Subscribe:

Ads 468x60px

09 فبراير، 2017

عن مذبحة المقاهي

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 12 جمادى أول 1438 9 فبراير 2017
عن مذبحة المقاهي - فهمي هويدي

كم مصريا ينبغي أن يقتل لكي تفيق أجهزة الإدارة وتؤدي ما عليها في حماية المجتمع؟
السؤال من وحي الحادث المفجع الذي وقع في أحد مقاهي القاهرة يوم الأحد الماضي (٥/٢) وأدى إلى قتل أحد الشبان بسبب مشادة مع المسؤولين عن المقهى بسبب حساب «الفُرجة» على مباراة نهائي كأس أفريقيا.

إذ تبين أن المقهى يستأجر بلطجية لترهيب الزبائن، وقد طعن أحدهم الشاب بسكين أرداه بسببها قتيلا.

القصة هزت المجتمع المصري خصوصا حين علم الناس أن الشاب وحيد أبويه، وأنه تخرج لتوه في الجامعة البريطانية، وكان على موعد للسفر لتسلم عمل بالكويت في اليوم التالي.
وأنه اصطحب خطيبته لمشاهدة المباراة ليلة السفر في أحد المقاهي المتميزة بمصر الجديدة، لكنه خرج منها جثة هامدة.

فضلا عن أنها فاجعة إنسانية، فإن الحادث نبه المسؤولين على كارثة المقاهي التي أصبحت بمثابة وباء انتشر بشكل مؤرق في مختلف الأحياء الهادئة، وتحول إلى ظاهرة سلبية ومصدر للعبث وتداول المخدرات، ناهيك عما سببته من أرق وإزعاج للسكان.

الصدمة أحدثت صداها لدى المسؤولين، فصدرت التعليمات خلال ٢٤ ساعة بتحطيم واجهات جميع تلك المقاهي بدعوى أنها غير مرخصة.

وكانت النتيجة أن غارة شنت على تلك المحلات وحطمت واجهاتها وديكوراتها، كما صادرت الطاولات والمقاعد، ولم ينته النهار إلا وتحولت تلك المحلات الباذخة إلى ركام وأنقاض، كأن زلزالا ضربها وأتى على ما فيها. حتى بدا وكأن الغارة كانت انتقاما غاضبا وثأرا للشاب الذي قتله البلطجية.

لأنني من سكان مصر الجديدة، وأحد الذين اشتكوا من استفحال الظاهرة كتابة وشفاهة، فقد أتيح لي أن أطالع مشهد الغارة ونتائجها المدمرة.
وأحصيت في محيط سكني عشرة مقاهٍ لحقها التدمير، وقرأت على مواقع التواصل الاجتماعي أن ٧٠ مقهى حطمت واجهاتها في مصر الجديدة ومدينة نصر (الأهرام تحدثت عن ٥٧ مقهى فقط)،
وهذه كلها كانت تعمل لسنوات بدون ترخيص،

كما قرأت تعليقات وتغريدات كررت الشكوى من سكان أحياء أخرى في القاهرة، وسكان مدينة المعادي المجاورة، وكما حدث معنا في مصر الجديدة، فإن السكان ظلوا يجأرون بالشكوى، دون أن تتحرك أجهزة البلدية المعنية، إلى أن وقعت الواقعة في أعقاب مباراة كأس أفريقيا، فشمرت الأجهزة عن سواعدها، وشنت غارتها على مقاهي الحي على النحو الذي ذكرت.

إذ يثير انتباهنا اكتشاف أن ذلك العدد الكبير من المقاهي يعمل بدون ترخيص، فإن ذلك يدعونا إلى البحث عن تفسير لاستمرارها في العمل بصورة غير مشروعة وسكوت البلدية عليها لعدة سنوات.

هناك حديث متواتر وقديم عن فساد المحليات والرشاوى التي تدفع لإنجاز أي معاملة غير مشروعة.

في الوقت ذاته ثمة همس مسموع الصوت يتحدث عن أن بين أصحاب المقاهي غير المرخصة عدد غير قليل من «الباشوات» ذوي النفوذ الذين لا يرد لهم طلب.

الملاحظة الأخري تتعلق بحجم الغارة التي وقعت.
ذلك أن موضوع المقاهي كان قد أثير إعلاميا في العام الماضي، فقام حي مصر الجديدة بحملة محدودة استهدفت عددا من المقاهي لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، لكن تلك المقاهي «وفقت أوضاعها» وعادت إلى العمل مرة أخرى خلال أسابيع محدودة، ثم شملتها الغارة الأخيرة.

وهو ما يعني أمرين،
 الأول أن فساد المحليات قادر على الالتفاف على القرارات الإدارية.
الثاني أن شدة الحملة الأخيرة واتساع نطاقها يدل على أن التعليمات الخاصة بها صادرة من جهات أعلى من الباشوات الذين يملكون المقاهي أو يحمون أصحابها.
وهو ما لا يطمئن كثيرا لأن ذلك لم يقع إلا بعد الدوي الذي أحدثه قتل الشاب مساء يوم الأحد.

وحينما تهدأ الموجة فلا غرابة أن تعود ريمة إلى عادتها القديمة، كما يقال.
 الأمر الذي يجعل السؤال الذي بدأت به الكلام واردا وملحا.
................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar