فى سنة ٢٠٠٢) ثم ٤٦ مقعدا فى الانتخابات التالية.
 إلا أن أجواء الربيع العربى مكنت الحزب من تقدم الصفوف والفوز بـ١٠٧ مقاعد فى عام ٢٠١١.

المناخ الذى أتاح فرصة الفوز، كان له دوره فى تيسير تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة الأمين العام للحزب السيد عبدالإله بنكيران.
وقد اشترك معه فيها ثلاثة من أحزاب الوسط السياسى هى:
حزب الاستقلال والحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية.

ولم تكن مهمة الحكومة سهلة ولا كان الطريق أمامها ممهدا.
إذ فضلا عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتحديات الفساد التى يعانى منها المجتمع المغربى، فإن مراكز القوى فى الدولة لم تكن سعيدة بالتركيبة الجديدة للحكومة التى أفرزتها أجواء الربيع العربى، خصوصا أنها جاءت بوزير أول ينتمى إلى حزب له مرجعيته الإسلامية.

فالقصر كان يراقب وحلفاؤه من أصحاب المصالح وعناصر الدولة العميقة ظلوا كامنين ومتربصين.
أما الخصوم السياسيون والفكريون فقد ظلوا فى الواجهة يناوؤن ويتصيدون.

وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن أجواء تلك المرحلة اقتضت إقامة «هدنة» نسبية على المسرح السياسى،
خصوصا أن رئيس الحكومة حرص طوال الوقت على أن يحتفظ بعلاقة إيجابية مع القصر، وهو يحاول تنفيذ برنامج حكومته فى الإصلاح ومكافحة الفساد.

ويذكر له فى هذا الصدد أنه قام بإصلاح صندوق المقاصة الذى كان يدعم السلع الأساسية،
كما أن حكومته رفعت أسعار بعض السلع (المحروقات والكهرباء وبعض السلع الغذائية)،
إلا أنها بالمقابل دعمت صندوق التضامن الاجتماعى ورفعت معاشات المتقاعدين وزادت من دعم الأدوية لتخفيض أسعارها ورفعت نسبة الطلاب المستفيدين من المنح... إلخ.

ما يثير الانتباه، أن رفع الأسعار لم يؤثر على شعبية الحكومة.
دلت على ذلك نتائج الانتخابات الأخيرة التى أجريت فى ٧ أكتوبر من العام الماضى (٢٠١٦)،
ذلك أن حزب العدالة والتنمية لم يحتفظ بصدارته للفائزين فحسب، وإنما ارتفع عدد المقاعد التى حصدها،
إذ فاز بـ١٢٥ مقعدا مقابل ١٠٧ مقاعد فى انتخابات عام ٢٠١١،

وكان الحزب قد فاز برئاسة البلديات فى أهم المدن المغربية فى الانتخابات التى جرت فى العام السابق.
 إلا أن ذلك الفوز فى الانتخابات التشريعية والبلدية تم فى مناخ مختلف ــ بل مناقض تماما ــ لذلك الذى هبت رياحه على العالم العربى عام ٢٠١١.

(4)

الحكومة التى تشكلت فى أجواء انطلاق الربيع العربى لم يكن مستغربا ان تختلف عن تلك التى أريد لها أن تتشكل فى أجواء انتكاسته،
لذلك لم يكن مفاجئا أن تنتهى الهدنة التى كانت منعقدة ضمنا بين الفرقاء فى عام ٢٠١١.

وكانت النتيجة أن بنكيران الذى استطاع تشكيل حكومته فى عام ٢٠١١، جرى إفشال محاولته حين كلف بالمهمة ذاتها فى عام ٢٠١٦.
فالذين تراجعوا وسكتوا فى عام ٢٠١١ تقدموا وارتفعت أصواتهم،
والذين كمنوا ظهروا مرة أخرى على المسرح،
والذين راقبوا أصبحوا أكثر جرأة فى فرض شروطهم.

كما أن القوى الإقليمية التى آثرت السكون والحذر صارت طرفا فاعلا ومؤثرا.

لذلك فإن بنكيران حين قاوم ضغوط المرحلة الجديدة ورفض المساومات والإملاءات فإنه لم يستطع عقد الائتلاف الذى يشكل به حكومته الجديدة.
ووصف المشهد فى الإعلام المغربى بأنه «بلوكاج» وهو مصطلح فرنسى يعبر عن «الانسداد».

إزاء ذلك أعفاه الملك من تشكيل الحكومة، وأسند المهمة إلى الدكتور سعد الدين العثمانى، الرجل الثانى فى حزبه.
وهو طبيب دارس للعلوم الشرعية، كان قد تولى حقيبة الخارجية فى وقت سابق.
وأمهله الملك ١٥ يوما لأجل ذلك.

حين صدر الأمر الملكى بإجازة وزارة العثمانى تبين أنها أقرب إلى وزارات ما قبل ٢٠ فبراير ٢٠١١.
صحيح أن حزب العدالة والتنمية الفائز انتخابيا حصل فيها على ١٠ وزارات من ٣٩، إلا أنها كانت الأقل أهمية، فى حين أن الوزارات الأخرى الأكثر أهمية وزعت على رجال القصر ومراكز القوى المنافسة فضلا عن الخصوم السياسيين إضافة إلى التكنوقراط ورموز العائلات الغنية.

فإلى جانب أن «المخزن» يعين مباشرة وزراء الدفاع، الداخلية، والأوقاف.
 فإن الحزب الرابع فى ترتيب الفائزين (التجمع الوطنى للأحرار الذى له ٣٧ نائبا فى البرلمان فقط) حصل على أهم وزارات المال والفلاحة.
ورئيسه المقرب من القصر عزيز اخنوش حصل على وزارة تختص بالفلاحة (الزراعة) والصيد البحرى والتنمية القروية والمياه والغابات.
وعين أشد خصوم العدالة والتنمية عبدالوافى لفتيت الذى كان واليا على الرباط وزيرا للداخلية.
أما وزير الداخلية السابق محمد حصاد الذى كان بدوره خصما للإسلاميين فإنه عين وزيرا للتربية والتعليم.
أخذ على الوزارة أيضا أنها غير متجانسة فى اتجاهات عناصرها، وإن القصر وراء تعيين عشرة منهم على الأقل، وإن العثمانى لن يكون له سلطة عليهم لأنهم جاءوا من جهات أعلا.

فضلا عن الاستياء الذى قوبلت به الوزارة الجديدة، فإن تشكيلها أحدث صدمة وصفت بأنها زلزال فى أوساط حزب العدالة والتنمية.
ومن نشطاء الحزب من وصفها فى المدونات بأنها حكومة «الإهانة».

إلا أننى فهمت أن الدكتور العثمانى ــ وهو من حكماء الحزب وقادته التاريخيين ــ بالتنازلات التى قدمها فإنه وضع فى اعتباره أمورا ثلاثة،
أولا أنه راهن على كفاءته المشهودة فى التوفيق بين المتناقضات ومرونته فى الإدارة.
وثانيا أنه حافظ على شعرة التفاعل الإيجابى مع القصر، لأن البديل هو الانتقال إلى المعارضة والصدام مع الملك. وفى ذلك من الضرر الذى يصيب المجتمع واستقراره بأكثر مما فيه من النفع.
الثالث أنه حين خُيِّر بين السيئ والأسوأ فإنه قبل بالسيئ، معتبرا أن ذلك يصب فى مصلحة البلد وإن بدا خصما من رصيد الحزب.

أيا كانت المبررات فإن العودة الظاهرة إلى أجواء ما قبل فبراير ٢٠١١، إذا كانت صدى لانتكاسة الربيع العربى فى الإقليم فإن ذلك يظل شأن الطبقة السياسية ولاعبيها.
 لكننا سنحتاج إلى وقت أطول لكى نتعرف على صدى كل ذلك فى الشارع العربى الذى يعيش تلك الأجواء ويمر بمختلف العواصم، والرباط من بينها بطبيعة الحال.

.........................

تعقيب من الصين

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 27 رجب 1438 – 24 أبريل 2017
تعقيب من الصين – فهمي هويدي

أبدى باحث صينى أربع ملاحظات على ما نشر لى فى أول إبريل الحالى تحت عنوان «أشقاؤنا المنسيون»،
وكانت مقالتى بمناسبة صدور قانون يسجل ١٥ محظورا على المسلمين الصينيين،
وهو ما اعتبرته إحدى حلقات مسلسل القمع الذى يتعرضون له.

الباحث هو شوى تشينغ قوه وهو متخصص فى الشئون العربية ومدير لمركز الدراسات العربية والإسلامية فى جامعة الدراسات الأجنبية ببكين.
وقد اختار لتعقيبه عنوانا هو:
 ضد الإسلام أم ضد التطرف؟

وهو يمهد لملاحظاته ذكرنى ــ باللطف والأدب الصينى المعهودين ــ بأننى زرت جامعته قبل ربع قرن، حين كنت أعد كتابى «المسلمون فى الصين»،
والتقيت أستاذه المؤرخ الراحل عبدالرحمن ماجونغ الذى كان بين من اعتمدت عليهم فى عرض تاريخ العلاقات الصينية العربية.
ثم حين دخل فى الموضوع فإنه أبدى الملاحظات التالية:

<
إن ظاهرة التطرف الدينى تفاقمت بشكل ملحوظ فى إقليم سينكيانج الذى يشكل أحد معاقل المسلمين هناك.
ففى جنوب الإقليم أجبرت النساء بل الصبايا أيضا على ارتداء الجلباب الأسود والبرقع. وترك العمل خارج المنزل. وظهرت موجة عارمة فى تشديد التفرقة بين الحلال والحرام.
 فبين مياه الشرب وأوراق الكتابة ما هو حلال وحرام.
ومتابعة الإذاعة والتليفزيونات الحكومية حرام والموسيقى والغناء حرام والرقص فى الزفاف والبكاء فى المآتم.
بل حتى الأدوات الكهربائية التى توفرها الحكومة لمساعدة الفقراء، هذه كلها حرام.
 أما المعارض لهذا التشدد فيعتبر كافرا يستحق عقوبة قد تصل إلى الإعدام.
ونتيجة لهذه الأفكار وقعت العديد من الحوادث الإرهابية فى داخل الإقليم وخارجه.

<
الملاحظة الثانية تتعلق بتاريخ مقاطعة سينكيانج، التى ذكرت فيما كتبت أنها جزء من تركستان الشرقية، وجرى ضمها رسميا إلى الصين فى عام ١٩٤٩.
وقد ذكر الباحث أنها كانت تحت الحكم الصينى منذ عام ٢٠٦ قبل الميلاد إلى عام ٢٢٠ الميلادى وقد أطلق عليها فى التاريخ الصينى القديم اسم «شى يو» أى المناطق الغربية.
أما مصطلح تركستان الشرقية فقد اخترعه مستشرق روسى له توجهه الاستعمارى فى القرن التاسع عشر (اسمه نيكيتا بيشورين).

<
الملاحظة الثالثة أن وصف مسلمى الصين بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية مغاير للحقيقة وتشهد بذلك السياسات التفضيلية التى طبقت فى الصين منذ تسعينيات القرن الماضى لصالح الأقليات القومية واستفادت منها القوميات الإسلامية العشر.
 وهى تشمل التساهل فى المعاملات القضائية والمرونة فى تنظيم النسل وتخفيض درجات قبول الطلاب الجامعيين وغيرها.

ردى على ملاحظات الأخ شوى نشينغ ألخصه فيما يلى:

<
لا أختلف معه فى نقد مظاهر التطرف التى ذكرها أو إدانة أى إرهاب يترتب عليها،
 لكن ما عدده يعد من رواسب التخلف والقصور الفكرى، الذى له نظائر أخرى فى بعض مجتمعات مسلمى آسيا الوسطى،
وهى أمور لا يعالجها الحظر القانونى وإنما يعالجها تصحيح المفاهيم ونشر الثقافة الدينية الصحيحة.

والتدخل القانونى فى هذه الحالة يعد نوعا من القهر الذى يزيد من وتيرة العنف.
ثم إن ذلك لا علاقة له بمنع الصيام أو حظر الحج أو معاقبة الملتحين،
الأمر الذى يصنف بحسبانه عداء للتدين وليس التطرف.

<
تاريخ ضم المقاطعة إلى الصين تتعدد فيه القراءات.
وفى مقابل ما ذكره هناك مراجع عدة توثق اجتياح الصين لسينكيانج منها:
 قصة تركستان لعيسى يوسف البتكين وشرق تركستان تاريخى لمحمد أمين بغرا وتركستان الشرقية فى عهد ملوك الطوائف لمحمد قاسم أمين، وغيرها.
وتتحدث تلك الكتب عن نضال المسلمين الأويغوريين وثوراتهم ضد الاحتلال الصينى، وأشهر ثورة عام ١٨٥٣ التى استمرت أربع سنوات.

<
ما ذكره عن السياسات التفضيلية للأقليات القومية ــ إذا صح ــ فهو شىء جيد، لكن ذلك لا علاقة له بهويتهم الدينية،
 فضلا عن أن الأنباء التى تناقلتها وكالات الأنباء هذا الأسبوع عن استدعاء الطلبة الأويغور الذين يدرسون فى مصر وتركيا واليابان واعتقالهم بعد عودتهم تشككنا فى دقة الكلام عن «المعاملة التفضيلية» التى ذكرها الباحث المحترم،
ومبلغ علمى أن المسلمين الذين يعيشون فى الصين لا يتطلعون إلى تلك المعاملة التفضيلية، لكنهم يحلمون بأن يعاملوا كمواطنين عاديين لهم الحق فى الكرامة والحق فى الحفاظ على هويتهم الدينية.

.....................

22 أبريل، 2017

رسالة صورة الأسبوع

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 26 رجب 1438 – 23 أبريل 2017
رسالة صورة الأسبوع – فهمي هويدي

صورة الأسبوع بامتياز هى تلك التى ظهر فيها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وهو يستقبل فى البيت الأبيض آية حجازى بعدما برأتها محكمة جنايات القاهرة وأطلق سراحها من السجن الذى قضت فيه ثلاثة أعوام. الصورة التى تناقلتها وكالات الأنباء العالمية أمس الأول (السبت ٢٤/٤) كانت مفاجئة لنا.

إذ إننا اعتدنا على رؤية آية وراء قضبان قفص الاتهام فى المحكمة، وقد تدثرت بثياب السجن البيضاء وتلفحت «بطرحة» غطت بها شعر رأسها،
لذلك كان منظرها غريبا ذلك المساء وفى جلوسها أمام الرئيس الأمريكى مرتدية بدلة سوداء أنيقة وعلى وجهها علامة الاطمئنان والسعادة.

وحين علمت أن الرئيس الأمريكى أرسل طائرة خاصة لنقلها إلى واشنطن، استحضرت على الفور صورتها وهى تهم بركوب عربة الترحيلات وتلوح لأهلها قبل أن تعيدها إلى سجن القناطر الخيرية بعد جلسة المحاكمة.

لم يكن تصرف الرئيس الأمريكى فريدا فى بابه، فثمة سابقة وقعت فى عام ٢٠١٢ حين اتهم تسعة أمريكيين وثمانية من جنسيات أخرى فى قضية «التمويل الأجنبى»، ولكن الاتصالات التى تمت مع المجلس العسكرى القائم على الأمر آنذاك انتهت بتسفير الجميع على طائرة أمريكية خاصة، أثناء نظر القضية.

مع ذلك فأغلب الظن أن ما حدث مع آية حجازى يسهم فى تحسين صورة الرئيس الأمريكى، وقد نجح فى ذلك إلى حد كبير.

بذات القدر فإن ما فعله الرئيس ترامب معها إذا أضاف شيئا إلى رصيده، فإن قصة آية التى أصبحت محل اهتمام عالمى تعد خصما من رصيد مصر وصورتها فى الخارج التى تسهم ممارسات النظام فى تشويهها بين الحين والآخر. إذ فى حين ظهر ترامب باعتباره رئيسا حريصا على كرامة مواطنيه.
فإن آية صارت رمزا للمظلومية فى مصر التى ظهرت بحسبانها الدولة التى تسجن مواطنيها ظلما لعدة سنوات، ولا تطلق سراحهم إلا بعد تدخل خارجى من إحدى القوى الكبرى.

إذا نحينا جانبا مشاعرها الخاصة جراء الانتقال المفاجئ من زنزانة بسجن النساء إلى المكتب البيضاوى فى البيت الأبيض فسنجد أن الصورة محملة برسائل عدة تستحق القراءة منها ما يلى:

<
إذ رأينا فيها نموذجا يستحق المقارنة بين دولة تدافع عن كرامة مواطنيها وأخرى تهدر منها تلك الكرامة.

<
أدركنا بأن ما يقال فى الخطب والمقالات عن مغازلة المواطنين وسمو مكانتهم يتبدد فى غمضة عين فى لحظة الاختلاف، بحيث يصبح مصير المواطن معلقا على درجة ولائه وانسحاقه، ومن ثم تصبح كرامته من المتغيرات وليست من الثوابت.

<
أدركنا أيضا بأن العدالة بمختلف عناوينها ومفرداتها ليست كافية ولا ضامنة لحماية الأفراد، ولكن السياسة هى التى تحسم مصائرهم.

<
إن المواطن البرىء ــ الضعيف والأعزل ــ يمكن أن يجد نفسه متهما فى قائمة طويلة من الجرائم التى تلقى به وراء الشمس لمجرد أن التقارير الأمنية اخترعتها لسبب أو آخر.
واتهام آية ورفاقها بتكوين عصابة للاتجار بالبشر والاستغلال الجنسى للأطفال (وبقية التهم التى برئوا منها) لم يختلف عن اتهام قبطى بأنه من الإخوان أو اتهام كفيف بأنه كان قناصا أو اتهام ناشط بأنه شيوعى وإخوانى وعضو فى ٦ إبريل بنفس الوقت.

<
لأن آية حجازى لم تكن لها علاقة لا بالإرهاب ولا بالإخوان وكل «جريمتها» أنها تصرفت هى وزملاؤها بدوافع وطنية خالصة حركتها ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، فقد جرى تجريمها ضمن الجيل الذى عوقب لاحقا لأنه استجاب لنداء التغيير وإقامة مصر الجديدة.

<
إن الذى ظهر فى الصورة لم يكن فقط شخص آية حجازى، ولكنه أيضا تجسيد لوجع مصرى عانت منه البلاد منذ عام ٢٠١٣ وراح ضحيته آلاف البشر، الذين حدث مع بعضهم على الأقل ما عانت منه آية وزملاؤها.

<
إن المواطن المصرى لكى يؤمن نفسه أمامه ثلاثة خيارات.
فإما أن يعتزل الشأن العام ويبقى فى حاله منشغلا بأسرته وحدود بيته.
وإما أن يهاجر فى بلاد الله الواسعة،
وإما أن يستميت ليحصل على جواز سفر لدولة محترمة، تقف إلى جواره عند اللزوم.

ذلك أن المواطن الصالح فى هذا الزمن هو المواطن المهاجر، سواء بقى فى داخل البلاد أم خارجها.

....................

المصالحة الوطنية المنسية

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 25 رجب 1438 22 أبريل 2017
المصالحة الوطنية المنسية - فهمي هويدي

حين دعا الرئيس السيسي إلى مصالحة وطنية في العراق، أثناء لقائه مع السيد عمار الحكيم، قلت إن الفكرة جيدة لا ريب، ليتنا نطبقها في مصر.
الدعوة تحدثت عنها صحف الأربعاء الماضي (١٩/٤) وأبرزتها جريدة «الأهرام» على رأس صفحتها الأولى، مع صورة استقبال الرئيس للسيد الحكيم الذي قدم باعتباره رئيس التحالف الوطني العراقي،
ولم يشر إلى صفاته الأخرى باعتباره أحد رموز الإسلام السياسي ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في بلاده.
وهو الموقع الذي ورثه عن أبيه وجده آية الله العظمى السيد محسن الحكيم.

 
فهمت مما نشرته بعض الصحف المصرية يوم الخميس أن أفكارا أخرى مهمة أثيرت في لقاء الرئيس مع السيد الحكيم (مثل اقتراح عقد مؤتمر إقليمي تشارك فيه مصر مع إيران وتركيا والسعودية والعراق)،
إلا أنني لست في موقف يسمح لى بالتعرف على صدى تلك الأفكار لدى الجانب المصري.
مع ذلك فإنني أرحب وأحيى كل جهد إيجابي يبذل للتواصل مع الأشقاء العرب بوجه أخص، بغض النظر عن موضوعه.

 
استوقفتني فكرة المصالحة لعدة أسباب، أهمها أنها لم تعد هما قوميا وعربيا فحسب، ولكنها صارت هما وطنيا وقطريا أيضا،
ذلك أن انفراط العقد أصبح إحدى سمات المرحلة في منطقتنا، حتى بات محزنا ومفجعا أن ينقلب المشهد في عالمنا العربي، بحيث يستمر التباعد بين العواصم العربية في حين تتزايد مؤشرات التقارب بين بعض تلك العواصم وبين «إسرائيل».

 
لست أخفي أن حديث الرئيس السيسي عن المصالحة الوطنية في العراق، هو ما أثار لدي السؤال عن مصيرها في مصر.
ذلك أنها أصبحت ملفا منسيا من جانب عامة الناس، أو مستهجنا من جانب بعض عناصر النخبة.

حدث ذلك في حين أن خارطة الطريق التي أعلنها الفريق (آنذاك) عبدالفتاح السيسي في الثالث من يوليو عام ٢٠١٣ نصت على:
 «تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية، من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى النخب الوطنية وتمثل مختلف الاتجاهات».

وهي الدعوة التي لم يعد يأتي على ذكرها أحد. حتى يبدو وكأنها سقطت من الذاكرة المصرية، في حين أنها باتت الآن ــ في عام ٢٠١٧ ــ أكثر إلحاحا عما كانت عليه الأوضاع في عام ٢٠١٣

ــ إذا سألتني لماذا؟
فردي كالتالي:

في عام ٢٠١٣ كان قطبا الصراع آنذاك هما
 جماعة الإخوان وحلفاؤها من ناحية،
وفي الناحية الأخرى ائتلاف ٣٠ يونيو الذي ضم طيفا واسعا من النخب والقوى السياسية إلى جانب القوات المسلحة، وهي التي أعلن الفريق السيسي باسمها خارطة الطريق في ٣ يوليو آنذاك.

أما الآن فإن موقع جماعة الإخوان لا يزال كما هو،
 أما ائتلاف ٣٠ يونيو فقد انفرط عقده ولم يعد له وجود، إذ توزعت مكوناته على مواقع المعارضة والاستقلال والموالاة، وأصبح الأخيرون يسيطرون على مجلس النواب في تحالف غير معلن مع السلطة التنفيذية المؤيدة بالقوات المسلحة.

 
إزاء ذلك فإن مفهوم المصالحة الوطنية لم يعد مقصورا على التصالح مع الإخوان، ولكن المصالحة صارت مطلوبة مع الشريحة الأوسع من القوى الوطنية في مصر.

وليس خافيا على أحد أن تلك الشريحة الأخيرة يزداد حجمها حينا بعد حين، خصوصا بعدما أثيرت قضية مصرية جزيرتي تيران وصنافير إلى جانب موقف السلطة من الجمعيات الأهلية وانتهاكات حقوق الإنسان فضلا عن الاعتداء على استقلال القضاء،
وشكل تعويم الجنيه والغلاء الفاحش الذي قصم ظهور الجميع. طفرة مهمة في مؤشرات السخط والغضب الشعبي.

 
هذه الخلفية بمؤشراتها وتداعياتها المؤرقة تدق الأجراس بقوة منبهة إلى ضرورة فتح ملف المصالحة الوطنية،

ويظل مدهشا ومستغربا ألا تسمع تلك الأجراس رغم الدوي الذي تحدثه، بحيث لا تخطئه عين مفتوحة ولا يفوت سماعه على أذن مفتوحة.

وهو ما يوجب ليس فقط التنويه والتذكير، وإنما التحذير أيضا.
...................................


19 أبريل، 2017

مشكلتهم أنهم مصريون

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 23 رجب 1438 20 أبريل 2017
مشكلتهم أنهم مصريون – فهمي هويدي

هذا خبر يجمع فى صداه بين الفرح والفزع.
إذ لابد أن يفرح المرء حين يقرأ أن ثمانية أشخاص سجنوا ظلما لثلاث سنوات أطلق سراحهم بقرار من قاضى الجنايات،
 إلا أن ما روعنى وأفزعنى اكتشاف أن التهم المشينة والجسيمة التى وجهت إلى أولئك الأشخاص وأدت إلى سجنهم طوال تلك المدة كانت جميعها ملفقة، ولا أساس لها من الصحة،

 ليس ذلك فحسب، وإنما كان مثيرا للحزن والشعور بالخزى أن تربط وسائل الإعلام بين القرار وبين ضغوط خارجية مورست دفاعا عن المتهمة الرئيسية فى القضية تبين أنها تحمل الجنسية الأمريكية فضلا عن المصرية، كأنما سجنت واتهم معها سبعة آخرون لأنها مصرية، ثم برئت ومعها الجميع لأنها أمريكية.

أتحدث عن قضية جمعية «بلادى» التى أنشأتها السيدة آية حجازى وزوجها محمد حسانين لرعاية أطفال الشوارع فى مصر،
كانت جريمة السيدة التى اكتسبت الجنسية الأمريكية ودرست القانون فى جامعة جورج ميسون أنها عادت إلى مصر بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ أملا فى أن تسهم بأى جهد لتحقيق الحلم الذى راود الجميع آنذاك لبناء مصر الجديدة.

وقد بدأت تنفذ مشروعها بعدما أنشأت الجمعية وحصلت على التصريح القانونى اللازم لذلك.
 إلا أنها لم تسلم من الأذى أثناء الإعصار الأمنى الذى ضرب مصر فى عام ٢٠١٣،
إذ فى أول مايو ٢٠١٤ ألقت الشرطة القبض على أحد الأطفال فى ميدان التحرير أثناء إحدى المظاهرات.
وكان ذلك خيطا أوصلها إلى الجمعية وأدى إلى إلقاء القبض على عشرين طفلا بعد اقتحام المقر،

كما ألقى القبض على آية وزوجها. ومعهما بعض المتطوعين الذين اشتركوا فى رعاية أولئك الأطفال. التهم التى وجهت إلى المجموعة شملت تشكيل وإدارة عصابة متخصصة فى الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسى للأطفال وهتك أعراضهم، وتسخيرهم فى جمع تبرعات مالية.
وكذلك تكوين عصابة منظمة لاختطاف أطفال الشوارع والهاربين من سوء معاملة ذويهم، واحتجاز أطفال داخل كيان مخالف للقانون بدون ترخيص.

بسبب تلك الاتهامات أصبح الجميع متهمين فى القضية رقم ٤٢٥٢ لسنة ٢٠١٤ التى انبنت على التقارير والتحريات الأمنية التى تضمنت المعلومات سابقة الذكر. وجرى تجديد حبسهم عدة مرات منذ ذلك الحين، إلى أن قررت المحكمة تبرئتهم هذا الأسبوع (الأحد ١٦/٤).
وكانت تلك مفاجأة سارة وصادمة فى الوقت ذاته،

والملاحظ أن القرار الذى صدر بحقهم لم يكن عفوا رئاسيا ولكنه كان تبرئة من التهم التى نسبت إليهم.
وهو ما يعنى أن كل تقارير الأجهزة الأمنية التى انبنت عليها القضية وأدت إلى تجديد حبسهم حينا بعد حين كانت تلفيقا لم تأخذه المحكمة على محمل الجد.

 وكان طبيعيا أن يثير ذلك عاصفة من تساؤلات الاستنكار والدهشة، التى طعنت فى صدقية تقارير الأجهزة الأمنية واستغربت استمرار تجديد الحبس للأبرياء المتهمين بناء عليها طوال السنوات الثلاث السابقة.
كما تحدثت عن كيفية تعويض المتهمين عن الظلم الذى تعرضوا له.

وكان ما كتبه زميلنا الأستاذ حمدى رزق فى المصرى اليوم (عدد ١٨/٤) وافيا فى هذا الصدد، إلا أن ثمة جانبا فى القضية لم يلق حظه من الاهتمام رغم خطورته وكثرة ضحاياه،

ذلك أن ما جرى مع المسئولين عن جمعية بلادى ليس استثناء، لكنه القاعدة فى القضايا التى تمت الإدانة فى أغلبها خلال السنوات الثلاث السابقة.

ومشكلة ضحايا التقارير الأمنية التى يتم الاعتماد عليها فى سجن الألوف أو إدانتهم أنهم جميعا ليسوا محظوظين، لأنهم يحملون الجنسية المصرية.

صحيح أن المنظمات الحقوقية المستقلة لم تتخل عنهم، لكن تقاريرها ليست من النوع الذى تأبه به السلطات المعنية فى مصر، لذلك فإن الأفق أمامهم يبدو مسدودا.

ولا يبدو أن ثمة أملا مرئيا فى إطلاق سراح الأبرياء منهم، فى الأجل المنظور على الأقل،

وليس أمام الجميع فى هذه الحالة إلا أن يرفعوا أيديهم إلى السماء مرددين استغاثة السوريين التى يقولون فيها
ما إلنا غيرك يا الله.

.....................

Delete this element to display blogger navbar