Subscribe:

Ads 468x60px

15 يناير، 2017

تقشف هنا وبذخ هناك

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 18 ربيع آخر 1438 – 16 يناير 2017
تقشف هنا وبذخ هناك – فهمي هويدي

لا أحد يصدق أن البلد الذى دعى المواطنون فيه إلى المساهمة فى الأزمة الاقتصادية أن «يصبَّح» الواحد منهم على مصر بجنيه كما نصحوا بأن يكتفوا بوجبتين فقط فى اليوم بدلا من ثلاث،

هذا البلد هو ذاته الذى قرر أن يضخ عشرات إن لم يكن مئات الملايين من الجنيهات فى مشروع إعلامى لا لزوم له.
أتحدث عن مشروع شبكة القنوات الجديدة التى أطلقت يوم السبت الماضى (14/1)،
وسبقتها حملة دعائية هائلة وباذخة، أغرقت أغلب الشوارع الرئيسية فى العاصمة باللافتات وملأت بالإعلانات صفحات وصفحات نشرتها الصحف اليومية.

سبقنى آخرون لم يستطيعوا أن يخفوا دهشتهم إزاء تلك الخطوة المحيرة،
 ليس فقط لأن للدولة منابرها التليفزيونية التى تخضع بالكامل لنفوذها وتوجيهها المباشر،
ولكن أيضا لأن الفضاء المصرى متخم بالقنوات الخاصة الخاضعة بدورها للتوجيه غير المباشر.

إذ لم تجرؤ واحدة على استضافة شخص غير مرضى عنه (إلغاء بث الحوار مع المستشار هشام جنينة نموذج يشهد بذلك) ناهيك عن أن يكون الضيف معارضا أو صاحب صوت آخر.

الخلاصة أنه ليس هناك سبب واحد مقنع يبرر إضافة شبكة جديدة فى وجود شبكات الإعلام الرسمى والخاص (شبه الرسمى).

وليس مفهوما أن تحرص بعض الجهات الخاصة على أن تتولى بنفسها إطلاق القنوات الجديدة، فى حين أن لها اليد الطولى فى توجيه القنوات الحكومية والخاصة، طوال السنوات الأخيرة.

وتلك معلومات لم يعد فيها سر، بعد أن تواتر ذكرها فى كتابات المعلقين الذين تناولوا الموضوع فى الأسبوع الماضى.

أما المدهش والمحير حقا فهو الشائعات المثيرة التى يتداولها الوسط الإعلامى عن ميزانية المشروع الجديد التى من الواضح أنها مفتوحة ومتجاوزة كل الحدود المتعارف عليها، بدءا من الأجور المبالغ فيها للإعلاميين ومقدمى البرامج وانتهاء بالتجهيزات التى أريد لها أن تتفوق على كل ما هو موجود بالسوق.

وتتضاعف الدهشة إذا علمنا أن ذلك يحدث بشكل مواز مع الحديث المستمر عن أهمية التقشف وتقليص الخدمات بدعوى ندرة الموارد.

لقد غابت الشفافية عن المشروع، الأمر الذى فتح الباب لأسئلة كثيرة فى مقدمتها ما يلى:

<
لماذا تلجأ السلطة إلى إطلاق مشروع إعلامى جديد فى حين أن لديها جهازا إعلاميا عمره نحو ستين سنة،
 ولماذا لم يوجه عشر معشار ميزانية المشروع الجديد لإعادة الحياة ورفع كفاءة المشروع القائم، الذى يعد «ماسبيرو» رمزا له.

<
ما هى مصادر تمويل المشروع وكيف تقررت وما هى الجهة التى أجرت دراسة جدواه؟

<
طبقا للدستور، فإن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يفترض أن يشرف على الصحف اليومية ومؤسسات الإعلام المرئى الرسمى. ولكل منهما هيئة وطنية خاصة،
والأمر الذى يثير السؤال التالى:
 هل ستخضع الشبكة الجديدة لإشراف الهيئة الوطنية للإعلام المرئى.
 أم أنها ستظل خارج نطاق إشرافها وستعامل باعتبارها ذات وضع «خاص»؟

<
ما هو ترتيب المشروع ضمن أولويات أجندة العمل الوطنى فى المرحلة الحالية،
وهل إنفاق عشرات الملايين عليه هو أفضل توظيف لهذا المبلغ فى ظل متطلبات الوقت الراهن؟

ثمة شبه كبير بين مشروع القنوات الجديدة وبين فكرة العاصمة الإدارية التى وصفت بأنها «مشروع عملاق»،

والقاسم المشترك بينهما أنهما يستنزفان كما هائلا من الأموال ولا يضيفان جديدا يذكر.

فنحن لسنا بحاجة إلى عاصمة جديدة. بقدر ما إننا لسنا بحاجة إلى قنوات تليفزيونية جديدة.
كما أن لدينا ما هو أهم من العاصمة الجديدة،
وثمة أوجه أخرى للإنفاق فى مجالات الخدمات تتقدم على حكاية القنوات الجديدة،
مع ذلك فربما كانت العاصمة الجديدة أفضل حالا، لأنها تقيم شيئا قد ينفع الناس فى الأرض يوما ما.
أما القنوات الجديدة فإنها تحدث ضجيجا فى الفضاء يسوق لنا وهما ولا نرى له طحنا يذكر.

..............................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar