Subscribe:

Ads 468x60px

31 أكتوبر، 2016

مهرجان الدم المقام على تخومنا – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 1 صفر 1438 – 1 نوفمبر 2016
مهرجان الدم المقام على تخومنا – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

(1)

حيث نشرت صحيفة «الحياة» اللندنية على صفحتها الأولى صورة مكبرة لسحل شاب من داعش فى مدينة كركوك من خلال ربطه بحبل تدلى من مؤخرة سيارة دفع رباعى، فإن رسالة الصورة التى يقشعر لها البدن حملت إلينا «عينة» من إرهاصات الهول القادم فى شمال العراق.

 إذ رغم فداحة المنظر ووحشيته فإن جمهور الواقفين فى الشارع تعاملوا معه باعتباره حدثا عاديا ومألوفا،
وهم معذورون فى ذلك، ليس فقط لأن لجماعة داعش سبقها فى ارتكاب مثل هذه الجرائم،
 ولكن أيضا لأن السحل له تاريخ عريق تتفرد به العراق (سابق على سحل الأمويين فى البصرة).

لذلك فإن جميع المتقاتلين يمارسونه بغير استثناء.
 لم يكن ذلك فقط ما أثار الانتباه، فيما نشرته الصحيفة اللندنية يوم ٢٦ أكتوبر، لأننى لاحظت أن عناوين الصفحة الأولى تحدثت عما يجرى فى الموصل، فى حين أن السحل كان فى مدينة أخرى هى كركوك.

 وفى حين أن العنوان الرئيسى تحدث عن «مجازر داعشية فى الموصل.. وسحل مدنيين وإلقاء جثث فى بحيرة»، فإن الشخص المسحول فى كركوك كان ينتمى إلى داعش وأن السيارة التى جرته كانت تابعة للبشمركة الكردية.

اللقطة معبرة وكاشفة لأحد مشاهد تعقيد الاقتتال العبثى والمجنون الدائر فى شمال العراق وسوريا،
إذ تتداخل فيه صراعات السنة والشيعة والأكراد والعرب والعراق وتركيا وصراع الجميع ضد داعش المنسوب إلى تنظيم الدولة الإسلامية.
أعنى أن الجميع يحتشدون ضد داعش حقا، لكن اقتتالهم فيما بينهم مستمر أيضا، ولا يقل ضراوة.

الأمر الذى يعنى أن الخلاص من التنظيم الذى يجرى الاحتشاد لأجله الآن لن يحل المشكلة، لأن ما بعده يمثل طورا جديدا فى الصراع سواء فى العراق أو سوريا.

(2)

أفول داعش يمر الآن بفصله الأخير.
والحاصل الآن حول الموصل إذا حقق هدفه. سيكون بداية النهاية.
 ذلك أن الموصل كانت الجائزة الكبرى التى اختطفها داعش فى ظروف غامضة ومريبة فى عام ٢٠١٤،
وحولها بعد ذلك إلى قاعدة أساسية له مستفيدا من ظروف خاصة بالمدينة سنعرضها بعد قليل، حتى أزعم أنها من الناحية الاستراتيجية تعد أكثر أهمية من «الرقة» التى صارت عاصمة دولة الخلافة فى الأراضى السورية،

وبسبب تلك الأهمية فإن وجود داعش فى الموصل يعد مسألة حياة أو موت بالنسبة للتنظيم،
 ولهذا السبب فإنهم سوف يدافعون عن وجودهم فيها حتى آخر رمق،
 إذ فضلا عن ثرائها التاريخى والنفطى والتجارى فاسمها مستمد من كونها المكان الذى يصل فيه كل شىء. التجارة والمعاشرة والبيع كما تقول المراجع التاريخية.

إذ هى تصل بين ضفتى نهر دجلة وبين الجزيرة والعراق، وبين دجلة والفرات،
 وهى فى نقطة وسط بين إيران وتركيا، وبها يمر الطريق إلى حلب فى الشمال السورى،

 وبسبب كونها مركز محافظة نينوى التى يمتد تاريخها إلى ما قبل العصر الحجرى،
 فقد حرصت القوى الكبرى فى المنطقة إلى الاستئثار بها. من الرومان إلى الفرس والعثمانيين إذ ظلت تحت الحكم العثمانى أكثر من أربعة قرون (من ١٥٣٤ حتى ١٩١٦)
وبعدما تنافس عليها الفرنسيون والبريطانيون (بعد ظهور النفط فيها) قررت الأمم المتحدة ضمها إلى العراق عام ١٩٢٥.

التركيبة السكانية للموصل أحد مصادر المشكلات التى تعانى منها، فسكانها البالغ عددهم ٢ مليون شخص أغلبهم من العرب والتركمان السنة والباقون أقليات يمثلون خليطا من الأكراد والمسيحيين بطوائفهم المختلفة إلى جانب الشبك (فرقة أقرب إلى الشيعة) والصابئة واليزيديين.

حين انفرط عقد العراق وبرزت التمايزات المذهبية والعرقية، هبت رياح التنازع والفرقة على الموصل، فطمع فيها الشيعة والأكراد،
 الأمر الذى استفز أغلبيتها السنية، خصوصا أن الشيعة أصبحوا فى السلطة ببغداد وأن التحالف الكردستانى أعان القوات الأمريكية على احتلال المدينة فى عام ٢٠٠٣ بعد سقوط الرئيس صدام حسين. إذ اعتبر سكانها من أهل السنة الموالين للنظام السابق.

بسبب ظهور الصراعات الطائفية بين الشيعة والسنة، وجد تنظيم القاعدة أرضا خصبة له فى الموصل.
وكانت تلك خلفية. ساعدت على التجاوب مع داعش الذى ورث تنظيم القاعدة ــ ساعد على ذلك أن ميليشيات الحشد الشعبى الشيعية مارست العديد من الانتهاكات بحق أهل السنة وعملت على تهجيرهم من بعض مدنهم مثل تكريت والفلوجة والرمادى،
وهو ما دفع بعض عشائر الموصل إلى اعتبار وجود داعش فى مدينتهم حماية لهم تؤمنهم ضد انتهاكات الجيش الشعبى وفظائعه التى روعت قطاعات عريضة من أهل السنة.

 إذ رغم ما اتسم به حكم داعش للمدينة من قسوة وتعنت واستبداد، فإن ذلك ظل أقل سوءا من فظائع الجيش الشعبى التى توعدوا بها أهالى الموصل،
خصوصا أن أحد قادتهم قال فى تصريح شهير تناقلته وكالات الأنباء ذكر فيه أنهم ذاهبون لتحرير الموصل من داعش والانتقام من قتلة الحسين!

(3)

فى الوقت الراهن تحتشد لتحرير الموصل من سيطرة داعش الأطراف التالية:
 التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة
ــ الجيش العراقى
 ــ ميليشيات الحشد الشعبى
 ــ قوات تابعة للجيش التركى
 ــ التحالف الكردستانى
 ــ الجيش الوطنى الذى يضم متطوعين من العرب السنة وحشودا من هذا القبيل تملك سيطرة كاملة على الجو إضافة إلى قدراتها العسكرية على الأرض، بمقدورها أن تنزل هزيمة ساحقة بقوات داعش الموجودة داخل الموصل أيا كان عددها.

لكن الأمر دونه عقبات جسيمة وله تكلفته الباهظة،
ذلك أن المدينة التى كان سكانها نحو مليونى نسمة، هاجرت منها أعداد غفيرة لا تقل عن نصف مليون نسمة أغلبهم يمثلون الأقليات التى يعاديها داعش،
وهو ما يعنى أنه لا يزال يعيش فيها مليون ونصف المليون مواطن. تنتشر عناصر داعش فى تجمعاتهم منذ أكثر من سنتين.
وانتشار الدواعش وسط التجمعات البشرية لأهل الموصل يمثل مشكلة كبرى،
وكما كان متوقعا فإن الدواعش استدعوا آلافا من سكان القرى المحيطة لاستخدامهم كدروع بشرية يحتمون بها فى مواجهة القوات الزاحفة عليهم من كل صوب.
فى الوقت ذاته فإنهم أحاطوا الموقع بالسراديب والبيوت المفخخة لتعويق تقدم تلك القوات.

الالتحام الحقيقى لم يحدث بعد، ولكن المناوشات مستمرة والتقدم البطىء نحو المدينة يتحرك، ولا يخلو الأمر من كر وفر على هذه الجبهة وتلك.

وتتفق التقارير الصحفية على أمرين،
الأول أن احتماء عناصر داعش بسكان المدينة هو الذى أخر الهجوم عليها واجتياحها.
 الثانى أن حجم الدمار والضحايا سيكون هائلا فى كل الأحوال.
حتى قرأت فى أحد التقارير قول أحد كبار الضباط الأمريكيين أنه كما حدث فى فيتنام فإن إنقاذ الموصل من أيدى داعش لن يتم إلا بعد تدميرها.

إذا وضعت فى الاعتبار أن نسبة ليست قليلة من عناصر داعش من الانتحاريين، فسوف تدرك أن القتال لن يكون سهلا، وإنما سيظل شرسا وقد يدور بين كل بيت وبيت.
 الأمر الذى لابد أن يوقع أعدادا هائلة من الضحايا على الجانبين.
 ناهيك عن أن أحدا لا يعرف على وجه الدقة طبيعة الأسلحة غير المشروعة التى لدى الطرفين.
وهو ما يفتح الباب لاحتمال استخدام السلاح الكيماوى،

وكانت صحيفة التايمز البريطانية قد ذكرت فى تقرير نشرته الأسبوع الماضى أنه تم استخدام الفوسفور الأبيض فى معارك تحرير بعض القرى التى تدخل فى نطاق الموصل.
هذا «السيناريو» يبرر وصف ما ينتظر الموصل بأنه من قبيل الهول الذى لا مفر منه.

(4)

مشكلة اليوم التالى لتحرير الموصل أكثر تعقيدا، لأن العرب لن يقبلوا بسيطرة الأكراد والسنة لن يقبلوا بهيمنة الشيعة،
وحكومة العراق لن تسمح بتواجد الجيش التركى،
وتركيا ستصر على قطع الطريق على تطلعات إيران التى تقف وراء الحشد الشعبى،

وإزاء هذه التباينات فإن التوافق على كيفية إدارة الموصل سيصبح أمرا صعبا.
وقد يؤدى إلى تجديد الصراع المسلح خصوصا فى ظل استقواء ميليشيات الحشد الشعبى واعتمادها على المساندة الإيرانية وتأييد حكومة بغداد والجناح المتطرف فى السلطة الشيعية.

قرأت تحليلا نشرته جريدة الشرق الأوسط فى ١٠/١٩ للكاتب اللبنانى مصطفى فحص حذر من تحول الخلاص من داعش فى الموصل إلى كابوس، حيث يؤدى إلى إخلاء الموصل من أهلها فى إطار سياسة تهجير منظم تنفذها ميليشيات مرتبطة بالحرس الثورى الإيرانى الطامح إلى تأمين ممرات برية بين إيران وسوريا عبر شمال العراق،
وهذه تؤمن لعدده وعتاده عبورا آمنا إلى الشمال السورى وصولا إلى مدينة حلب،
 وهو ما استفز الرئيس التركى رجب طيب أردوغان ودفعه إلى رفع مستوى التحدى فى تصريحاته، حيث أكد أن قواته ستشارك فى معركة تحرير الموصل «شاءوا أم أبوا».

فى تحليل آخر نشرته صحيفة «ينى شفق» التركية لرئيس تحريرها إبراهيم قرة غول قال فيه إن الخط الرابط بين الموصل وحلب بات خط الدفاع الجديد لتركيا.
 لذلك لا مناص من هيمنة أمنية وعسكرية تركية هناك.
وثمة من يحاول رسم خريطته الخاصة لإزعاج تركيا فى كركوك والموصل وحلب.
 لذلك حرى بتركيا أن تتحرك وتتدخل فى حملة استباقية لإجهاض تلك السيناريوهات.
وإذ انتزعت مناطق شمال الموصل وحلب فى سوريا والعراق فعلى تركيا أن تتحرك لضمان مصالحها هناك.

استوقفنى فى الأصداء ما نشرته صحيفة «هاآرتس» للكاتب عاموس هرئيل فى ١٠/١٨،
 إذ ذكر أن ما يجرى فى الموصل نموذج لمعارك المستقبل فى الشرق الأوسط التى ستؤدى إلى اشتباكات فى المناطق المأهولة بالسكان. الذين سيعلقون بين الأطراف المتحاربة،
وهو درس ينبغى أن تستفيد منه إسرائيل فى حروبها القادمة فى المناطق المكتظة فى غزة وجنوب لبنان.

إن رسم الخرائط الجديدة مستمر حولنا، ونحن جميعا نقف متفرجين.
 هل ننتظر حتى تطرق أبوابنا؟!

...................

30 أكتوبر، 2016

حلمنا المؤجل

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 30 المحرم 1438 31 أكتوبر 2016
حلمنا المؤجل – فهمي هويدي

فى شهر سبتمبر من العام الماضى أعلنت الصحف المصرية عن بدء برنامج رئاسى لتأهيل الشباب للقيادة.
وذكرت أنه إلى جانب الرئاسة فإن المهمة تشترك فيها جهات أربع هى:
 رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الدفاع ووزارتا الخارجية والتخطيط.

ولفت الانتباه آنذاك فى برنامج تأهيل الشباب حضور وزارة الدفاع وغياب وزارة الشباب.
 بعد عدة أشهر أعلنت الرئاسة عن عقد المؤتمر الوطنى الأول للشباب.

وبعد مشاركة الرئيس فى بعض جلسات المؤتمر أعلن أن لجانا وطنية شبابية ستشكلها الرئاسة لتنفيذ توصيات المؤتمر بالتنسيق مع مؤسسات الدولة المعنية،
وأن تلك اللجان ستعمل بإشراف مباشر من رئاسة الجمهورية.
وستتولى اللجان مراجعة موقف الشباب المحبوسين. ودراسة مقترحات قانون التظاهر وسرعة إصدار التشريعات الإعلامية، وغير ذلك من القضايا التى أثيرت أثناء جلسات مؤتمر الشباب.

ما سبق يشير بوضوح إلى الأهمية التى يوليها الرئيس ومؤسسة الرئاسة لملف الشباب.
وذلك أمر لا يخلو من إيجابية. خصوصا أنه أفضى إلى مؤتمر شرم الشيخ الذى سُمعت فيه أصوات عدة من الشباب وغيرهم.

ورغم أنه كان منقوصا، لأن الحضور جميعا من الشباب والمتحدثين تم انتقاؤهم بحيث كانوا من مؤيدى الرئيس أو المرضى عنهم، فإن ذلك قد يعد مكسبا نسبيا، لأن بعض الحوار على تواضعه قد يكون أفضل من اللا حوار.

 وإذا قلنا إن فى كل حركة بركة، حتى وإن كانت عند الحدود الدنيا التى تتجنب الموضوعات الشائكة والحساسة،
 إلا أن ذلك ينبغى ألا يلهينا عن الجوانب الأخرى للمسألة.

 ذلك أننا نلاحظ لأول وهلة حضورا قويا للرئاسة فى كل مراحل العملية.
 بدءا من تشكيل وعى الشباب من خلال دورات التأهيل للقيادة،
وانتهاء بتشكيل اللجان التى ستتولى متابعة التوصيات، مرورا بترتيب أمر المؤتمرات الشهرية للشباب،
 وإذا وضعنا فى الاعتبار أنه بمقتضى الدستور فإن الرئيس مسئول عن السياسة العامة للدولة،
وأن هناك حكومة يفترض أن يكون لها برنامج ينطلق من رؤية لمعطيات الواقع ومتطلباته، فإن دخول الرئاسة فى ملف الشباب يثير تساؤلات عدة.
بعضها يتعلق بنطاق مسئولية الرئاسة وصلاحيتها.
وبعضها يتعلق بعلاقة ذلك ببرنامج الحكومة والرؤية الحاكمة له.

ما فهمناه أننا بصدد مبادرة رئاسية لها أهداف لا علاقة لها ببرنامج الحكومة التى كان رئيسها وبعض وزرائها «ضيوفا» على مؤتمر شرم الشيخ.
ورغم أن الرؤية غير معلنة وغير واضحة، فإننا لا نستبعد أن نكون بصدد تشكيل كيان أقرب إلى منظمة الشباب والتنظيم الطليعى، قد يكون نواة لحزب الرئيس الذى يفترض أن يخوض به الانتخابات الرئاسية المقبلة (فى عام ٢٠١٨).

فهمنا أيضا أن اللجان الشبابية التى ستشرف الرئاسة على اجتماعاتها الشهرية،
سيكون لها وضع متميز يستفيد من المظلة الرئاسية،
وستؤدى أدوارا بعضها يدخل فى اختصاص الأجهزة التنفيذية والبعض الآخر يفترض أنه من اختصاص منظمات المجتمع المدنى،
 وإذا صح ذلك فإننا نصبح إزاء كيان موازٍ يتحرك بتوجيهات من الرئيس، إلى جانب الحكومة التى تتلقى تعليماتها من الرئيس، ومجلس النواب الذى يسير على خطى الرئيس وترفع أغلبيته لواء دعم الرئيس.

وتلك أجواء تعيدنا إلى مراحل ظننا أننا تجاوزناها، حين ضحينا بنحو ألف شهيد فى ثورة يناير ونحن نحلم بالانتقال من ولاية الرئيس إلى ولاية الأمة. لنخرج من دولة الزعيم إلى دولة المؤسسات والقانون.

أتمنى أن يكون ذلك التحليل مخطئا. لكنه إذا صح فهو يعنى أن مصر مقبلة على مرحلة ليست صعبة اقتصاديا فحسب، لكنها أصعب سياسيا. لأن تلك المؤشرات تعصف بآمال الانفراج الذى تصورنا أنه خيار مطروح فى العام الثالث لنظام يوليو،
الأمر الذى يجعل الاستحقاق الديمقراطى حلما مؤجلا حتى إشعار آخر.

................................

29 أكتوبر، 2016

ضوء فى نفق معتم

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 29 المحرم 1438 – 30 أكتوبر 2016
ضوء فى نفق معتم – فهمي هويدي

بعد مضى نحو ربع قرن من العيش فى الخرافة والتعلق بالوهم. خرج علينا فى الأسبوع الماضى الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامى فى فلسطين بدعوة للإفاقة والكف عن العبث.
وعرض لأجل ذلك برنامجا للإنقاذ من عشر نقاط، غاب صداه فى العالم العربى فى حين ترددت تلك الأصداء قوية فى الفضاء الفلسطينى الذى بات مشغولا بصراعات مكوناته ورموزه بأكثر من انشغاله بالصراع ضد الاحتلال الذى يعادى الجميع.

فى مبادرته دعا الدكتور رمضان عبدالله شلح إلى الانطلاق من الخلاص من الأكذوبة وإعلان إلغاء اتفاق أوسلو، الذى وعد الشعب الفلسطينى بدولته المستقلة على الأراضى التى تم احتلالها فى عام ١٩٦٧،
وبعد ٢٣ سنة من الفشل الذريع الذى منيت به جهود الركض وراء الوهم لم تقم الدولة الموعودة،
وهو ما سبب إحراجا لقيادة السلطة التى طالما هددت بإلغاء الاتفاقية إذا لم تف إسرائيل بالتزاماتها إزاءها.
ولأن التهديد تكرر مرات ومرات ولأن شواهد الفشل وأدلة العبث صارت مقطوعا بها، فإن إلغاء الاتفاق يصبح إجراء ضروريا لتصويب المسار ومدخلا طبيعيا للتعامل الجاد مع القضية.

النقطة الثانية تمثلت فى سحب الاعتراف بدولة الكيان الصهيونى. الذى كان بمثابة الإثم الأكبر الذى بمقتضاه تنازل صاحب الحق عن وطنه التاريخى لعدوه الذى بنى حقه على الأساطير والأكاذيب.

وهو التنازل الذى عبر عن حسن نية أملا فى تحقيق وعد الدولة، ثم تبين بعد ذلك أن التنازل كان فخا وقعت فيه القيادة الفلسطينية، فقدمت الجائزة للعدو بلا مقابل.

فى النقاط الثمانى التالية تحدث البرنامج عما يلى:

 ١ــ إعادة بناء منظمة التحرير لتصبح وعاء جامعا لكل قوى الشعب الفلسطينى.
 ٢ــ إعلان أن المرحلة التى يعيشها الشعب الفلسطينى هى مرحلة تحرر وطنى من الاحتلال،
 الأمر الذى يعنى أن المقاومة بأشكالها المشروعة وحدها واجب المرحلة وفريضة الوقت.
 ٣ــ إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية ووضع برنامج ينهى وجود سلطتين فلسطينيتين.
واحدة فى غزة تتمسك بالمقاومة والثانية فى رام الله تجرم المقاومة وتنسق مع الاحتلال.

 ٤ــ وضع برنامج وطنى لتعزيز صمود وثبات الشعب الفلسطينى على أرضه.
 ٥ــ الخروج من حالة اختزال فلسطين أرضا وشعبا فى الضفة الغربية وقطاع غزة، والتأكيد على أن الشعب واحد فى كل فلسطين دون تفرقة بين من بقى فى الأرض المغتصبة عام ٤٨ وتلك التى تم احتلالها فى عام ١٩٦٧، أو بين هؤلاء وهؤلاء وبين من اضطروا للجوء والشتات حول العالم.

٦ــ الاتصال بكل الأطراف العربية والإسلامية لكى تتحمل مسئوليتها التاريخية إزاء هذه الخطوات ولكى توقف الهرولة على التطبيع مع إسرائيل،
الأمر الذى يقتضى سحب المبادرة العربية وإنهاء حصار غزة.
٧ــ أن تقوم قيادة منظمة التحرير من موقعها الرسمى بملاحقة دولة الكيان الصهيونى فى كل المجالات.
 ٨ــ إطلاق حوار وطنى شامل بين كل مكونات الشعب الفلسطينى لبحث خطوات ومتطلبات الوضع الجديد الذى سيعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية.

المبادرة أعلنها أبوعبدالله على في الاحتفال الكبير الذى أقيم فى غزة فى ذكرى تأسيس حركة الجهاد الإسلامى قبل ٢٩ عاما،
 وسارعت حركة حماس إلى الترحيب بها،
 فى حين وصفها متحدثون باسم حركة فتح بأنها غير واقعية. وذلك أمر مفهوم من جانب السلطة،
ولم تعترض عليها الجبهة الشعبية وإنما ذكرت أنها تتقاطع مع بعض مواقفها.

ورغم أن الموضوع لايزال محل مناقشة فى الأوساط الفلسطينية، فإن العقبة الكبرى التى تواجهها تتمثل فى فتور البيئة العربية إزاءها، خصوصا من جانب دول الصف الأول المتبنية للمبادرة العربية وصار بعضها أقرب إلى مسار التطبيع مع إسرائيل.

حين سئلت عن المبادرة قلت إنها تتبنى انتفاضة سياسية تعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة قبل أن يطويها النسيان،
 إلا أنها أقرب إلى الرأى السديد فى البيئة الغلط، لأنها بمثابة ضوء فى بداية نفق معتم يبدو مسدودا.

............................

28 أكتوبر، 2016

ماذا عن سلام الداخل؟

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 28 المحرم 1438 – 29 أكتوبر 2016
ماذا عن سلام الداخل؟ - فهمي هويدي

مهم لا ريب أن يوجه الرئيس السيسى رسالة سلام إلى الخارج من شرم الشيخ، كما ذكرت الصحف المصرية يوم الخميس الماضى.
لكن الأهم أننا ننتظر منه فى عامة الثالث رسالة سلام مماثلة إلى الداخل.

 أدرى أن توجيه الرسالة الأولى إلى العالم الخارجى مطلوبة فى الوقت الراهن، لأسباب لا تحتاج إلى شرح.
 لكننى أزعم أن رسالة السلام الموجهة إلى الداخل مطلوبة فى كل وقت، وهى الآن ضرورة ملحة أكثر من أى وقت آخر.

كان مصطفى كمال أتاتورك قد رفع فى بداية تأسيس الجمهورية التركية شعار «سلام فى الداخل وسلام فى الخارج»، معتبرا أن ذلك مدخل ضرورى لمرحلة التأسيس.
وقد قدم فيها سلام الداخل على سلام الخارج، معتبرا أن انجازه فى الداخل يؤمن بالضرورة السلام فى الخارج.

وأخشى أن يكون الأمر معكوسا فى مصر، حيث تعطى الأولوية لسلام الخارج بينما يظل سلام الداخل مرحلا إلى أجل غير معلوم.
 آية ذلك مثلا أن وزارة التربية والتعليم أصدرت بيانا تحدث عن التعديلات فى مناهج التعليم لخصته صحيفة «المصرى اليوم» ونشرته على الصفحة الأولى يوم ٢٦/١٠ الحالى تحت العنوان التالى:
السلام بدلا من «ثقافة الصراع» فى كتب الدراسات الاجتماعية.

وفيه إشارة إلى أنه تم التطرق إلى ذلك المعنى فى صياغة الجزء الخاص بالصراع العربى الإسرائيلى فى أحد الكتب المقررة على الصف الثالث الإعدادى.
 ورغم أن الاحتلال لايزال مستمرا كما أن الصراع لم تضع نهاية له بعد، إلا أن الوزارة فى تعديلها للمنهج استبقت ورفعت المصطلح واعتنت بالحديث عن ثقافة السلام فى الخارج، ولم تشر فى السياق إلى سلام الداخل.

ما سبق يسوغ لى أن نقول بأن توصيف الوضع الراهن فى مصر يمكن أن يختزله شعار «سلام فى الخارج وصراع فى الداخل».
تؤيد ذلك تعدد قرائن العناية بسلام الخارج مع استمرار الاحتقان والانقسام فى المجتمع.
وهو الذى مر بأربع مراحل تعاقبت منذ شهر يونيو عام ٢٠١٣،

فى البدء كان الصراع مع الإخوان، الذى اتسعت دائرته فى وقت لاحق بحيث تطور الاشتباك مع مختلف فصائل الإسلام السياسى.
وفى حين وقف ائتلاف ٣٠ يونيو فى المربع المعاكس. فإن عقد ذلك الائتلاف انفرط بمضى الوقت بحيث توزعت عناصره بين موالين للنظام ومستقلين عنه أو معارضين له
واصطف الأخيرون مع القوى المدنية الوطنية التى استهجنت موقف السلطة إزاء الحريات العامة وعارضوا انتهاكاتها للدستور والقانون ومبادئ حقوق الإنسان،
 وإذ ظل ذلك الحراك يتفاعل فى محيط الطبقة السياسية باختلاف أطيافها، فإن الأمر اختلف خلال الأشهر الأخيرة،
 ذلك أن الغلاء الفاحش الذى قصم ظهور الملايين وسع من دائرة السخط والغضب، بحيث تجاوز الطبقة السياسية والقوى المدنية ووصل إلى عموم الشارع المصرى على النحو الذى نلمسه هذه الأيام. وتلك هى المرحلة الرابعة من الاحتقان والانقسام.

إزاء ذلك اكتسبت الدعوة إلى احتواء تلك الصراعات أهمية خاصة فى الوقت الراهن وصارت الحاجة إلى سلام الداخل استحقاقا عاجلا.
أما كيف يتحقق ذلك، فالموضوع يستحق حوارا مطولا ومفصلا.
ولذلك تمنيت أن يتسع صدر السلطة لعقد مؤتمر وطنى تمثل فيه مختلف القوى المدنية تطرح فيه المسألة بصراحة وشجاعة.

 والشرط الأساسى لنجاحه أن ترفع عنه يد الأمن لكى يتسع للمعارضين والمستقلين إلى جانب المؤيدين.
وليته يتجنب العيب الأساسى الذى شاب مؤتمر الشباب، الذى دعت إليه الرئاسة وصممته الأجهزة الأمنية بحيث شارك فيه المرضى عنهم من الأنصار والمؤيدين دون غيرهم.

إذا جاز لى أن استبق فى تحرير الدعوة إلى سلام الداخل،
 فأزغم أنه لا سبيل إلى تحقيقه طالما استمر موت السياسة واختل ميزان العدل،
 وطالما غابت المصالحة الوطنية، ولم ترفع القيود المفروضة على الحريات ولم يطلق سراح المسجونين ويوقف التعذيب والاختفاء القسرى.
 ثم أنه لا بديل عن وقف عسكرة المجتمع مع السعى الجاد لاستعادة أمل الدولة المدنية والديمقراطية.
 وتلك عناوين سريعة لا شك أن الحوار الوطنى المنشود سينضجها على نحو أفضل وأشمل.

..........................

26 أكتوبر، 2016

استقالة مع قرار التعيين

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 26 المحرم 1438 – 27 أكتوبر 2016
استقالة مع قرار التعيين – فهمي هويدي

حدث خلاف بين رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس جهاز المخابرات فى السلطة الفلسطينية.
انتهى باستقالة الأول بعدما أمضى عشرة أشهر فقط من تعيينه فى منصبه،
رئيس مجلس القضاء سامى صرصور اتهم رئيس المخابرات اللواء توفيق الطيراوى بالتدخل فى شئون القضاء والاعتداء على استقلاله،
 فى حين أن الطيراوى نسب إلى السيد صرصور أنه قام بتعديل مراسيم رئاسية بعد صدورها بالمخالفة للقوانين المعمول بها.
وهى اتهامات أدانها المجلس الأعلى للقضاء واعتبرها إساءة إلى هيبة القضاء ومساسا باختصاصات السلطة القضائية.

 إلى هنا والسجال كان مفهوما فى أجواء العالم العربى،
 ذلك أنه حين يختلف أى مسئول مهما علا مقامه مع رئيس المخابرات ويتعذر التفاهم أو إصلاح ذات البين بينهما، فإن الذى يغادر هو المسئول فى حين يظل رئيس المخابرات من «الثوابت»، طالما كان مرضيا عنه من الرئيس الأعلى. 

المستشار سامى صرصور شغل فى السابق مناصب قضائية رفيعة،
 منها أنه كان نائب رئيس المحكمة العليا،
ثم أصبح نائبا لرئيس مجلس القضاء الأعلى،
قبل أن يصدر مرسوم بتعيينه رئيسا لمجلس القضاء الأعلى فى شهر يناير الماضى.

وفى دفاعه عن نفسه قال إننا طوال ١٥ عاما كنا نأمل بالإصلاح وقطعنا شوطا فى الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية،
لكن ما حدث أخيرا أعاد الأمور إلى نقطة الصفر. وانتقد موقف رئيس السلطة التنفيذية السيد محمود عباس قائلا إن تدخله لإقالة أو قبول استقالة رئيس المجلس الأعلى للقضاء إجراء غير قانونى.
 إذ إن المسار الطبيعى يقضى بأن يقدم القاضى استقالته إلى المجلس الأعلى للقضاء، الذى يناقشها بدوره ثم يحيلها لوزير العدل.
وليس من صلاحية رئيس السلطة التنفيذية أن يصدر قرارا فى هذا الشأن.

استطرد صاحبنا قائلا: عندما تم تعيينى رئيسا لمجلس القضاء الأعلى أكدوا لى أن الأمر تكليف وليس تشريفا،
وطلبوا منى التوقيع على كتاب استقالة غير مؤرخ، وهو ذات الكتاب الذى تم تفعيله أخيرا لإزاحتى عن المنصب،
 ذكر ذلك لكى يؤكد أنه لم يستقل ولكن تمت إقالته، للإتيان بأشخاص آخرين للمجلس الأعلى للقضاء «لكى يكونوا أكثر انسجاما مع النافذين فى السلطة».

هذه الخلفية كانت مفاجئة للجميع.
 حيث لم يخطر على بال أحد أن يكون رئيس مجلس القضاء الأعلى بجلالة قدره قد وقع عند تعيينه فى منصبه الرفيع على كتاب استقالته.

وإذا كان ذلك قد حدث مع أكبر قاضٍ فى السلطة. فلنا أن نتصور حدوثه. أو ما هو أكثر منه مع من دونه من القضاة.
ثم أن ذلك يفسر كيف أن القضاء استخدم فى التلاعب بالانتخابات البلدية التى كان مقررا إجراؤها فى الأرض المحتلة يوم ٨ أكتوبر الحالى.

ذلك أن محكمة العدل العليا أصدرت حكما باستثناء غزة من تلك الانتخابات، بدعوى عدم شرعيتها.
وكان ذلك قرارا سياسيا من أصداء التجاذبات والمماحكات بين قيادة السلطة فى رام الله وبين الوضع القائم فى غزة الذى تديره حركة حماس.
 ثم انتهى الأمر بتأجيل الانتخابات كلها لمدة أربعة أشهر، بسبب خشية سلطة رام الله من فوز حماس فى بلديات الضفة الغربية.

حين أقيل السيد صرصور من منصبه فإنه اعتبر القرار عدوانا على استقلال القضاء ومساسا بهيبته، وتغولا غير مشروع من جانب السلطة التنفيذية.
 لكنه لم ير شيئا من ذلك حين وافق عند تعيينه على التوقيع على كتاب غير مؤرخ باستقالته.

ورغم أنه نفذ للسلطة ما أرادت (فى انتخابات البلديات مثلا)، هو والجهاز القضائى الذى يعمل معه، فإن ذلك لم يشفع له، وألقى به إلى عرض الطريق حين اختلف مع رئيس جهاز المخابرات.

 وهى قصة محزنة تسلط الضوء على الدور الحقيقى للقضاء فى أى نظام غير ديمقراطى،
خلاصة درسها الأهم الذى كثيرا ما ننسى أنه لا مكان لقضاء مستقل فى مجتمع يحكمه الأمن.

.....................

25 أكتوبر، 2016

القمع والانتقام ليسا حلا

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 25 المحرم 1438 – 26 أكتوبر 2016
القمع والانتقام ليسا حلا – فهمي هويدي

لا يكفى أن نعرب عن الصدمة والحزن إزاء قتل ضابط كبير فى القاهرة.
ولا يقدم أو يؤخر أن نصب لعناتنا على الإرهاب وسنينه، وأن نتوعد الإرهابيين ومن وراءهم.

ولا بأس من أن نشدد الاحتياطات الأمنية التى يفترض أنها من لزوميات الظروف الطارئة التى نمر بها، ذلك إننا مطالبون فوق كل ذلك بأن نفكر فى الموضوع بعقولنا وليس فقط بغرائزنا وانفعالاتنا.

لست ضد الانفعال، لكننى أقدره وأدعو فقط إلى ضبطه وعقلنته، كى لا يظل رد الفعل مقصورا على التنديد والتشنج والتحريض على الانتقام.

الأشرار فى إسرائيل يفكرون بهذه الطريقة. حين فوجئوا بانتفاضة القدس أو انتفاضة السكاكين فى العام الماضى (٢٠١٥) فإنهم تعاملوا مع الشبان الغاضبين على مستويين.
من ناحية ألقوا القبض على الفاعلين والمتظاهرين لمعاقبتهم بما نعرف من أساليب.
ومن ناحية ثانية فإنهم أطلقوا جماعات من باحثيهم للتعرف على خلفيات المعتقلين، من انتمائهم إلى دوافعهم لاستخدام السكاكين مرورا بتوزيعهم الجغرافى وظروفهم العائلية،

كان من السهل وربما المفهوم أن يتهم هؤلاء الشبان بالانتماء إلى حركة حماس أو الجهاد الإسلامى،
 وهى الذريعة التى يمكن أن تسوقها وتستند إليها فى توجيه ضربات موجعة إلى أى من المجموعتين.

ورغم أن ذلك أول ما خطر على بالهم. إلا أنهم لم يتعجلوا واعتمدوا نتائج جهد الباحثين، التى نفت علاقة هؤلاء بحركة حماس أو الجهاد،
 الأمر الذى دعاهم إلى تعديل مسار البحث للتعرف على الأسباب الأخرى التى دعتهم إلى الاشتراك فى الانتفاضة وحمل السكاكين،
وهو ما ترتب عليه قاعدة بيانات مهمة ترتبت عليها إجراءات عدة لا مجال للاستفاضة فيها.

ما همنى فى التجربة أن المعالجة الإسرائيلية للحدث لم تكن أمنية فقط، وإنما تزامن مع ذلك مسار آخر، استهدف تعميق البحث لتفادى تكرار ما جرى فى المستقبل.

وإذ لا أخفى كراهية لكل ما هو إسرائيلى، فإننى أزعم أنهم وهم يمارسون شرورهم يلجأون إلى أساليب يمكن الإفادة منها فيما هو أفضل.

كنت قد أشرت فى مقام سابق مماثل إلى أن إدانة الجريمة أمر ضرورى، لكن من المهم أيضا أن نتعرف بدقة على من فعلها ولماذا.
 وهو ما أكرره الآن محذرا من التعجل فى تسجيل المواقف وإصدار البيانات.
ومذكرا بواقعة تفجير مقر مديرية أمن الدقهلية فى أواخر شهر ديسمبر عام ٢٠١٣، التى أعلن آنذاك أن الإخوان من قاموا بها، وبناء على ذلك اعتبرت الجماعة إرهابية وجرى حظر جميع انشطتها.
 إلا أن جماعة أنصار بيت المقدس بثت شريط فيديو بعد ذلك بأربعة أشهر (فى شهر أبريل عام ٢٠١٤) أعلنت فيه أنها المسئولة عن عملية التفجير الذى سجل الشريط مراحل تنفيذها وصورة الشخص الذى قام بها.

حين أذيع خبر قتل الضابط الكبير ذكرت وسائل الإعلام أن الإخوان وراء العملية.
وبعد ٢٤ ساعة أعلن أن الذين نفذوا الجريمة ثلاثة من الإخوان وجرى التعرف على أسمائهم، ينتمون إلى كيان غامض باسم «لواء الثورة»،

وقد سبق لعناصر تلك المجموعة أنهم اشتبكوا مع كمين للشرطة فى المنوفية مما أسفر عن قتل اثنين وإصابة أربعة،
وإزاء التعرف على أسمائهم فإن إلقاء القبض عليهم هم وشركاؤهم يصبح مسألة وقت لا أكثر.

 وفى هذه الحالة فإن التعامل الأمنى معهم يصبح مفهوما، ولكن الاكتفاء بأنهم إخوان ومعاقبتهم جراء ذلك لن يحول دون ظهور كيانات أخرى وتكرار الجريمة،
لذلك من المهم للغاية أن يبذل جهد مواز سواء لتحرى انتمائهم الحقيقى أو دوافعهم لاستخدام العنف أو علاقتهم بجماعات العنف الأخرى.
وسبب استهدافهم لضابط كبير فى القوات المسلحة، فى حين أن رجال الشرطة وبعض رجال القضاء هم الذين استهدفوا فى المرات السابقة.

لا أستبعد أن يكون القتلة من الإخوان، لأن الجماعة باتت متعددة التوجهات والأجيال.
وسيكون مقلقا أن نكتشف أنهم من تلك الأجيال التى تشكل إدراكها فى السنوات الأخيرة أو من سلالة أناس عذبوا أو قتلوا. لأن ذلك يعنى أننا بصدد الدخول فى طور جديد أو دورة جديدة من العنف تتطلب دراسة خاصة، وربما مراجعة لكيفية احتواء ذلك التطور.
وهو أمر لا يكفى فيه القمع أو الاكتفاء بتشديد القبضة الأمنية. حيث أزعم أنها مهمة تفوق طاقة وقدرات أجهزة الأمن ذاتها.

فى التفاصيل كلام كثير، لا جدوى من الخوض فيه طالما ظل التعويل على الأمن وحده هو الخيار المفضل.

...............................

Delete this element to display blogger navbar