Subscribe:

Ads 468x60px

31 يوليو، 2016

معركة لغير وجه الله-

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 27 شوال 1437 – 1 أغسطس 2016
معركة لغير وجه الله - فهمي هويدي

أثناء التجاذب الحاصل في مصر بين وزير الأوقاف والأزهر حول بدعة خطبة الجمعة المكتوبة، وجه أحد مسؤولي الأوقاف تحذيرا لتخويف المعارضين قال فيه إن
«غير الملتزم بالمكتوب سيعتبر من الإخوان ومشتقاتهم».

 وكانت صحيفة «المصري اليوم» قد أبرزت التحذير على صفحتها الأولى يوم الأحد ٣٠/٧ منسوبا إلى الشيخ حمادة المطعني مدير أوقاف السيدة زينب.

ومعروف أن هيئة كبار العلماء التي يترأسها شيخ الأزهر رفضت الفكرة ووصفتها في بيان أصدرته يوم ٢٦/٧ بأن من شأنها «تجميد الخطاب الديني»،

 إلا أن الوزير الذي ليس عضوا ضمن كبار العلماء أصر على موقفه، وتحدى مشيخة الأزهر والهيئة المذكورة.

وغاية ما استطاع أن يفعله أنه استثنى الخطباء التابعين للأزهر من قراره، في حين تمسك برأيه بضرورة قراءة المكتوب في المساجد التابعة لوزارة الأوقاف.

ولا يزال الجدل مستمرا بين مؤيدي المكتوبة ومعارضيها.
وتخلل الجدل ذلك التهديد والوعيد الذي أشرت إليه توا.

وقيل في هذا الصدد إن بعض خطباء الأوقاف من معارضي الفكرة شكلوا حملة «تمرد» وطالبوا بإقالة الوزير،
وتندر أحد المدونين على الاقتراح حين دعا إلى «تطويره» بحيث تُطبع نسخ من الخطب المكتوبة، على أن توزع على الداخلين إلى المساجد لقراءتها والاستعاضة بذلك عن وظيفة الخطيب والمنبر الذي يعتليه.

هذا التجاذب ليس جديدا، ولكنه ظهر إلى العلن في الآونة الأخيرة.
وهو جزء من الصراعات المكتومة بين أجهزة الدولة، وان اتسم بالحساسية لأنه حاصل في محيط المؤسسة الدينية، التي يفترض البعض فيها بعض الخصوصية، نظرا لمكانتها المتميزة لدى الإدراك العام.

 فأي دارس للتاريخ يعرف أن مشيخة الأزهر ظلت الجهة المسؤولة تاريخيا عن النشاط الديني تعليما ودعوة وإرشادا وإفتاء،
 إلا أن الأزهر أثار الانتباه حين أصبح في مقدمة قلاع المقاومة الوطنية المصرية التي تصدت للاحتلال الفرنسي، (عام ١٧٩٨م).

 أما الأوقاف فقد كان لها «ديوان» لم يكن له صلة بالشأن الديني، ولكن دوره ظل محصورا في رعاية الشئون المالية والإدارية المتعلقة بما تم وقفه لأعمال البر والخير.

وثمة لغط بين الباحثين حول دوافع فصل الإفتاء عن مشيخة الأزهر وإلحاقه بوزارة العدل (الحقانية آنذاك).
وهو ما أرجعه بعض الباحثين إلى محاولة خلخلة دور الأزهر وإضعافه، حتى لا ينفرد بالرعاية الروحية للمجتمع.

ولم يسلم من اللغط اقتراح اللورد كتشنر ــ المعتمد البريطاني ــ بإنشاء حقيبة للأوقاف وأخرى للزراعة في عام ١٩١٣.

 إذ مع ظهور هذين الكيانين لاحت بوادر تنازع الاختصاص بين مشيخة الأزهر من ناحية وبين وزارة الأوقاف ودار الإفتاء من ناحية ثانية.
وظل هم من شغل المنصب في الجهتين الأخيرتين هو كيف يوسع من اختصاصه ليثبت حضوره إلى جانب الأزهر، ولكي ينافسه أو يزايد عليه في مجالات اختصاصه.

 وهو التنافس الذي اشتد أواره في السنوات الأخيرة التي تنامى فيها دور الإسلام السياسي،
وبرزت في الأفق جماعات العنف والإرهاب،
الأمر الذي استدعى المؤسسة الدينية لكي تقوم بدور في صد الجائحة.

وظل الهدف المعلن متمثلا في كيفية السيطرة على المؤسسة الدينية لكي تؤدي دورها في خدمة السياسات المعلنة.
ولأن تلك الدائرة تحديدا ظلت مجال التنافس بين المؤسسات الثلاث فإن ذلك استصحب حضورا دائما وتنافسا مستمرا بينها في نسج العلاقة مع المؤسسة الأمنية.

ولم يكن مبدأ العلاقة هو مجال التنافس، لأن الجميع حرصوا عليها، وإنما ظل التنافس دائرا حول حدودها ومداها.

والمتابعون لأنشطة المؤسسات الثلاث وجدوا أن حضور الأمن في وزارة الأوقاف ودار الإفتاء ظل أقوى منه في مشيخة الأزهر.
 إن شئت فقل إن علاقة الأزهر اتسمت بقدر من الاحتشام بدرجة أو أخرى،
فقد ظل لها سقف فرضته خصوصية المشيخة سواء برمزيتها في العالم الإسلامي، أو بتاريخها الممثل أو بوجود هيئة كبار العلماء التي ضمت بعض القامات العلمية الرفيعة إلى جانبها.

 أما الأوقاف ودار الإفتاء فقد ظل تتنافس كل منهما مع الأزهر بلا سقف.
فضلا عن أن مرجعيتها باتت محصورة في المؤسسة الأمنية.

وفي الوقت الراهن فإننا نشهد توافقا بين وزارة الأوقاف ودار الإفتاء في مواجهة مشيخة الأزهر.
وأكرر هنا أن المؤسسات الثلاث لم تخرج من عباءة الأمن،
إلا أن التنافس ظل دائرا حول موقع كل منهما تحت العباءة.

 إذ في حين ظلت الفتاوى شبه اليومية التي تصدر عن دار الإفتاء حاضرة إلى حد الذوبان في السياسة الأمنية.

 فوزارة الأوقاف أدركت أن مجال الدعوة ومنابر المساجد هي الساحة التي يمكن أن تزايد فيها على الأزهر وتسبقه فيها.
وكان موضوع تعميم الخطبة المكتوبة من نماذج ذلك السباق الذي تفجر في العلن أخيرا.

وما كان لذلك أن يحدث لولا أن الوزير الذي عمل في مكتب شيخ الأزهر قبل تقلده الوزارة، وجد مساندة أمنية قوية لموقفه جعلته يجهر بالتحدى ويتعامل باستعلاء مشهود مع قرار هيئة كبار العلماء في الموضوع.
فضلا أن رجاله عمدوا إلى التلويح للمعارضين بتهمة الأخونة،
الأمر الذي يعد من قبيل البلاغ الأمني الذي يهدد بتدمير حياة المعارضين وإلقائهم وراء الشمس.

لم تكن المعركة لوجه الله ولا خدمة للدعوة أو لدور المساجد ورسالتها،
ولكنها من قبيل الصراعات التي لا غالب فيها ولا مغلوب، لأن الجميع يخرجون منها مجروحين ومشوهين، وربما صاروا أصغر مما دخلوا فيها.

.................

30 يوليو، 2016

نذر إعصار مسموم

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد26 شوال 1437 – 31 يوليو 2016
نذر إعصار مسموم - فهمي هويدي

المصادفة وحدها وضعتنا أمام هذه المفارقة المحيرة.

 ذلك أن الصحف العربية الصادرة يوم الثلاثاء الماضي ٢٦/٧ نشرت بيان قمة نواكشوط الذي تحدث عن مركزية القضية الفلسطينية وتهديد الاحتلال الإسرائيلي للأمن القومي العربي،

 وفي ذات اليوم نشرت الصحف الإسرائيلية الخبر التالي:
وصف وزير الجيش الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان مصر بأنها «الحليف الأكثر أهمية ل»إسرائيل» والأكثر جدية في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية».

بيان القمة كان يخاطب الرأي العام العربي مستخدما شعار الستينيات التي راج فيها مصطلح قضية العرب المركزية.

 أما ليبرمان فقد كان يتحدث في جلسة استجواب بالكنيست، ردا على سؤال للنائب يؤيل حسون حول تأثير اتفاق المصالحة بين «إسرائيل» وتركيا على العلاقات بين الدولة العبرية ومصر.

 وفهمنا مما نشرته الصحف الثلاث (هاآرتس ومعاريف ويديعوت أحرونوت) أن ليبرمان (أحد رموز النازية الصهيونية الذي دعا إلى قصف السد العالي لتأديب مصر) أكد لصاحب السؤال وأعضاء الكنيست أن العلاقات بين «إسرائيل» ومصر باتت من القوة والرسوخ بحيث لا يمكن أن تتأثر بأى اتفاق يعقد مع أي دولة ثالثة.

 الذين أعدوا بيان القمة اعتمدوا الصياغة التقليدية، وأطلقوها في الفراغ العربي وهم يعلمون أن أحدا لن يحاسبهم.
فضلا عن أن الجماهير العربية لم تعد تأخذ مقررات القمة على محمل الجد،
 أما الوزير الإسرائيلي فقد كان يدلي بشهادته أمام البرلمان الذي يحاسبه على ما يقول.

هذا التناقض ليس جديدا تماما،
والتباين في المواقف لم يعد مقصورا على خطاب الجامعة العربية ومجريات السياسة المصرية.

فالظاهرة باتت عربية بامتياز.

إذ باستثناء عدد محدود من الدول العربية، فإن جسور التواصل والتفاهم التي أقامتها بقية تلك الدول مع «إسرائيل» باتت تمتد حينا بعد حين.
وانتقلت أخيرا من السر إلى العلن وإن جرى سترها بغلالات وأعذار مختلفة بعضها ساذج وفاضح.

ومن نماذج الحيل الأخيرة قول من زار «إسرائيل» والتقى بعض مسئوليها، ثم ادعاؤه أنه كان في فلسطين وأم المصلين فيها، ولم يزر «إسرائيل»!

صحيح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما برح يتحدث عن اصطفاف «إسرائيل» إلى جانب ما أسماه دول «الاعتدال العربي»، منذ لاحت بوادر الإرهاب في المنطقة،
 إلا أننا لم نتوقع أن يتحول الطموح الإسرائيلي إلى واقع عربي ملموس.

وأيا كانت العوامل الأخرى التي شجعت على ذلك التحول (من بينها التمدد الإيراني في العالم العربي)،
 فالشاهد أننا صرنا إزاء واقع جديد اختلفت فيه قيم السياسة بقدر ما اختلفت خرائط الواقع.

وإزاء ذلك فإن ذلك الواقع بات يتطلب تحريرا صريحا وشجاعا،
ولئن كان ذلك مطلوبا في عموم العالم العربي، إلا أنه بات أكثر إلحاحا في مصر، التي هي الدولة الكبرى من حيث عدد السكان والوزن التاريخي على الأقل.

أدري أن كلام ليبرمان ينبغي أن يؤخذ بحذر، فنازيته معروفة وسجله الشخصي لا يشرف
(وهو ما أشار إليه سلفه موشيه يعلون وزير الدفاع السابق الذي وصفه بأنه من زعماء العصابات).

إلا أنه لم ينفرد بالحديث عن اعتبار مصر الحليف الأكثر أهمية وجدية بالنسبة ل»إسرائيل» في المنطقة.

فذلك المعني صار متواترا في الخطاب السياسي الإسرائيلي بصياغات مختلفة.

 (في شهر مارس الماضي قال سفير «إسرائيل» الأسبق بالقاهرة زئيفي مازل في حوار تليفزيوني إن مصر و»إسرائيل» أصبحا في سرير واحد!).

الحذر الواجب لا يحول دون الدعوة إلى تحرير العلاقة التي باتت ملتبسة بين القاهرة وتل أبيب.
ليس فقط إعمالا لحقنا في المعرفة،
وليس فقط لتبديد القلق والانزعاج الذي بات يساور جيلنا الذي عاصر زمن القضية المركزية والعدو الاستراتيجي،
وليس فقط لتحري حقيقة التحولات التي طرأت على العقيدة العسكرية في مصر.
ولكن أيضا حفاظا على سلامة وعي وإدراك الأجيال الجديدة التي باتت معرضة للبلبلة والضياع.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت أن استشراء تلك الحالة، لن يشوه تلك الأجيال فقط، ولكن تأثيره سيمتد إلى العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه.

قبل أكثر من عشر سنوات (في عام ٢٠٠٥) حين زار «إسرائيل» أحد كتاب المسرح المصريين، قامت قيامة المثقفين آنذاك، وفصل الرجل من اتحاد الكتاب.

 أما حين زارها وزير الخارجية أخيرا والتقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فإن ذلك لم يحدث صدى يذكر.

بل تطوع نفر من المثقفين لامتداح الزيارة حتى اعتبرها أحدهم «خطوة رائعة».

وحين تحدثت «هاآرتس» عن دراسة أوفير ونتر الباحث بجامعة تل أبيب التي كشف فيها عن التغيير الذي طرأ على مناهج التعليم في مصر، معبرا عن التطبيع مع «إسرائيل» وممتدحا السلام معها، فإن الأمر بدا طبيعيا ومقبولا بين أغلب المثقفين والإعلاميين المصريين.

هذه القرائن مجرد نماذج تؤيد الدعوة إلى تحرير تلك العلاقة الملتبسة حفاظا على وعي الأجيال الجديدة.

وما أتلقاه من رسائل يبعث بها بعض الوطنيين من الشباب والشابات يدل على أن بوادر التشوه حدثت بالفعل،
وأننا لا نتحدث عن خطر لاحق، وإنما عن نذر فاجعة حاصلة ونذر إعصار مسموم يطرق أبوابنا.

.......................

29 يوليو، 2016

من فعلها ولماذا؟

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 25 شوال 1437 30 يوليو 2016
من فعلها ولماذا؟ - فهمي هويدي

نحتاج إلى تقصى حقائق ما جرى فى محافظة المنيا، وأدى إلى تعدد الاشتباكات بين المسلمين والأقباط.
لست صاحب الاقتراح لكنى أؤيده، وأضم صوتى إلى صوت الأنبا بولا الذى دعا إليه.

وكانت جريدة «الشروق» قد نشرت فى عدد الثلاثاء ٢٦/٧ تقريرا عن صدى أحداث المنيا بمناسبة مناقشة الموضوع فى لقاء البابا تواضروس الثانى مع أعضاء اللجنة الدينية فى مجلس النواب.

وكان اقتراح الأنبا بولا أسقف طنطا المسئول عن صياغة قانونى الأحوال الشخصية وبناء الكنائس ضمن ما ذكر فى هذا السياق.
إذ ورد على لسانه قوله إن ما جرى فى المنيا ينبغى أن تتولى لجنة تقصى الحقائق دراسته للتعرف على السبب الحقيقى وراء الاحتقان الذى أدى إلى توتير العلاقة بين المسلمين والأقباط وتفجيرها بين الحين والآخر.

وهو ما اعتبره مدخلا صحيحا ورصينا للتعامل مع الملف، خصوصا أن وسائل الإعلام المصرية حفلت بسيل من التعليقات التى تناولت أعراض الداء. ولم تنل جذوره وأصوله العناية التى تستحقانها.

لى ثلاث ملاحظات على اقتراح الأنبا بولا،

 الأولى أننى أتمنى أن تشمل مهمة تقصى الحقائق محاولة توفير الإجابة عن أسئلة هى:
هل الاحتقان مقصور على محافظة المنيا وحدها أم أن الظاهرة متكررة فى محافظات أخرى؟
 ثم، ما هى الأسباب الكامنة وراء ذلك الاحتقان،
هل هو التعصب الدينى أم أنها الثأرات والصراعات القبلية والشخصية،
 وهل للدس والوقيعة دور فى ذلك؟
 أم أنها مجمل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التى يعانى منها الجميع،
 أم أن هناك أسبابا أخرى.

الملاحظة الثانية أن السعى ينبغى ألا يكتفى بمحاولة الإجابة عن السؤال «لماذا» على أهميته، لأنه من الأهمية بمكان أن يبذل جهد للإجابة أيضا عن السؤال «من»؟

 ــ أعنى أننا نريد أن نتعرف على الفاعل والمحرض، هل هو فرد أم مجموعة أم أفراد؟
 وما هى هوياتهم؟
وإذا كانوا ينتمون إلى جماعات فإن جهدا ينبغى أن يتواصل لتحديد ماهية تلك الجماعات.

وإذا كان الإعلام المصرى قد دأب على وصف الفاعلين بأنهم متعصبون أو إرهابيون دون أى تحديد أو تخصيص، فإن ذلك ربما خدم الأجواء السياسية والصراعات الداخلية،
إلا أنه لم يخدم الحقيقة، لأن العناوين الفضفاضة توزع التهم بالمجان وقد تضلل، فتصرف الانتباه عن الفاعلين وتثير الشبهات حول الأبرياء.

الملاحظة الثالثة تتلخص فى أن تقصى الحقائق ينبغى أن يشمل كل الأطراف المعنية، لأن بين المسلمين متعصبون ومتشنجون حقا، لكن هؤلاء لهم نظائرهم بين الأقباط أيضا.

ثم إننى لم أفهم الغمز فى دور الشرطة التى كثيرا ما تتهم بالتراخى فى القيام بما عليها، وهو ما أشك فيه.

وإذا تصورنا من الناحية النظرية أن يكون ذلك موقف فرد فمن الظلم أن يعمم الأمر على الجهاز.
ذلك أن الصراع الحاصل يحفز الشرطة لمحاصرة العنف واستئصال جذوره، وليس للتساهل معه أو تشجيعه.

لدى ملاحظة رابعة على الفكرة لا أستطيع أن اكتمها، ذلك أن تقصى الحقائق لا يحقق المراد منه بمجرد تشكيل لجنة أو عدة لجان من الخبراء والمختصين،
 لكنه أيضا بحاجة إلى بيئة سياسية ومجتمعية تشجع على ذلك وترحب بالنتائج أيا كانت.

وفى بعض المجتمعات غير الديمقراطية فإن التشكيل ذاته يخضع لتدخلات السلطة وتحيزاتها، بما قد يسحب من رصيد الثقة فى عملية التقصى المنشود.

وإذا توافرت للجان التقصى ضمانات الاستقلال والحرية، فإن مصير تقاريرها يصبح محفوفا بالمخاطر التى يصبح التجاهل حدا أدنى لها.

وذلك ليس استنتاجا ولكنه من دروس خبرتنا فى مصر.
إذ ليس غائبا عن الأذهان مصير محاولتى تقصى حقائق ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ أو مرحلة حكم المجلس العسكرى فى ٢٠١٢.
وقد شكلت لكل منهما لجنة رأسها أحد كبار القضاة، وضمت عددا من المتخصصين والخبراء المستقلين،
 ولكن التقريرين لم يوافقا الهوى السياسى فتم استبعادهما،
 وأعيدت صياغة «حقائق» المرحلتين على نحو جديد وافق الريح السياسية المستجدة، بحيث صار للمرحلتين تاريخان أحدهما أهلى مستقل والثانى حكومى «معدل».

ولم يكن ذلك مسلكا استثنائيا لأن الغموض لايزال يحيط بقائمة طويلة من الأحداث والعمليات الإرهابية التى تلاحقت بعد ذلك. وبقيت حقائقها خاضعة للصياغة الحكومية والأمنية،
وهو ما تعلمنا منه أن لجان تقصى الحقائق لا تستطيع أن تؤدى مهمتها على النحو المرتجى إلا فى ظل مناخ يضمن لها الاستقلال والحرية والنزاهة.

وهى العناصر التى توافرت فى بريطانيا مثلا لإصدار تقرير السير جون شيلكوت ومساعديه الذين تقصوا حقائق ملابسات اشتراك بريطانيا فى غزو العراق.
وهو ما استغرق سبع سنوات وتكلف نحو ١٥ مليون دولار.

لست أدعو إلى استبعاد خيار تقصى حقائق تجاذب النزاعات الطائفية بواسطة لجنة خاصة،
 لكنى أذكر بأن ثمة شروطا لنجاح مهمتها ومن ثم التعويل على صدقية تقريرها.

........................

27 يوليو، 2016

قمع تحت القبة

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 23 شوال 1437 – 28 يوليو 2016
قمع تحت القبة - فهمي هويدي

في مجلس النواب المصري حدثت القصة التالية:
في أثناء جلسة الاثنين ٢٥/٧ عرض على النواب مشروع قانون بزيادة جديدة في المعاشات العسكرية بنسبة ١٠٪ اعتبارا من ١/٧ بحد أدنى ١٢٥ جنيها.

 وأثناء عرض الموضوع طلب النائب محمد السادات الكلمة، وتساءل عن وضع ضابط القوات المسلحة الذي يحصل على معاش
وفي الوقت ذاته يعمل في إدارة شركة أو غيرها من الوظائف العامة.

إلا أن رئيس المجلس قاطعه قائلا: غير مسموح لك الكلام في هذا الأمر.
وعلى أي عضو يتحدث عن القوات المسلحة أن يقف احتراما وإجلالا.
ولا نقبل هذا الكلام في القاعة، التي ينحني أعضاؤها إجلالا واحتراما لها.

وطبقا لما ذكرته صحيفة «الشروق» أمس فإنه ما إن توقف رئيس المجلس الدكتور علي عبدالعال عن الحديث حتى صفق الأعضاء ووقفوا، وكان بينهم اللواء ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع،

حينذاك استكمل الدكتور عبدالعال كلامه قائلا:
 الرسالة وصلت ليس فقط للسيد العضو ولكن للجميع.

والمحكمة الدستورية اعتبرت أن الاحتفاظ بالمعاش حق.
ثم منع رئيس المجلس محاولات السادات الحديث مجددا،
وقال: القاعة ردت عليك، في رسالة لك، ولكل من يرغب في فصل الشعب عن قواته المسلحة.

في الخبر المنشور أنه للمرة الأولى تم التصويت على المشروع وقوفا، بدلا من التصويت الإلكتروني أو التصويت برفع اليد.
وفور انتهاء العملية صفق غالبية الأعضاء للمرة الثانية.

فخاطب اللواء ممدوح شاهين الجلسة قائلا:
ما رأيته في المجلس يعد مظاهرة حب وتقدير لقواتكم المسلحة وأنقل إليكم تحيات القائد العام والقوات المسلحة بالكامل، وما حدث اعتبره موافقة على القانون بنسبة ١٠٠٪.

تعليقا على ما جرى نقلت الجريدة عن النائب محمد الحسيني قوله:
 كلنا جيش، كلنا جيش، نحن جيش «عامل نفسه» شعب.
 إحنا نايمين في البيت والجيش يدافع عنا.
والكلام موجه للطابور الخامس.

كما نقلت عن النائب محمد سلامة الجوهري مقرر موضوع التصويت قوله
 إن فلسفة التعديل استندت إلى توجيهات رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة الهادفة إلى تحسين أحوال أصحاب المعاشات ورفع المعاناة عن فئات الجماهير المختلفة...إلخ.

من ناحية أخرى طالب النائب خالد حماد بتطبيق زيادة مماثلة لصالح الشرطة.
 وقال النائب خالد عبدالعزيز شعبان إنه لا فرق بين أبناء الشعب المصري والقوات المسلحة جزء من الشعب المصري.

لي على هذه اللقطة التي أزعم أنها تاريخية عن ملاحظات هي:

<
أن تساؤل النائب محمد السادات كان استفهاميا وبريئا،
 وما فعله الرجل أنه حاول أن يمارس حقه المشروع في المناقشة أثناء جلسة عرض الموضوع.

<
أن موقف رئيس المجلس كان مدهشا.
 إذ رغم أنه رد عليه بحجة لا تخلو من وجاهة، وهي أن المحكمة الدستورية اعتبرت أن الاحتفاظ بالمعاش حق، إلا أنه قاطع العضو ومنعه من الكلام في الموضوع، واعتبر أن تساؤله يخل باعتبارات الاحترام والإجلال.

<
ليس ذلك فقط وإنما وجه إليه رئيس المجلس اتهاما حين غمز في قناته ضمنا ونسب إليه رغبته في فصل الشعب عن الجيش.
وزايد عليه عضو آخر اعتبر أن تساؤل العضو من حيثيات الالتحاق بالطابور الخامس.
وهو ما اعتبر نوعا من التخويف والإرهاب الفكرى أريد به إسكات العضو وتحذير غيره من توجيه أي استفهام بخصوص الموضوع.

<
مثل هذه التلويحات تبدو مستغربة تحت قبة البرلمان، الذي يفترض أنه يقوم بمهمة الرقابة على السلطة التنفيذية.
وقد توافرت الحصانة للنواب تحت القبة لكي يتاح لهم أن يجهروا في الجلسات بما لا يستطيعوا البوح به خارجها، وأن يفتحوا كل الملفات التي تهم الرأي العام بجرأة وبغير حساسية.

<
أنه لا تعارض بين الاستفهام الذي قدمه العضو وبين الاحترام الواجب للقوات المسلحة، لأنها إحدى مؤسسات الدولة وليس لأنها مؤسسة تعلو فوق مؤسسات الدولة.

 لذلك لا يفهم قول رئيس مجلس النواب للعضو أنه غير مسموح الكلام في الموضوع.
وحين يكون رئيس المجلس أستاذا متخصصا في القانون الدستوري فإن إطلاق هذا الحكم بلا سند أو دليل يسيء إليه كما أنه يسيء إلى المجلس ودوره.

لقد تمنيت أن تتسم المناقشة بالهدوء والموضوعية، وبغير تشكيك أو ترهيب خصوصا من جانب رئيس المجلس، الذي اقنعنا أداؤه منذ توليه المنصب بأنه ذراع للسلطة التنفيذية وليس رقيبا عليها.
وهو ما أقنعني بصحة ما قاله أحد الأعضاء قبل أيام من أن مجلس النواب الحالي لا مثيل له في تاريخ مصر، ولكن بالمعنى السلبي وليس الإيجابي.

إنني أخشى على سمعة القوات المسلحة ممن يتزيدون ويسعون إلى تحويل الاحترام الواجب إلى تقديس لها،
وأذكر بالمقولة التي تقرر أن الشيء إذا زاد على حده فإنه ينقلب إلى ضده.

 وأزعم في هذا الصدد أن القوات المسلحة ليست بحاجة إلى تهليل المصفقين،
وأن جهودها في تأمين الوطن من الداخل يظل وساما على صدرها مرئي للجميع.
وثقتنا كبيرة في أن تحقق الانجاز ذاته حين تنهض بواجبها المرتجى في تأمين الوطن ضد مخططات أعداء الخارج، وعلى رأسهم العدو الاستراتيجي الذي يتربص بنا وهو يتمدد في فلسطين المحتلة.

.........................

26 يوليو، 2016

حضور في زمن الغياب

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 22 شوال 1437 – 27 يوليو 2016
حضور في زمن الغياب - فهمي هويدي

في الأخبار أن القمة العربية التي انعقدت في نواكشوط وصفت بأنها «قمة الأمل»،
وأكدت في بياناتها التمسك بمركزية القضية الفلسطينية في العمل العربي المشترك،
 وهو ذات المعنى الذي ردده الأمين العام للجامعة العربية في خطابه الذي ألقاه أمام وزراء الخارجية قبل القمة.
 إذ قال إن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية للأمة، التي تحتل «أهمية قصوى» على أجندة الحاضر والمستقبل.
كما أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية يظل تهديدا أساسيا للأمن القومي العربي.

لا يستطيع القارئ العربي أن يصدق كلمة واحدة مما سبق،
 فما كان ليس قمة عربية شهدتها العاصمة الموريتانية، وإنما كان مجرد «قعدة» عربية استغرقت ساعات محدودة يوم الاثنين٧/٢٥ (حضرها ٨ رؤساء وأمراء وغاب عنها ١٤حاكما عربيا).

 أما الحديث عن مركزية القضية الفلسطينية فقد صار ادعاء كاذبا في الوقت الحاضر لا دليل عليه.

وحكاية «الأهمية القصوى» التي أشار الأمين العام للجامعة العربية مجرد تعبير بلاغي لا علاقة له بالواقع.

 أما اعتبار الاحتلال الإسرائيلي تهديدا أساسيا للأمن القومي العربي، فهو نكتة من شقين،

 أولهما أن شواهد الحال تدل على أنها لم تعد كذلك،
كما أن بعض الدول صارت تعتبر إسرائيل حليفا أساسيا وليس تهديدا أساسيا.

 الشق الثاني فإن حكاية الأمن القومي العربي لم تعد مأخوذة على محمل الجد من جانب أغلب، وربما أهم الدول العربية.
 إذ ما عاد أحد مشغولا بالأمن القومي، وإنما الكل مشغول فقط بالأمن السياسي المحلى وليس القومي.

بيان مؤتمر نواكشوط حوّل القضية المركزية إلى قضية لغوية، فضلا عن أن القمة كانت بمثابة إجراء روتيني فيه من القيام بواجب الحفاظ على العادة واستمرار التقليد المتبع منذ أكثر من نصف قرن (أول قمة عربية عقدت بالقاهرة عام ١٩٦٤)، حين كان للعرب حضور، ولهم رأس وجسم متماسك، وقبل أن يغيب الرأس وتختفي «البوصلة»، ويتحلل الجسم بصورة تدريجية.

 لذلك أزعم أن «قعدة» نواكشوط كانت أقرب إلى الديوانية التي توافد إليها بعض الحكام العرب من باب المجاملة، في حين رأت الأغلبية أنه حتى المجاملة لم يعد لها لزوم.

لا أظن أن شيئا من ذلك صدمنا أو فاجأنا. فقمة الإسكندرية (عام ١٩٦٤) قررت إنشاء قيادة عسكرية مشتركة مقرها عمان لمواجهة المخططات الإسرائيلية.

وبعد هزيمة ١٩٦٧ عقدت القمة العربية في الخرطوم وأطلقت اللاءات الثلاث الشهيرة (لا تفاوض ولا اعتراف ولا سلام مع إسرائيل).

وقمة عام ١٩٩٢ قررت استخدام القوات العربية لتحرير الكويت.

وقمة بيروت عام ٢٠٠٢ تبنت المبادرة السعودية التي دعت إلى التطبيع مع إسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي العربية.

والقمة الاقتصادية التي عقدت بالكويت عام ٢٠١٠ دعت إلى تحقيق النهوض الاقتصادي والتضامني مع غزة بعد تعرضها للعدوان الإسرائيلي..إلخ.

الخلاصة أن مؤسسة القمة ــ في حدها الأدنى ــ لم تؤخذ بدورها يوما ما على محمل الجد،
 إذ تأسست تعبيرا عن حماس وغيرة في زمن المد القومي (كانت اقتراحا مصريا ردا على قرار إسرائيل تحويل مجرى نهر الأردن)،
 لكنها تحولت بمضي الوقت إلى مكلمة عربية لتسويق الأوهام ومحاولة تعطير الفضاء العربي من خلال مظاهر تقام واجتماعات تعقد وبيانات تصدر، ولا شيء من كل ذلك له علاقة بالفعل العربي
(أستثنى التعاون الأمني بين الأنظمة بطبيعة الحال).

إزاء ذلك فلعلنا نقول إن ما صدر عن قمة نواكشوط هو من جنس ما سبقه، لكنه اختلف عن سوابقه في الدرجة وليس في النوع.

ذلك أنه يعبر عن زمن الغياب الكبير الذي لم يختفِ فيه العالم العربي من خرائط السياسة الدولية فحسب، وإنما أصبحت أقداره تصنعها القوى الكبرى.

 وهذه لم تعد مقصورة على الدول الغربية بعدما انضمت روسيا إلى قائمة صناع مصيره.
ليس ذلك فحسب وإنما أصبح الصراع محليا، سواء داخل بعض الدول العربية ذاتها أو بين الأشقاء العرب والعجم، مقدما على الصراع ضد نفوذ الدول الكبرى أو ضد العدو الصهيوني.

ناهيك عن أن بعض القادة العرب أصبحوا يستقوون بالدول الغربية وإسرائيل للتغلب على أشقائهم الذين يختلفون معهم في المنطقة.

لا أعرف في التاريخ العربي المعاصر مرحلة شهدت مثل ذلك التشرذم والوهن الذي تعيشه الأمة في الوقت الراهن.
 فبعضه يذكرنا بنموذج ملوك الطوائف في إسبانيا (القرن الميلادي الحادي عشر) حين سقطت الدولة الأموية في الأندلس، وتحولت إلى أشلاء ضمت ٢٢ إمارة متحاربة فيما بينها.
وكان بعض الأمراء المسلمين يستقوون بالصليبيين المتربصين بالجميع، للتغلب على أشقائهم المنافسين.

يذكرنا المشهد أيضا بمصطلح «عهد السقوط» الذي استخدمه في مذكراته عالم الاجتماع العراقي الشهير الدكتور على الوردي، حين تحدث في مذكراته عن مرحلة ما بعد الاحتلال البريطاني للعراق (عام ١٩١٧).
 وذكر أن الناس دأبوا على وصف الذين ولدوا في تلك المرحلة بأنهم «أولاد السقوط».

إلا أنني حين قرأت بيان القمة ووقعت على خطبة الأمين العام للجامعة، ووجدت أن الواقع يناقض أهم ما جاء في هذا وذاك،

 استعدت على الفور رواية «١٩٤٨» للكاتب الأيرلندي جورج أورويل.
ذلك أنه تحدث عن مملكة وهمية يدار كل شيء فيها بالغش والتدليس.
فوزارة الحقيقة تتفنن في الكذب، ووزارة الوفرة تزيف الندرة، ووزارة السلام تقود الحرب، ووزارة الحب تشيع الكراهية وتبرر القمع...إلخ.

 وهو ما ينطبق على «القعدة» التي وصفت بأنها قمة الأمل.
كما ينطبق على مختلف الإشارات التي وردت في خطاب المؤتمر وأدبياته، التي جاءت على النقيض تماما مما نلمسه على أرض الواقع.
................


Delete this element to display blogger navbar