Subscribe:

Ads 468x60px

31 أغسطس، 2016

فتنة جديدة فى الطريق

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 29 ذو القعده 1437 – 1 سبتمبر 2016
فتنة جديدة فى الطريق – فهمي هويدي

هذه فتنة جديدة تضاف إلى سجل زمن السقوط الذى ما عدنا نعرف له قاعا أو شطآنا.
 إذ إلى جانب فتن السياسة وسحاباتها الداكنة، فإن فتن أهل الدين باتت تطل علينا كل حين.
من تسميم لعلاقة المسلمين بغير المسلمين، إلى صراعات الإسلاميين والعلمانيين وخصومات واحتراب السنة والشيعة،
 وأخيرا ضربت رياح الفتنة أهل السنة أنفسهم فى الأسبوع الماضى.

إذ فوجئنا بأن مؤتمرا مريبا عقد فى العاصمة الشيشانية جروزنى. بدعوى التعريف بأهل السنة والجماعة،
 إلا أنه خلص إلى إخراج أهل السلف من أهل السنة وأبقى على بعض أشهر الفرق الكلامية والمتصوفة تحت مظلتهم،
 الأمر الذى أثار عاصفة فى المحيط السلفى لم تهدأ طوال الأسبوع الماضى.
ضاعف من الكارثة وعمق من الجرح فيها أن شيخ الأزهر ــ بجلالة قدره ــ كان على رأس ذلك المؤتمر.

شرارة الوقيعة بين أهم فرق أهل السنة انطلقت من المؤتمر الذى عقد فى العاصمة الشيشانية فى الفترة ما بين ٢٥ و٢٧ أغسطس الماضى،
وقدم بحسبانه مؤتمرا عالميا لعلماء المسلمين، كرس دورته لبحث موضوع أهل السنة والجماعة.

لأول وهلة لفت الانتباه فى المؤتمر عدة أمور.

 الأول أنه بحث الموضوع المهم للعالم الإسلامى بأسره فى جمهورية صغيرة مغمورة بمنطقة القوقاز مثل شيشينيا التى لا يزيد عدد سكانها على مليون ونصف المليون نسمة،
وكان أولى أن يعقد فى بلد مسلم كبير مثل إندونيسيا يعيش فيه أكثر من ٣٠٠ مليون نسمة،
 الأمر الذى يوفر منبرا أفضل لمخاطبة العالم الإسلامى.

 الأمر الثانى أن سفر شيخ الأزهر تم دون علم هيئة كبار العلماء أو مجمع البحوث الإسلامية،
وإنما بصفته رئيسا لمجلس حكماء المسلمين الذى شكلته وترعاه دولة الإمارات العربية.

 الأمر الثالث أن الذين دعوا إلى المؤتمر كانوا بعض أهل العلم الذين تم انتقاؤهم، واستبعد منهم علماء المملكة العربية السعودية.
 الأمر الذى فهم أن الحساسية المشهودة بين القطرين الشقيقين، التى ظهرت فى اليمن وفى سوريا، ألقت بظلالها على تمثيل المملكة فى المؤتمر.

 الأمر الرابع أن روسيا الراهنة لها معركة طويلة ضد الاتجاهات الإسلامية،
 وأن الاتجاهات السلفية منتشرة بين مسلميها كرد فعل على الغلو فى محاربة التدين.
 وهم هناك لا يعرفون سوى الوهابيين الذين لا يفرقون بينهم وبين الإخوان.
والترحيب الرسمى يقصر الاحتفاء بالمتصوفة غير المشغولين بالسياسة أو بغيرها من أمور الدنيا.

الأزمة حدثت بسبب ما ورد فى التوصيات فى تعريف أهل السنة والجماعة. على أنهم: الأشاعرة والماتردية فى الاعتقاد (هما من المدارس الكلامية ويمثلان الأغلبية بين المسلمين السنة)، وأهل المذاهب الأربعة فى الفقه، وأهل التصوف الصافى علما وأخلاقا وتزكية).

 كما حددوا المؤسسات الدينية العريقة عند أهل السنة، وحصروها فيما يلى:
 الأزهر والقرويين والزيتونة وحضرموت ومراكز البحث فيما بينها.
إضافة إلى المؤسسات الدينية والعلمية فى روسيا الاتحادية.

وواضح من ذلك التفصيل أنه تم إقصاء السعودية، بسلفييها وعلمائها ومراكزها الدينية وجامعاتها.
الأمر الذى يعطى للمؤتمر حكما وتوجهات مثيرة ومحيرة.
(مشيخة الأزهر أصدرت بيانا اعترض فيه الإمام الأكبر على البيان، وذكر أنه فى كلمته ضم السلفيين إلى أهل السنة).

لست فى وارد الدفاع عن السلفيين، ولا مجال لمناقشة أفكار الأشاعرة والماتردية، لأن أكثر ما أزعجنى فى الموضوع هو تأثيره على وحدة الصف المسلم.
ذلك أن بيان المؤتمر كان له رد فعله العنيف فى السعودية.

 ومن ثم فإنه فتح الباب أمام احتمالات تأجيج الصراع بين الدولتين الشقيقتين، ناهيك عن أنه صراع لا لزوم له من الأساس.
ناهيك عن أن الجميع مهزومون فيه، لأنه يستهلك طاقاتهم ومواردهم التى يفترض العقلاء أنه ينبغى توجيهها إلى ناحية أخرى.

 يبقى السؤال المهم هو:
هل هى حماقة سياسية فقط أم أنها لعبة خبيثة لها ما وراءها كما ذكر بعض الكتاب السعوديين؟

...........................

30 أغسطس، 2016

مؤيدون من أهل الشر!

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 28 ذوالقعده 1437 31 أغسطس 2016
مؤيدون من أهل الشر! - فهمي هويدي

من المفارقات ذات الدلالة في مصر أننا كنا ــ وما زلنا ــ ندافع عن حق المعارضين في الوجود،
لكننا أصبحنا الآن مضطرين إلى أن يكون للمؤيدين الحق ذاته!

على الأقل فذلك ما تدل عليه ممارسات رئيس البرلمان، الذي لا يتردد في قمع المؤيدين، لمجرد أنهم عبروا عن وجهة نظر سواء مخالفة لرأيه هو،
أم أن بينهم من وقع في المحظور وانتقد شيئا من ممارسات الحكومة.

حتى إننا حين نلاحظ هدوء الأعصاب الذي يتعامل به المهندس شريف اسماعيل رئيس الحكومة مع المخالفين والانفعال اللذين يستسلم لهما الدكتور علي عبدالعال في مجلس النواب، يخيل للمرء أن الأول هو رئيس البرلمان والثاني هو رئيس الحكومة.

مساء الأحد الماضي ٢٨/٨ حدثت واقعتان في مجلس النواب.
 في الأولى اشتبك اثنان من النواب في عراك تبادلا فيه بعض الألفاظ الجارحة
(تستطيع أن تتعرف على مستوى تلك الألفاظ إذا علمت أن أحدهما هو النائب مرتضى منصور).

 أما في الواقعة الثانية فقد عبر فيها أعضاء ائتلاف ٢٥/٣٠ عن اعتراضهم علي تمرير قانون الضريبة المضافة، فانسحبوا من الجلسة وعقدوا مؤتمرا صحفيا أعلنوا فيه موقفهم،

 رد فعل رئيس المجلس الدكتور علي عبدالعال كان كالتالي:
 ربت على كتف الاثنين في الواقعة الأولى ودعاهما إلى الالتزام بحدود «الأدب» في تجاذبهما،
 أما الثانية فقد تعامل معها بأنها من قبيل «قلة الأدب» في السياسة.
 وقال إن الذين انسحبوا من الجلسة أرادوا هدم البرلمان وأعطى انطباعا بأن جهدهم هذا يسهم في هدم الدولة.
وإذ توعدهم بالعقاب وبالإحالة إلى لجنة القيم لتأديبهم، فإنه قال منفعلا إنه لن يسمح باستمرار تلك الجهود الهدامة،
 وإنه سيدعو في نهاية الفصل التشريعي إلى جلسة سرية للبرلمان ليعرض على الأعضاء كمًّا من المعلومات الخطيرة للغاية التي لم يشر إلى مضمونها،
ولكن سياق الكلام أعطى انطباعا بأنها تتعلق بالسلوك التآمري لأعضاء الائتلاف سابق الذكر.
ولم نفهم لماذا يؤجل ذلك إلى نهاية دورة الانعقاد، طالما أنها معلومات خطيرة للغاية، يفترض أنها ما لا يحتمل الانتظار.

لم تكن هذه الواقعة الوحيدة التي انفعل فيها الدكتور عبدالعال غيرة على الحكومة، ولوح فيها باتهام ناقديها بالنيل من هيبة الدولة والعمل على إسقاطها.

 فقد حدث ذلك مرات عدة كان أبرزها ما جرى أثناء مناقشة مجلس النواب فرض زيادة جديدة لمعاشات الضباط في شهر يوليو الماضي.
ذلك أن النائب محمد عصمت السادات طلب الكلمة واستفسر عن وضع الضباط المتقاعدين الذين أصبحوا يحصلون على أجور عالية. وهل تشملهم الزيادة أم لا.
 إلا أن الدكتور عبدالعال قاطعه غاضبا ولم يسمح له بمواصلة الحديث.
واتهمه بالإساءة إلى القوات المسلحة وإنكار دورها.
 الأمر الذي صفقت له القاعة، حتى نهض أحد الأعضاء وأكمل رسالة رئيس الجلسة حين اتهم السادات وأمثاله بأنهم «طابور خامس».

إذا لاحظت أن مجلس النواب كله من مؤيدي النظام، وأنه بلا معارضة تقريبا،
وأي ملاحظات تقال في الجلسات خارجة من عباءة النظام وغيرة مؤيديه، فلك أن تتصور المأزق الذي صرنا إليه.

صحيح أن ائتلاف ٢٥/٣٠ الذي أعلن ولاءه للحدثين التاريخيين يضم عددا متواضعا نسبيا (أقل من ٤٠ عضوا)، إلا أنه بدأ بثلاثة أو أربعة أعضاء. ثم جذب آخرين بمضي الوقت.
ولذلك دلالته أيضا، لأن مضاعفة حجمه تشي باتساع نطاق «التمرد» داخل المؤيدين،

ولأن هؤلاء يتعذر اتهامهم بالأخونة أو الإرهاب فلم يكن هناك من حل لقمعهم سوى باستخدام اتهامات من قبيل هدم الدولة وإهانة الجيش والشرطة والانتماء إلى الطابور الخامس.

إذ المهم من وجهة نظر رئيس البرلمان ألا يكون هناك نقد أو تحفظ من أي نوع على ما يصدر عن الحكومة،
وإذا كان ذلك ليس جديدا، إلا أن الجديد بات يتمثل في توسيع الدائرة أن القمع بات يشمل المؤيدين فضلا عن المعارضين

وذلك تحليل إذا صح فإنه يثير السؤال التالي:
هل ينضم المؤيدون إلى أهل الشر أيضا،
وإذا ما حدث ذلك وأدرج هؤلاء على القوائم السوداء مع المعارضين، فمن يبقي مع النظام إذن؟
............................


29 أغسطس، 2016

أكاذيب المطبعين تستدعى لنا مصير الهنود الحمر– المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 27 ذوالقعده  1437 – 30 أغسطس 2016
أكاذيب المطبعين تستدعى لنا مصير الهنود الحمر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

أفهم أن تكذب إسرائيل فى تبرير مزاعمها، لكننى أستغرب أن يلجأ بعضنا إلى الكذب فى دفاعهم عن التطبيع معها.

(1)

حين كتب أحد المثقفين المصريين من دعاة التطبيع قائلا إنه يتعامل مع إسرائيل باعتبارها مجرد «كيان» فى الإقليم فإنه لم يكن يكذب فقط، لكنه كان يردد نفس الحجة التى يروج لها الصهاينة، وربما بنفس المصطلح الذى استخدموه.

آية ذلك أن مؤلف كتاب «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان». الذى أصدره فى عام ٢٠٠٣ مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا.
 ذكر فيه مؤلفه العميد متقاعد موشيه فرجى ما نصه:

 من وجهة النظر الإسرائيلية فإن المنطقة العربية لا تشكل وحدة ثقافية وحضارية واحدة، لكنها خليط متنوع من الثقافات والتعدد اللغوى والدينى والإثنى.
إذ عاش فيها العرب والفرس والترك والأرمن والإسرائيليين (لاحظ المغالطة) والأكراد والدروز والبهائيين والشيعة والسنة والآشوريين... إلخ.

وهدف تعدد الأقليات والهويات هو تبرير شرعية الوجود الإسرائيلى، لأن المنطقة من خلال التوصيف السابق تصبح خليطا من القوميات والشعوب واللغات، وتصور وجود وحدة بينها يغدو ضربا من الخيال.

والنتيجة المنطقية المترتبة على ذلك تعنى أن يكون لكل قومية فى المنطقة «كيانها» الخاص بها.
وبذلك تكتسب إسرائيل شرعيتها باعتبارها إحدى الدول القومية التى تعيش فى المنطقة.

هذا الذى عرضه العميد الإسرائيلى فى بحثه انطلق منه الباحث المصرى الذى يحمل شهادة الدكتوراه ويدرس العلوم السياسية فى الجامعة، وإن لم يذكر الحيثيات التى أوردها الباحث الإسرائيلى.

تتضاعف دهشتنا إذا لاحظنا أن أستاذ العلوم السياسية تجاهل فى حماسه لفكرة التطبيع، أو لم يكن يعلم أن «الكيان» الذى سلم به ليس له شرعية من وجهة نظر القانون الدولى.

فوعد بلفور قرار سياسى، وتقسيم فلسطين مجرد اقتراح أسقطته الأمم المتحدة فى شهر مارس عام ١٩٤٨. حين وجدت أن تنفيذه سيغرق المنطقة فى «بحر من الدماء»، كما قيل آنذاك نصا.

لذلك فإنها عينت الكونت برنادوت ليتولى وصاية الأمم المتحدة على فلسطين بعد انتهاء الانتداب البريطانى.
 أما اعتراف الدول بإسرائيل فهو عمل سياسى يمكن مراجعته ونقضه فى أى وقت.
 وذلك كله لا يفرض نفسه على القانون الدولى ولا يعد جزءا منه،
وهو ما يمكن التثبت منه إذا ما عرض الأمر على محكمة العدل الدولية فى لاهاى.

(2)

الأكذوبة الثانية التى يروج لها دعاة التطبيع، وشاركهم فى ترديدها بعض المسؤليين المصريين، إن معاهدة السلام التى وقعت فى عام ١٩٧٩ استقرت وحققت السلام فى المنطقة، وتستحق أن يبنى عليها بحيث تتوج بالتطبيع.

وعند التحقيق التاريخى النزيه سوف يكتشف الباحثون أنها كانت وبالا على مصر والأمة العربية،
وأنها فى حقيقة الأمر رتبت نتيجتين،

الأولى أن مصر استقالت من قيادتها للأمة العربية فصغرت بحيث ينطبق عليها القول إنها «تصالحت فتصاغرت».
وباستقالتها انفردت إسرائيل بإدارة القضية والعبث بملفاتها،
 الأمر الذى أتاح لها أن تثبت أقدامها وتعربد، وتزداد شراهة فى التوسع والاستيطان.

 صحيح أن مصر استردت سيناء (إلا قليلا) لكنها خسرت مكانتها وحين كبلتها معاهدة السلام، فإن إسرائيل أطلقت العنان لطموحاتها.
 فقصفت المفاعل النووى العراقى فى عام ١٩٨١،
 ثم قامت بغزو لبنان عام ١٩٨٢.

 وكان خروج مصر مقدمة لتركيع الفلسطينيين فى اتفاق أوسلو عام ٩٣،
ثم لتوريط الأردن فى معاهدة وادى عربة التى عقدت عام ١٩٩٤.

فمصر نفضت يدها من القضية وجاءت بعدها الأردن.
 وحين وجد الفلسطينيون أن مصر تخلت عنهم، فإنهم قبلوا بتوقيع اتفاقية أوسلو التى هى أسوأ من وعد بلفور،
 ذلك أنهم فى أوسلو جلسوا مع الإسرائيليين لكى يقتسموا أرضهم معهم،

وكانت تلك سابقة فريدة فى التاريخ. إذ بدلا من أن يستمر الواقع تحت الاحتلال فى المقاومة لاستعادة أرضه، فإنه جلس مع المحتلين لكى يضفى شرعية على احتلاله.

 وللعلم فإنه ليس فى اتفاقية أوسلو أية إشارة إلى القانون الدولى أو قرارات الأمم المتحدة أو حقوق الفلسطينيين.

لم يحل السلام فى فلسطين، وأقيم مركز اتصال تابع للأمم المتحدة للتجسس والتنصت على كل دول المنطقة مقره فى داخل إسرائيل والقوات التابعة له بالمنطقة.

 أما إسرائىل التى أطمأنت إلى خروج مصر واعتزالها، فقد أطلقت يدها فى الاستيطان والتهويد وابتلاع أرض الفلسطينيين.
 ففى عام ١٩٧٩ كان عدد المستوطنين فى حدود ٢٠ ألفا وقد وصل العدد إلى أكثر من نصف مليون فى الوقت الراهن،
 ومنذ ذلك العام أقدمت إسرائيل على توسيع المستوطنات وبناء مستوطنات جديدة على ما سمى بأملاك الدولة، حتى أصبحت ٤٢٪ من أراضى الضفة الغربية تحت سيطرة المستوطنات.

وفى الفترة من عام ٧٩ وحتى الآن قامت إسرائيل بهدم ٤٤٧٣ من بيوت الفلسطينيين بذرائع عدة منها العقاب جراء المقاومة أو عدم وجود ترخيص بالبناء أو لأغراض عسكرية،

وهذه أرقام سجلتها منظمة «بتسليم» الحقوقية فى إسرائيل، إلى غير ذلك من القرائن التى أعدتها المنظمة الحقوقية الإسرائيلية،
 وكلها تكذب مقولة الاستقرار والفضائل التى ترتبت على المعاهدة، وقيل أنها تنضم إلى مسوغات للتطبيع ومبرراته.

(3)

الأكذوبة الثالثة ادعت أن إسرائيل أصبحت شريكا فى مكافحة الإرهاب مع دول الاعتدال العربى، سواء تمثل فى ذلك فى التصدى لجماعات العنف فى سيناء أو تمثل فى العمل على حصار المشروع النووى الإيرانى الذى يقال إنه خطر.

ولا أعرف كيف انطلت تلك الكذبة على عقول البعض، لسبب جوهرى هو أن إسرائيل هى التى ابتدعت الإرهاب فى المنطقة.
 ذلك أن العصابات الإسرائيلية هى أول من أرسل قنبلة فى رسالة لتخويف الإنجليز فى عام ١٩٤٦،

وفى العام ذاته قامت لأول مرة بخطف قاض وجندى بريطانى،
 وأول قنبلة ألقيت على مدنيين عزل قام بها الإسرائيليون فى عام ١٩٤٨ لترويع فلسطينيين كانوا جالسين على مقهى فى قرية «لفتا» غرب القدس.

 وتذكر المراجع التاريخية أنه فى سنة ١٩٤٨ وحده قام الإسرائيليون بـ٨٠ مذبحة فى فلسطين.
ولا ينسى أن العصابات الصهيونية استهدفت فى شهر يوليو عام ٤٨ جمعا من السكان احتموا بأحد المساجد (جامع دهش فى اللد)، فأحدثت ثغرة فى جدار المسجد وصوبت مدافعها من خلالها.
الأمر الذى أدى إلى قتل ٢٠٠ فلسطينى ممن كانوا فى داخله.

قائمة الإرهاب بكل مظاهره من خطف وقتل إلى تسميم مياه الشرب وهدم البيوت على سكانها،
 ذلك وغيره سبقت فيه إسرائيل الجميع، ثم خرجت علينا أخيرا لتزعم أنها تقف إلى جوار دول الاعتدال ضد الإرهاب.
ويحدث ذلك بجرأة مشهودة، لأنه يتم فى حين تمارس الإرهاب فى الأرض المحتلة كل يوم تقريبا.

الأكذوبة الرابعة مفضوحة ولا تحتاج إلى تفنيد، ذلك أن الادعاء بأن إسرائيل تتفاوض مع القادة الفلسطينيين لتحقيق السلام بات سمجا ولم يعد يصدقه أو يعول عليه الإسرائيليون أنفسهم،

فالمفاوضات الجارية التى تتم فى ظل التنسيق الأمنى بين سلطة رام الله وبين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لم يعد يراهن أحد على إمكانية توصلها إلى حل للقضية.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن إسرائيل تسيطر على ٩٨٪ من الاقتصاد الفلسطينى، فإن ذلك يعنى أن هدف المفاوضات هو استمرار الاحتلال والتمكين له وإضفاء الشرعية عليه بمضى الوقت.

وكانت نتيجة ذلك أن تراجعت فكرة إقامة دولتين على أرض فلسطين، ورفضت فكرة الدولة الواحدة.
وأصبحت الصيغة العملية المطروحة تتمثل فى محاولة تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين فى ظل الاحتلال.
 بمعنى أن يبقوا داخل القفص طول الوقت، مع استمرار محاولات تحسينه.

(4)

إذا سارت الأمور على النحو الذى يشتهيه المطبعون من سياسيين ومثقفين ومنافقين، فلن يكون حديثنا عن مصير الهنود الحمر افتراضا متشائما. لأن الذى جرى مع أولئك الهنود منذ بداية القرن السابع عشر وانتهى بمحو شعوبهم وحضارتهم وإبادة مجتمعاتهم وثقافتهم، يتكرر الآن فى فلسطين بصورة شبه حرفية.

وقد وثق الكاتب العربى سورى الأصل منير العكش قصة الهنود الحمر ومصيرهم الفاجع فى ثلاث مؤلفات هى:
 أمريكا والإبادات الجماعية،
وأمريكا والإبادات الثقافية
 والكتاب الثالث هو الذى يسلط الضوء على المصير الذى نتخوف منه وعنوانه: دولة فلسطينية للهنود الحمر.

وحين يقرؤه المرء بإمعان سيجد أنه يروى ما يحدث الآن فى فلسطين المحتلة. منذ كان الصهاينة لا يمثلون أكثر من ٦٪ من السكان. ولهم خمس مستوطنات فى عام ١٨٨١ إلى أن ابتلعوا فلسطين كلها وصاروا يقدمون أنفسهم كقوة عظمى مهيبة ومحسودة فى الشرق الأوسط.

وحين خطر لى أن أدعو إلى تعميم الكتاب لكى يدرس فى مراحل التعليم الإعدادى والثانوى بالعالم العربى.

 أحبطتنى الأخبار التى نشرت عن تغير مناهج التعليم فى مصر لتنشئة الأجيال الجديدة على الإعجاب بإسرائيل وليس تعريتها وفضح جريمتها التاريخية الفادحة.

ملأنى كتاب منير العكش الأخير بالغم والاكتئاب حتى استحضرت ما كتبه ابن كثير فى مؤلفه «البداية والنهاية» عن غزو التتار لمقر الخلافة الإسلامية فى بغداد. الذى وصفه بأنه الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التى عقمت الأيام والليالى عن مثلها.
 حتى قال بعد الذى رآه:
ياليت أمى لم تلدنى، ويا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا.
 نسأل الله ألا يرينا يوم التطبيع ومصيبته الكبرى. لا نحن ولا من يأتون بعدنا من الأبناء والأحفاد.

.........................

28 أغسطس، 2016

الرضا هو الأهم

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 26 ذو القعده 1437 29 أغسطس 2016
الرضا هو الأهم – فهمي هويدي

الوزير فى مصر يقال ولا يستقيل.
وهو يؤمر بذلك إذا ما ارتكب فعلا فاضحا وليس لاتباعه سياسة فاشلة.
هذا ما تعلمناه من خبرة الممارسات الجارية.

والفعل الفاضح الذى أعنيه سياسى وليس أخلاقيا،
ولأن تلك هى القاعدة فإن الأسباب الحقيقية للإقالة لا تعرف،
وغاية ما يعرف منها هو ما ظهر إلى العيان من وقائع.
وهو ما يصح فيه القول بأن الوزير يخرج من الوزارة سواء بالإقالة أو من ثنايا التعديل الوزارى، للأسباب التى لا يعرفها الناس وليس تلك التى يعرفونها.

يوم الأربعاء الماضى ٢٤/٨ كان عنوان الصفحة الأولى لجريدة الشروق كالتالى:
 إسماعيل (رئيس الوزراء) غاضب من نغمة التعديل الوزارى
وفى يوم الجمعة ٢٦/٨ كانت استقالة وزير التموين عنوانا رئيسيا لصحف الصباح المصرية.

 كانت الحجة المعلنة أن تقرير فساد القمح وحكاية إقامته فى أحد الفنادق الكبرى منذ توليه الوزارة أدانا الوزير السياسى وتسببا فى إعفائه من منصبه.

 التفاصيل التى ذكرتها جريدة «الأهرام» عن الإقالة كانت كالتالى:
 تلقى رئيس الوزراء توجيها من القيادة العليا (ليس هنا أعلى من رئيس الوزراء فى الوقت الحالى سوى رئيس الجمهورية) بإقالة الوزير وإحداث تغيير وزارى محدود.
بعد ذلك دعا رئيس الوزراء وزير التموين لاجتماع ثنائى حيث نقل إليه الرسالة وطلب منه أمرين،
أولهما أن يكتب الاستقالة بنفسه (أعطاه مهلة لذلك)
ثم أن يقرأها على الملأ فى مؤتمر صحفى.
فعلها الرجل وعرض نص الاستقالة المكتوبة على رئيس الوزراء الذى أقرها، فعقد الوزير المؤتمر الصحفى وأعلنها.
بعد ذلك اجتمع رئيس الوزراء معه لمدة ساعة، انصرف بعدها الوزير إلى بيته فى الإسكندرية وأسدل الستار على قصته، ليبدأ اللغط حول بدائله والمرشحين للخروج فى التعديل الوزارى المرتقب.

فى تجربة السنوات الثلاث الأخيرة «استقيل» ثلاثة وزراء هم:
 وزير العدل المستشار محفوظ صابر الذى أثار زوبعة بعدما تورط فى تصريح قال فيه إن ابن عامل النظافة لا يجوز له أن يتقلد منصبا قضائيا.
بعده جاء المستشار أحمد الزند الذى تورط فى تصريح آخر بدت فيه الإساءة إلى النبى محمد عليه الصلاة والسلام.
ثم استقال وزير الزراعة صلاح هلال بعد اتهامه بالرشوة وضبط متلبسا بها، فى واقعة مثيرة.
 أما الإقالة الرابعة فهى تلك التى تمثلت فى حالة وزير التموين الدكتور خالد حنفى.

القاسم المشترك بين الحالات الثلاث المشار إليها يتمثل فى ثلاثة أمور،
أولها أن كلا منهم ارتكب واقعة مسيئة إلى الوزير وإلى شكل السلطة بررت عزله.
أما الثانى فإن الإقالة تمت بطلب من رئيس الجمهورية.
 الأمر الثالث أن الإقالة لم يكن لها علاقة بسياسة أى من الوزراء الأربعة.

يؤيد الفكرة التى أدعيها أن الفشل واضح فى سياسات عدة وزراء، لكنهم باقون فى مناصبهم
فقصة تسريب الامتحانات فى وزارة التربية والتعليم.
وفضيحة الجنيه المصرى أمام الدولار،
 وفشل وزير الأوقاف وأزمته مع شيخ الأزهر،
 والغموض الذى يحيط بمصير مفاوضات سد النهضة،
 وورطات وزير الخارجية التى كان منها نفى وصف قتل الإسرائيليين للأطفال بأنه إرهاب،
وصولا إلى الفشل الأمنى الذى كشفت عنه قصة مقتل الباحث الإيطالى جوليو ريجينى،
إلى جانب فضيحة انتهاك أجهزة الأمن لحقوق الإنسان التى أصبحت محورا ثابتا فى التقارير الحقوقية الدولية
ــ ذلك كله حاصل، وهو قليل من كثير، دون أن يهتز مقعد كل وزير مسئول عنه فى مجاله.

أما ما جرى مع المستشار هشام جنينة، وفضيحة التنكيل بابنته وفصلها من وظيفتها، فإنه استدعى ملف فساد الأكابر الذى نجح فى عزل الرجل من منصبه والحكم بسجنه وليس محاسبة المتهمين بالفساد. وتقاريره أوضحت حالات وأسماء محددة.
 ذلك كله يشكل فصلا خاصا فى الملف مسكونا بعلامات الاستفهام والتعجب.

الخلاصة التى يخرج بها المرء من كل ذلك، أن استمرار المسئول فى منصبه من عدمه لا علاقة له بالفشل أو النجاح،
 ولكنه مرهون بحظه من الرضا والسخط.
فمن شمله الرضا استمر رغم كل ما ينسب إليه من أخطاء،
ومن حل عليه السخط أقصى أيا كانت كفاءته.

لا أستطيع أن اطمئن إلى التعميم فيما ذكرت، لأن ثمة حالات مدرجة على القائمة لا يشملها معيار الرضا والسخط، ولكنها يمكن أن تنسب إلى صراعات الأجهزة فيما بينها.
ذلك أن بين أيدينا حالات أثارها بعض أصحاب الحناجر العالية ليس لشجاعة من جانبهم وذلك ما نعرفه عنهم،
ولكنهم يفجرونها من خلال معلومات سربتها إليهم الأجنحة المختلفة فى الأجهزة السيادية لتصفية حساباتها الخاصة.

تثير القضية ملف «الشفافية»، وهى الفريضة الغائبة التى بسببها تتوه الحقائق، ويظل الجزء الغاطس منها أكبر بكثير مما يظهر للعيان على الملأ.

وذلك تشخيص ينبغى أن نتفق عليه، قبل أن نخوض فى العلاج الذى ما عاد فيه سر،
 إذ بغير الشفافية لن يتاح للرأى العام أن يعرف الحقيقة وراء خروج أى وزير من منصبه أو حتى شغله لذلك المنصب، خصوصا أننى أعرف وزراء سابقين لا يعرفون لماذا دخلوا ولماذا خرجوا.

.......................

27 أغسطس، 2016

مبادرة وقف العنف

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 25 ذوالقعده 1437 – 28 أغسطس 2016
مبادرة وقف العنف – فهمي هويدي

الذين نسوا «مبادرة وقف العنف» التى أطلقت فى مصر قبل تسعة عشر عاما معذورون،
 فنشرة أخبار العنف التى تبث طوال السنوات الثلاث الأخيرة لا تدع مجالا للحديث عن مبادرة وقفه التى أطلقت فى أواخر القرن الماضى.

والذين تناسوا المبادرة معذورون أيضا، لأن الأجواء الراهنة لا تحتمل سوى خطاب واحد يلعن العنف ولا يكف عن التلوح بخطره،
ومن ثم شيطنة أهله الذين صاروا من «الأشرار» الذين لا حديث يعلو فوق نداءات الخلاص منهم.

وحدهم الذين أعدوا المبادرة لايزالون يذكرونها ولا يملكون سوى اجترار ذكريات إطلاقها فى مجالسهم،
وهو ما يتم بعيدا عن الأضواء خشية الاتهام وتجنبا لسياط الإعلام الأمنى الذى بات يعتبر كل من انتمى ــ ولو تاريخيا ــ للإسلام السياسى متهما وملعون الوالدين حتى يثبت العكس،

ومن الأشرار الذين لا يستحقون الحصول على رخصة الانضمام إلى الأبرار الذين يملأون الفضاء تهليلا وتصفيقا وتسبيحا.

يوم أمس (السبت 27 أغسطس) التقى نفر من أصحاب المبادرة فى «الذكرى السنوية» لها.
وليس لدى تفسير لاختيار ذلك التوقيت لأن المبادرة أطلقت فى الخامس من شهر يوليو فى عام 1997 وقد خطر لى أن تكون الحسابات الأمنية وراء ذلك.
 اللهم إذا كانوا قد عقدوا ذلك الاجتماع فى «الذكرى الأربعين» للحدث الذى دفن فور إعلانه.

لاتزال المبادرة حية لم تمت، لسبب جوهرى هو أننا لم نطرح حتى الآن صيغة سياسية لوقف العنف.
صحيح أننا عقدنا عشرات المؤتمرات وألقيت علينا آلاف المواعظ وأصدرنا ما لا حصر له من البيانات،
 إلا أن العنف استمر بدرجة أو أخرى فى الوقت ذاته فإننى لا أستطيع أن أتجاهل احتمال أن تكون التعبئة الإعلامية ضده مطلوبة لاستمرار استنفار المجتمع وإشعاره بالخطر، لتبرير حاجة السلطة إلى تشديد القبضة واللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية لمواجهة ذلك الخطر.

تكمن أهمية مبادرة وقف العنف التى أعلنتها الجماعة الإسلامية قبل 19 عاما فيما يلى:

<
أنها كانت تجربة فريدة على المستوى المحلى والإقليمى جسدت انتقال فصيل مسلح بشكل طوعى من العنف إلى السلم على إثر مراجعات داخلية، أعلنت على الملأ فى أربع دراسات شرعية وسياسية مفصلة.

<
التجربة نجحت فى إطار الجماعة الإسلامية بدليل التزام أعضاء الجماعة طوال تلك المدة بالعمل السياسى السلمى.
 يشهد بذلك أنه طوال تلك المدة لم يحدث خرق واحد من جانب عناصر الجماعة لقرار نبذ العنف.
وهو ما حدث حتى فى أوقات الفراغ الأمنى بعد ثورة يناير، رغم وجود دوافع الانتقام والتشفى وتصفية الحسابات القديمة.

<
فى التعبير عن الالتزام بالمبادرة والتزاما بموقف نبذ العمل السرى، فإن الجماعة أنشأت حزب البناء والتنمية للمشاركة فى العمل السياسى العلنى.
وأثبت الحزب فى الممارسة تمسكه بمبادئ الحوار والمواطنة واعتماد الآليات الديمقراطية فى الممارسة السياسية.

<
سجل الحزب موقفا إيجابيا واضحا إزاء المشكلات الطائفية، حيت أطلق مبادرة «وطن واحد وعيش مشترك» لترسيخ الاصطفاف الوطنى.

هذه المحاور لم تكن شعارات فقط، ولكنها كانت نهجا التزم به الحزب منذ عام 1997.
إذ لم ينسب إلى أحد من أعضائه أى ضلوع فى كل عمليات العنف التى تمت خلال السنوات التى خلت، وحتى اللحظة الراهنة.

مشكلة المبادرة فى جديتها. أعنى فى أنها صادرة عن فصيل ينتمى إلى الإسلام السياسى، طوى صفحة العنف وأبدى رغبة فى المشاركة السياسية والتغيير السلمى والديمقراطى.

ولأنها كذلك فإن تجميدها أو تجاهلها يبدو منسجما مع أجواء إقصاء الإسلام السياسى وإبادته سياسيا وثقافيا.
ولأن ذلك التيار بمختلف فصائله يعد تعبيرا عن هوية إسلامية للمجتمع أصيلة وراسخة، فإن الإصرار على إقصائه يعد موقفا عبثيا وغير ديمقراطى،
 خصوصا إذا تعلق الأمر بفصائله المصرة على الالتزام بالسلمية والالتزام بالقيم الديمقراطية.

وهو تفسير إذا صح فهو يعنى أن موقف الإقصاء لمثل هؤلاء لا يعد فقط مصادرة لحق من حقوق الإنسان.
لكنه يعد أيضا تزويرا للديمقراطية وانتهاكا لقيمها.

وإذا كان الخطاب السياسى قد أطلق على كل فصائل الإسلام السياسى وغيرهم من المغضوب عليهم مصطلحا مبتدعا هو «أهل الشر»، فواقع الأمر يؤكد لكل ذى عينين أن فصيل البناء والتنمية يضم بعضا من خيار أولئك الأشرار.

..........................

Delete this element to display blogger navbar