Subscribe:

Ads 468x60px

13 مارس، 2017

هوامش على دفتر الإرهاب – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 15 جمادى الآخره 1438 – 14 مارس 2017
هوامش على دفتر الإرهاب – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

المعركة ضد الإرهاب نسجت من حولها أساطير عدة بحاجة إلى مراجعة وتحرير.

(1)

فى برلين قال يحيى راشد وزير السياحة المصرى إن الاستقرار الأمنى والسياسى وراء التحسن الملحوظ فى حجم السياحة الوافدة إلى البلاد.

 فى نفس الأسبوع ردد فى فيينا علاء عابد رئيس لجنة حقوق الإنسان فى مجلس النواب عبارة المسئول المصرى التى قال فيها إن مصر وحدها تحارب الإرهاب نيابة عن العالم،
ودعا إلى إنشاء تكتل دولى لمحاربة الإرهاب

 ــ الأول كان يخاطب غرفة برلين للسياحة،
والثانى كان يخاطب اجتماعا للأمم المتحدة عقد فى العاصمة النمساوية لمناقشة موضوع الإرهاب والجريمة

ــ والرسالتان تعبران عن ازدواجية الخطاب المصرى إزاء الموضوع.
أحدهما يريد أن يجذب السياح والمستثمرين فيتحدث عن الاستقرار والأمان،
 أما الثانى فهو يبالغ فى موضوع الإرهاب فيستنفر ويحذر.
مرة بدعوى أنه يهدد العالم
ومرة ثانية بدعوى أنه يهدد الدولة ويدعو إلى إسقاطها.

وذلك ليس موقفا جديدا، لأنه منذ ثلاث سنوات، صار الإرهاب أهم عناوين الحالة المصرية والصيغة الأكثر جاذبية لوصم الصراع السياسى وشيطنته.
إلا أنه بمضى الوقت أدرك المسئولون أن من شأن استمرار ذلك النهج أن يوصد الأبواب فى وجوه السياح والمستثمرين.
ووجدوا أن ذلك إذا أدى إلى كسب جولة الصراع السياسى، فإنه يفاقم من أزمة الوضع الاقتصادى. بمعنى أنه يخدم النظام ويضر بالوطن.

انتبه إلى ذلك الرئيس عبدالفتاح السيسى، فحاول أن يصوب الصورة فى حوار تليفزيونى أجرى معه فى برشلونة حين زارها فى شهر نوفمبر الماضى (٢٠١٦).
 إذ حين سئل عن الإرهاب فذكر أنه محصور فى شريط ضيق بشمال سيناء، فى منطقة لا تتجاوز ٢٪ من جملة مساحتها.
 ولم يكن ذلك تهوينا من شأن الإرهاب، وإنما كان توصيفا ديقيقا لساحة مواجهته التى لا تتجاوز فى طولها ٤٥ كيلومترا.
 ذلك أن ما يحدث خارج سيناء (فى الدلتا مثلا) فهو فى حقيقته حوادث استثنائية لا تشكل ظاهرة كتلك الموجودة فى شريط رفح والشيخ زويد والعريش،
 علما بأن الوجه القبلى الذى يشمل محافظات الصعيد كلها، لم يعرف تلك الحوادث.

(2)

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نستخلص أمرين،
 الأول أن الإرهاب ظاهرة مقصورة على شمال سيناء، يعانى منها كل سكان المنطقة البالغ عددهم نصف مليون نسمة.
 صحيح أن العمليات الإرهابية تستهدف أجهزة السلطة ومؤسساتها، إلا أن المجتمع السيناوى تأثر بها إلى حد كبير،
 الأمر الذى غير من نمط حياة السكان وعلاقاتهم الاجتماعية كما هدد شعورهم بالأمن،
 أما فى خارج ذلك الشريط الساحلى، فى بقية أرجاء مصر، فإن الظاهرة لا وجود لها.
 والعمليات التى تتم بصورة استثنائية فى بعض المدن هى مجرد حوادث إرهابية، لم تؤثر على حركة المجتمع ونمط حياة أفراده،
 الدليل على ذلك أن أى مواطن ساكن فى القاهرة مثلا أو قادم إليها من أى مكان لا يلمس أثرا للإرهاب ولا يسمع عنه إلا من خلال وسائل الإعلام.
بل أزعم فى هذا الصدد أن قلق المجتمع من سطوة العصابات الإجرامية صار أكبر من قلقه إزاء العمليات الإرهابية.

الأمر الثانى أن تعميم حكاية الإرهاب على مصر كلها والإيحاء بأنه يستهدف إسقاط الدولة والإدعاء بأن الصراع ضده هو معركة وجود،
 ذلك كله من قبيل المبالغات التى تنتمى إلى أساليب التعبئة الإعلامية بأكثر من تعبيرها عن حقائق الواقع.

 النموذج الدال على ذلك، الذى ذكرته من قبل، يتمثل فى قصة تفجير مديرية أمن الدقهلية يوم ٢٤ ديسمبر عام ٢٠١٣، فى ذروة الصراع بين السلطة والإخوان،
ذلك أن الحادث الذى صدم الرأى العام والسلطة نسب إلى الإخوان على الفور، واستخدم إعلاميا فى التعبئة الإعلامية ضدهم على نطاق واسع.
وترتب على ذلك أن اجتمع مجلس الوزراء فى اليوم التالى مباشرة (٢٥ ديسمبر)
 وقرر اتهام الجماعة بأنها حركة إرهابية، استنادا إلى التسليم بأنها قامت بذلك العمل الإرهابى الكبير،
وما حدث بعد ذلك كان مفاجئا، ذلك أن جماعة أنصار بيت المقدس السيناوية بثت فى شهر إبريل عام ٢٠١٤ شريط «فيديو» أعلنت فيه مسئوليتها عن التفجير وعرضت بالصور مراحل تنفيذ العملية.

رغم ذلك فإن متطلبات التعبئة الإعلامية فرضت إلصاق صفة «الإرهابية» بالجماعة، وهو ما استمر فى وسائل الإعلام منذ ذلك الحين وإلى الآن.
 لا ينفى ذلك أن الجماعة وقعت فى أخطاء وأخفقت فى بعض الحسابات السياسية،
لكن ذلك كله شىء وقيادة العمليات الإرهابية شىء آخر.
وهو ما تشهد به التجربة التى أثبتت أن مجال الإرهاب الحقيقى كان ولايزال محصورا فى شمال سيناء، حيث الحضور القوى والمستعصى لعناصر العنف باختلاف مسمياتها.

(3)

أرجو أن يكون واضحا أن مدار البحث وموضوعه ليس التحقيق فى مبدأ وجود الإرهاب فى مصر، لكن تحرى حجمه ودرجته.
 وهذه مسألة ينبغى عدم التهوين من شأنها، لأنه باسم مكافحة الإرهاب حشر فى السجون نحو ٦٠ ألف مواطن (حسب تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان)،
ولاستيعابهم تم بناء ١٩ سجنا جديدا خلال السنوات الثلاث الماضية.
 ومن هؤلاء قدمت أعداد كبيرة إلى المحاكم الجنائية والعسكرية، التى قررت إعدام المئات منهم.
كما صدرت القوانين الاستثنائية التى قيدت الحريات العامة، وجرى العصف بمنظمات المجتمع المدنى خصوصا الحقوقية منها،
 وتعرض مئات للاختفاء القسرى كما منع مئات آخرون من السفر إلى الخارج.
 إلى غير ذلك من الإجراءات التى ذكرتنى بعنوان جامع لأحد الكتاب قال فيه:
قل (إرهاب) ثم علق المشانق.
وهو ما اختزل به المشهد الذى بمقتضاه يتم إشهار عنوان «الإرهاب» فى الفضاء العام. ليسوغ اتخاذ كل ما يخطر على البال من إجراءات استثنائية، بما فى ذلك تعليق المشانق للأبرياء.

 وليس ذلك مجرد افتراض، لأنه ما عبر عنه أحد أركان ما سمى بائتلاف ٣٠ يونيو. حين قال فى أحد اللقاءات إن الخلاف السياسى لا حل له سوى «اجتثاث الخصوم» أسوة بما فعله الأمريكيون مع عناصر حزب البعث بعد احتلال العراق (عام ٢٠٠٣).

بدا التهويل من خطر الإرهاب مقدمة ضرورية لاتخاذ مختلف الخطوات والإجراءات السابق ذكرها.
 كما أنه ساعد على الترويج لأسطورة أن مصر تحارب الإرهاب نيابة عن العالم. وتقوم بذلك وحدها.
وهى العبارة التى أشرت إلى أن أكثر من مسئول مصرى رددها فى سياق مخاطبة الداخل والخارج.

حين حاولت التحقق من صحة المعلومة أو الأسطورة، تبين ما يلى:

<
ليس صحيحا أن مصر تحارب الإرهاب نيابة عن العالم.
أولا لأن حجم الإرهاب فى مصر متواضع كثيرا إذا قورن بغيرها من الدول العربية المحيطة، مثل ليبيا وسوريا والعراق واليمن.
وحين نلاحظ أن تلك الدول أصبحت معرضة للتفتت، أو أنها تفتتت بالفعل، فضلا عن أنها أصبحت غارقة فى دماء مواطنيها. فإن ذلك يدلنا على أن مصر المتماسكة تواجه مشكلة محلية على مساحة محدودة من أرضها، ولم تنجح الجهود المبذولة فى القضاء عليها.

<
فى الدراسات التى أجرتها مراكز الأبحاث الغربية عن خطر الإرهاب فى العالم، لم يذكر الباحثون أن الإرهاب فى مصر له وضع خاص.
 فقد ذكرت مجلة «فوربس» الأمريكية أن مصر واحدة من أكثر عشرة أقطار عانت من الإرهاب فى عام ٢٠١٥
وهذه الأقطار هى: العراق ــ أفغانستان ــ نيجيريا ــ باكستان ــ سوريا ــ اليمن ــ الهند ــ الصومال ــ مصر ــ ليبيا.

أما مؤسسة «إيه أو إن» البريطانية فقد قسمت الدول ستة أقسام واعتبرت مصر ضمن ٢٤ دولة ارتفع فيها مستوى الإرهاب.
 أما الدول التى صار فيها الإرهاب خطرا فقد وصل عددها إلى ١٥ بينها ٥ دول عربية هى سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان.

<
ليس صحيحا أن مصر تحارب الإرهاب وحدها.
ذلك أن دول الخليج تقف علنا إلى جانبها سياسيا واقتصاديا وأمنيا، حتى أصبحت تمنع دخول غير المرضى عنهم مصريا إلى أراضيها.
كما أنها قامت بترحيل أو تسليم معارضى النظام المصرى من العاملين لديها.
والكلام متواتر عن مشاركة إسرائيل فى ملاحقة الإرهابيين فى سيناء.
 وهو ما صرح به وزير الدفاع الإسرائيلى لإذاعة الجيش فى ٢٥ فبراير الماضى،
 وأيده فى ذلك كل من عاموس هارئيل المعلق العسكرى لصحيفة هاآرتس ومحرر الشئون العربية لصحيفة فيكور راشوت.

(4)

مما سبق نخلص إلى ما يلى:

<
إن فكرة استخدام الأساطير لتشويه ثورة يناير ٢٠١١ وتبرئة الذين أهانوا الشعب والوطن وظفت مرة أخرى لتصفية الثورة وإجهاض أحلامها فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
 وهو ما تم من خلال نسج مجموعة من الأساطير حول الإرهاب الذى صار السلاح الأمضى الذى استخدم لأجل ذلك.

<
إن الإرهاب فى مصر نطاقه محصور فى الشريط الضيق المتمثل فى شمال سيناء.
 وأكرر هنا أنه بمثابة حالة فى تلك المنطقة، فى حين أنه مجرد حوادث تقع خارج حدودها لأسباب متباينة.

<
إن الوطن ليس مهددا بالانهيار ولا الدولة مهددة بالسقوط كما يشاع.
والترويج لمثل تلك المقولات للتخويف من خطر الإرهاب، كان سبيلا لضرب الديمقراطية وتبرير استخدام العنف والقمع لحسم الخلاف السياسى.
وهو ما أدى إلى إماتة السياسة وإنعاش دور الأمن وأساليبه.

<
إن المبالغة فى خطر الإرهاب لم تصرف الانتباه عن تحديات التنمية الحقيقية فى الداخل فحسب، ولكنها أيضا أسفرت عن تراجع الاهتمام بالتهديدات الخارجية.
وهو ما أدى ليس فقط إلى تراجع أولوية القضية الفلسطينية فى الأجندة المصرية، وإنما أدى أيضا إلى تنشيط التعاون مع الدولة العبرية.
الأمر الذى أوصلنا إلى مفارقة أصبح فى ظلها التطبيع مع إسرائيل مقدما على المصالحة السياسية الداخلية.
وصارت إسرائيل التى قامت على الإرهاب تدعي انها حليف فى حين أصبح الأشقاء المعارضون أعداء من أهل الشر.

أما أخطر النتائج التى ترتبت على التهويل من حجم الإرهاب وخطره، أن ذلك أدى إلى تشويه الإدراك العام وتعميق انقسام الصف الوطنى،
الأمر الذى أحدث جراحا فى جسم الوطن سنحتاج إلى سنوات وعقود لعلاجها.

....................

Delete this element to display blogger navbar