Subscribe:

Ads 468x60px

30 مايو، 2016

ذكر ما جرى فى تونس – المقال الاسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 24 شعبان 1437 – 31 مايو 2016
ذكر ما جرى فى تونس – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي

لا يكف الحدث التونسى عن إدهاشنا،
 الأمر الذى تجلى أخيرا فى قرار إعلان حركة النهضة الانتقال من الإسلام السياسى والتفرغ للإسلام الديمقراطى.

(1)

الإعلان جاء مدويا، ولاتزال أصداؤه تتردد فى داخل تونس وخارجها، رغم أنه تم منذ نحو عشرة أيام (يوم الجمعة ٢٠ مايو الحالى).

حين وقف رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشى فى افتتاح مؤتمرها العاشر فى قاعة «رادس» الأوليمبية بالعاصمة وأعلن النبأ أمام حشد غفير من التونسيين تجاوز عددهم ١٢ ألف شخص.

الذين حضروا لم يكونوا أنصار النهضة وأعضاء مؤتمرها العام وحدهم،
ولكن الأهم من ذلك أن فعاليات المجتمع التونسى كلها كانت حاضرة.

 ولم يكن هؤلاء يمثلون مختلف الاتجاهات السياسية فحسب، وإنما لوحظ أيضا أن مقاعد الصف الأول جلس عليها بعض قيادات الحزب الدستورى ووزراء فترتى حكم الرئيسين بورقيبة وبن على بمن فيهم «الصقور» الذين قادوا الصراع بين التيارين الدستورى والإسلامى حينا من الدهر.

وهو ما أدهش الجميع حتى قال أحدهم إن الصورة كان ينقصها بن على لتكتمل ولو أن وزراءه قاموا بالواجب.
 وذهب آخرون إلى أن ذلك التقارب بين الدساترة والإسلاميين يمثل فصلا آخر فى مسيرة التصالح التى حدثت فى باريس بين الباجى قائد السبسى زعيم حزب النداء (قبل انتخابه رئيس للبلاد) وبين «الشيخ» راشد الغنوشى.

وجاء المشهد دالا على حرص قيادة النهضة على إجراء التصالح والتوافق ليس فقط مع الاتجاه العلمانى ومختلف القوى السياسية فى المجتمع التونسى، وإنما أيضا على تحقيق ذلك التصالح بين الماضى والحاضر.

فى خطابه أعلن الغنوشى أن حركته قررت الفصل بين الدعوى والسياسى.
واختارت الالتزام بالتخصص والتفرغ لممارسة النشاط السياسى والانتقال من الأيديولوجية إلى الدولة، تاركة المجال الدعوى لمنظمات المجتمع المدنى.

ومن ثم فإن الشاغل الأساسى للحزب فى المرحلة المقبلة سيظل مقصورا على السعى من خلال التوافق لتحقيق التنمية والنهضة وبناء الدولة الحديثة.

 نائبه الشيخ عبدالفتاح مورو لخص تلك الرؤية حين ردد شعار «الوطن قبل الحركة».

وحين تحدث الرئيس التونسى الباجى السبسى فإنه أشار إلى أنه تردد فى الحضور حتى يحتفظ بمسافة واحدة أمام الأحزاب التونسية (٢٠٤ أحزاب) لكنه قرر المشاركة فى الافتتاح، تقديرا للدور الهام الذى قامت به «النهضة» فى تحقيق التوافق والحفاظ على الاستقرار فى مرحلة الانتقال التى أعقبت سقوط النظام السابق،
ودعا السبسى أبناء النهضة إلى التأكيد على أن حركتهم أصبحت حزبا مدنيا تونسيا ولاؤه لتونس وحدها مضيفا أنه دأب على التصريح فى المحافل الدولية بأن التيار الإسلامى فى تونس لا يمثل خطرا على الديمقراطية.

(2)

ما إن أطلق الغنوشى المفاجأة حتى فرض الخبر نفسه على مقدمة نشرات الأخبار فى مختلف العواصم الغربية فضلا عن العربية، فاعتبره البعض انقلابا وزلزالا سياسيا.
وقال آخرون إن الشيخ راشد انضم إلى نادى العلمانيين.
 ورحب فريق ثالث بالإعلان بحسبانه تسليما بمبدأ الفصل بين الدين والسياسة،
 وذكرت بعض التحليلات أنه مجرد توزيع أدوار وأن القرار تعبير عن فشل الإسلام السياسى.
وقرأ بعض الكتاب الخبر مستخدمين نظارة السلطة المصرية فى تعاملها مع الإخوان واعتبارها حالة ميئوسا منها ومشكوكا فيها.

فى اليوم التالى للافتتاح بدأت أعمال مؤتمر النهضة فى منتجع الحمامات الذى يبعد مسافة أكثر من ١٠٠ كم عن العاصمة.
وحضر المؤتمر ١٢٠٠ عضو من الرجال والنساء يمثلون قواعد الحركة فى داخل تونس وخارجها.
ووزع على الجميع تقرير فى ١٥٦ صفحة، تضمن تقييم تجربة المراحل التى مرت بها الحركة، مستعرضا العثرات التى تعرضت لها والأخطاء التى وقعت فيها.

 كما تضمن عناصر رؤية المستقبل فى ظل الانحياز للتخصص الوظيفى واختيار التحول إلى حزب سياسى مع التخلى عن الأنشطة الدعوية والمجتمعية والثقافية الأخرى، لكى تنهض بها منظمات المجتمع المدنى.

فى هذا الصدد ذكر التقرير أن مشروع حزب حركة النهضة خطوة على صعيد التطور الفكرى والاجتماعى السياسى.
 وهو «مشروع إصلاحى حضارى يستند إلى المرجعية الإسلامية ويحتكم للدستور التونسى وسائر القوانين المرعية المنبثقة عنه».

حين سألت الشيخ راشد عن رأيه فى الأصداء التى أحدثها إعلانه ذكر فى ذلك ما يلى:

<
أنه لم يتحدث عن فصل الدين عن السياسة، لكن استراتيجية الحزب تنطلق من التمييز بينهما. لأن شمولية الإسلام لا تعنى شمولية الأنظمة العاملة له.
 ولأن مجالات تلك الأنظمة متعددة، فإن التخصص أصبح يفرض نفسه فى الوقت الراهن.

بوجه أخص فإن فصل السياسى عن الدعوى يسمح للدعوة بأن تستمر دون أن تتأثر جهود القائمين عليها بتقلبات عوامل المد والجزر التى يتعرض لها الحزب أثناء التدافع السياسى.

<
إن حركة النهضة ظلت تطور أفكارها طول الوقت كما طورت عنوانها، فقد بدأت باسم الجماعة الإسلامية ثم حملت اسم حركة الاتجاه الإسلامى، وبعد ذلك اختارت «النهضة» عنوانا لها،

وفى مرحلة بورقيبة التى هبت فيها رياح التغريب قوية على تونس، كانت الحركة عقائدية تخوض معركتها من أجل الهوية،
وفى مرحلة بن على ونظامه الشمولى والاستبدادى تحولت الحركة إلى احتجاجية تقاوم ظلمه وترفضه.

وبعد إطاحة النظام السابق وحسم مسألة الهوية بالنص فى الدستور على أن دين الدولة هو الإسلام فإن الحركة ارتأت أن تتحول إلى حزب ديمقراطى وطنى له مرجعيته الإسلامية والتزامه بمقتضيات الدستور وروح العصر،

 بالتالى فالتطور الأخير لم يكن نتيجة لإكراهات الواقع، وإنما هو تتويج لمسار تاريخى طورت فيه موقفها تبعا لمقتضيات التفاعل مع الواقع ومواجهة تحدياته.

<
إن تونس تعانى من التطرف على الصعيدين الإسلامى والعلمانى،
ومن أسباب التطرف الإسلامى أن الدولة فى العهدين السابقين، وخلال ٢٢ سنة، فرضت حالة من التجريف الدينى فى تونس، وهى التى أطلقت الدعوة إلى «التحريض الدينى»،

وحين ركزت على مواجهة حركة النهضة، فإن ذلك فتح الأبواب واسعة لانتشار السلفية بمختلف أشكالها،
وحين قامت الثورة أطلق سراح نحو ٣٠٠٠ سلفى، وهؤلاء استولوا على المساجد خلال السنوات الثلاث الأولى للثورة التى شغلت خلالها السلطة بترتيب البيت التونسى،

 وإلى جانب هؤلاء نمت حركة التطرف العلمانى الذى كان تأثره قويا بالعلمانية الفرنسية المخاصمة للدين والمعاندة له.

 ومن تجربة حركة النهضة التى تداخل فيها الدعوى مع السياسى، أدركنا أن السياسة أضرت كثيرا بالدعوة التى ظلت ضحية الصراع ضد النظامين السابقين.

(3)

فكرة التمييز بين السياسى والدعوى ليست جديدة فى الساحة الإسلامية، ولكنها أحدثت رنينها القوى لأن إطلاقها فى تونس تم فى أجواء عربية ودولية غير مواتية.

 ذلك أن نموذج «داعش» ومن قبله «القاعدة» صار مهيمنا على الفضاء العام، إضافة إلى أن صراع النظام المصرى مع حركة الإخوان فوت فرصة إخضاع تجربتهم للنقد واكتفى بتصنيفهم ضمن «أهل الشر».

وأسهمت ظروف أخرى متعلقة بالصراعات الفكرية وبالعوامل الإقليمية فى تعميم الاتهام على جميع تجليات الظاهرة الإسلامية، فاختلط العاطل بالباطل، بحيث علت أصوات رفضت التمييز بين المعتدلين والمتشددين. وآثرت وصف الجميع باعتبارهم متطرفين وإرهابيين.

 لذلك اعتبر الحدث التونسى تطورا استثنائيا وصفه البعض بأنه هزيمة للإسلام السياسى وانتصار للعلمانية.

ذكرنا الدكتور محمد عمارة فى مؤلفه «إسلامية الدولة والمدنية والقانون» بأن الدكتور عبدالرزاق السنهورى أبو القانون الدستورى فى مصر نشر دراسة فى عام ١٩٢٩ بمجلة «المحاماة» تحدث فيها عن التمييز بين الدين والدولة فى الفكر الإسلامى وعارض فكرة الفصل بينهما.

 وقد انحاز الدكتور عمارة إلى فكرة التمييز التى تبناها آخرون فى مصر ودعوا إليها، فى المقدمة منهم المستشار طارق البشرى.

ومن الكتابات المهمة التى عمدت إلى تأصيل الفكرة مؤلف الدكتور سعد الدين العثمانى الذى صدر فى عام ٢٠٠٩ بالدار البيضاء تحت عنوان «الدين والسياسة تمييز لا فصل».
 والدكتور العثمانى من أبرز قيادات حزب العدالة والتنمية فى المغرب. وكان أمينا عاما للحزب حتى عام ٢٠٠٨ وعين وزيرا لخارجية المملكة فى عام ٢٠١٢.

على الصعيد العملى فإن الحركة الإسلامية العربية عرفت الفصل بين السياسى والدعوى فى ثلاثة أقطار عربية هى الأردن والمغرب ومصر.
 كانت حركة الإخوان قد تشكلت فى الأردن عام ١٩٤٦، لكنها أسست عام ١٩٩٢ حزبا تخوض به الانتخابات باسم «جبهة العمل الإسلامى».

 أما المملكة المغربية فإن الحركة الإسلامية التى تشكلت فى عام ١٩٩٦ حملت اسم «حركة التوحيد والإصلاح»، اختارت أن تؤسس حزبا فى عام ١٩٩٧ باسم حزب «العدالة والتنمية».

ورغم التشابه فى الشكل فإن التجربتين اختلفتا بصورة نسبية.
 ففى الأردن تداخلت الحركة مع الحزب حتى بدا كأنهما يخضعان لقيادة واحدة، ورغم مشاركة الحزب فى الانتخابات إلا أنه لم يستطع لأسباب عدة أن يحقق الأغلبية التى تمكنه من تشكيل الحكومة.
 ولذلك ظل تمثيله مقصورا على المشاركة فى البرلمان أو الحكومة.

فى المغرب اختلف الموقف إلى حد كبير.
فاستقلال حزب العدالة والتنمية عن حركة التوحيد والإصلاح ظل محسوما.
وحقق الحزب نجاحات متزايدة فى الانتخابات التشريعية إلى أن احتل المرتبة الأولى فى انتخابات عام ٢٠١١.
 فتولى أمينه العام عبدالإله بنكيران رئاسة الحكومة فى عام ٢٠١٢ بالتحالف مع ثلاثة أحزاب أخرى. ولاتزال الحكومة مستمرة إلى الآن.

التجربة فى مصر كانت محدودة ومتواضعة.
ذلك أن جماعة الإخوان التى تأسست فى عام ١٩٢٨، شكلت حزب الحرية والعدالة فى عام ٢٠١١، بعد ثورة ٢٥ يناير، لكن الحزب ظل متداخلا مع الحركة، إلى أن انهار مع انهيار الجماعة وحظرها فى عام ٢٠١٣.

 إلا أن مصر عرفت حزبين سياسيين التزما بالمرجعية الإسلامية خارج الجماعة، هما حزبا «الوسط» و«مصر القوية»،
وإلى جوارهما شكل السلفيون حزب «النور». وهى أحزاب لم تثبت حضورها فى الفضاء المصرى بعد، رغم أن حزب النور حقق تقدما ملحوظا عند الانتخابات التى تمت تحت حكم الإخوان.

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن الخطوة التى أقدمت عليها حركة النهضة أقرب إلى التجربة المغربية فى الفصل بين الدعوى والسياسى.
 إلا أنها تقدمت عليها فى الخروج من فضاء الدعوة.
وهى أقرب إلى النموذج التركى فى الاكتفاء بالنشاط السياسى وان اختلفت عنها فى المرجعية، لأن حزب العدالة والتنمية التركى (المقتبس من التجربة المغربية) مرجعيته علمانية وليست إسلامية.

(4)

سئلت فى تونس عن رأيى فى التحول الذى أقدمت عليه حركة النهضة، فقلت إنه يمثل خطوة جريئة عبرت عن طموح قيادات النهضة وعلى رأسها الشيخ راشد الغنوشى،
 وهو من تبنى منذ أمد بعيد موقف الدفاع عن الديمقراطية.
وسجل ذلك فى كتابات عدة، كان أحدثها مؤلفه «الديمقراطية وحقوق الإنسان فى الإسلام» الصادر عام ٢٠١٢.

قلت أيضا إننا ينبغى أن نتريث لكى نرى مدى تأثير هذه الخطوة على تماسك الحركة وموقف تيار الصقور منها، ورغم تأييدى لها فإننى أخشى أن تترك ساحة الدعوة للسلفيين ومن لف لفَّهم. فيكون الضرر فيها أكثر من النفع.
كما أننى أخشى على مشروع ورسالة النهضة من الغوايات والفتن الكامنة فى ثنايا الحزب وتطلعه المشروع إلى السلطة.
وإذا تم تجاوز هذين الاعتبارين بنجاح فإننا سنكون بصدد تجربة تاريخية فريدة فى نوعها.

..........................

مؤامرة في الطريق

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 23 مايو 1437 30 مايو 2016
مؤامرة في الطريق - فهمي هويدي

أسخف وأوقح ما قرأت في الأسبوع الماضي كان تصريحات نشرتها صحيفة «هاآرتس» يوم ٢٥/٥ لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير قال فيها:
 إذا وافقت حكومة نتنياهو على التفاوض مع الفلسطينيين على أساس مبادرة السلام العربية.
فستكون الدول العربية مستعدة للقيام بخطوات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

 أشارت الصحيفة العبرية إلى أن بلير أثار الموضوع في مؤتمر عقد بلندن ذكر فيه أنه في ظل الواقع الحالي بالشرق الأوسط هناك فرصة لأن توافق الدول العربية علي تخفيف خطوط مبادرة السلام العربية، بحيث يتم تطبيع العلاقات مع إسرائيل خلال المفاوضات، وليس بعد تحقيق الاتفاق الدائم بين إسرائيل والفلسطينيين.

أضاف بلير قوله «إذا وافقت إسرائيل على الالتزام بالتحدث حول مبادرة السلام العربية كسياق تجري في إطاره المفاوضات، ستتمكن الدول العربية من القيام بخطوات لتطبيع العلاقات أثناء المضي على ذلك الطريق لزيادة الثقة في عملية السلام.

من حيث المبدأ فإنه حين يكون المتحدث هو توني بلير خصم العرب التقليدي الذي يقوم بدور مشبوه لحساب أطراف ليست فوق الشبهة، فلا ينبغي أن ننتظر منه خيرا.

وإذا صحت التصريحات التي نقلتها هاآرتس على لسانه، فذلك يعني أنه أسفر عن وجهه بجرأة خانه فيها ذكاؤه، لأنه استخدم المبادرة التي تبنتها القمة العربية في عام ٢٠٠٢ وتعامل معها باعتبارها غطاء لخطته الساذجة لتمكين إسرائيل والتطبيع العربي.

ذلك أنه لم يتحدث عن موافقة إسرائيل على المبادرة التي دفنت وشبعت موتا، وإنما أشار إلى مجرد استعدادها للكلام في الموضوع والتفاوض حول المبادرة «بعد تخفيف لشروطها» من الجانب العربي بطبيعة الحال.

وأثناء الحكي الذي نعرف مقدما أنه يمكن أن يستمر حتي تقوم الساعة، فإن الدول العربية ستتطوع بالتطبيع بغير مقابل، وقبل أن تظهر أية نتائج للمفاوضات المفترضة.

بكلام آخر، فإن العرب سيتنازلون عن شروط المبادرة بدعوى «تخفيفها»، وسيبادرون إلى الانبطاح أمام إسرائيل والتطبيع المجاني معها.

 بالتالي فإن التنازلات ستظل من جانب العرب ومقصورة عليهم. أما المكاسب والمغانم فستكون من حظ الإسرائيليين وحدهم.

إذا أردت أن تعرف لماذا اعتبرت أفكار توني بلير سخيفة ووقحة فأعد قراءة نصوص المبادرة كما أقرتها القمة العربية قبل ١٤ عاما.
ذلك أنها اشترطت ثلاثة شروط لاعتبار الصراع منتهيا والدخول في اتفاقية سلام مع إسرائيل تؤدي إلي تطبيع العلاقات معها هذه الشروط هي:

١ــ الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري، وحتى خط الرابع من يونيو عام ١٩٦٧، والأراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان.
٢ــ التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٩٤.
٣ــ قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو عام ١٩٦٧ في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكون عاصمتها القدس الشرقية.

حين يقول السيد بلير إن العرب «سيخففون» من هذه الشروط أولا، فهو يشير بصيغة ضمنية إلى إلغائها، وتغطية الإلغاء بعبارات يتم فيها التلاعب باللغة.

وذلك يضعنا أمام أحد احتمالين،
فإما أن يكون ذلك مجرد اقتراح من جانبه، وتلك هي الوقاحة بعينها،
وإما أن يكون الرجل قد نسق المسألة مع الأطراف المشبوهة التي يتعامل معها، وتلك جريمة تاريخية لا تغتفر.

وفي الحالتين فإننا نصبح إزاء مؤامرة مدبرة لحساب إسرائيل، تمكنها من اصطياد عصفورين بحجر واحد.
 أحدهما دفن القضية الفلسطينية والقفز من فوقها.
والثاني تطبيع العلاقات مع العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه.
وفي هذه الحالة الأخيرة فمن حقنا أن نعرف هوية الأطراف العربية التي تواطأت معه فيما ذهب إليه.

من المصادفات ذات الدلالة أن نشر هذا الكلام تم متزامنا مع تشكيل حكومة فاشية وإرهابية إسرائيلية قوامها تحالف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع وزير الجيش الجديد افيجدور ليبرمان. صاحب الدعوة إلى هدم السد العالي ومحو قطاع غزة وتحويله إلى ملعب لكرة القدم.

وهي الحكومة التي وصفت بأنها الأكثر تطرفا في تاريخ الدولة العبرية، حيث لم يختلف أحد على أن الدم الفلسطيني سيصبح الوقود اللازم لاستمرارها.

وكتب أوري افنيري في هاآرتس (عدد ٢٥/٥) واصفا تلك الخطوة بأنها جنونية ومعتبرا ضم ليبرمان للحكومة بحسبانه عملا انتحاريا، وخلص من ذلك إلى أن نتنياهو الذي لا عهد له، فقد توازنه وصلته بالواقع.

لقد راهنا في وقت سابق على الدور العربي في تحرير فلسطين، لكننا صرنا نتمنى الآن أن يكف الجميع عن العبث بالقضية والمتاجرة بها، بحيث يرفعون أيديهم عنها، ليتولى الفلسطينيون تدبير أمرهم بأنفسهم.

وقد أثبتت أجيالهم الرائعة أنهم قادرون على ذلك. حيث لا مفر من الاعتراف بأن القضية التي كانت هما عربيا حينا من الدهر، انقلبت موازينها بحيث أصبح الدور العربي هما فلسطينيا مؤرقا.

....................

28 مايو، 2016

سلام مع الفاتيكان؟

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 22 شعبان 1437 29 مايو 2016
سلام مع الفاتيكان؟ - فهمي هويدي

حين نقرأ أن «لقاء سلام» عقد بين بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر فإن ذلك يريحنا لأول وهلة.

 إلا أنه لا يمنعنا من التساؤل عن ماهية العراك أو الخلاف الذي كان بين الرجلين واستدعى عقد اللقاء لطي صفحته.

وحين نكتشف أن ذلك العراك أو الخلاف لم يكن قائما، فإن ذلك يحثنا على تحري الأسباب التي دفعت الإمام الأكبر للقيام بالزيارة التي وصفت بأنها تاريخية.

 في هذا الصدد وجدت أن الفاتيكان أصدر بيانا عن اللقاء ذكر أنه تم في إطار الحوار بين الكنيسة الكاثوليكية والإسلام.

 وأشار إلى أن الطرفين بحثا بشكل خاص السلام في العالم ونبذ الإرهاب ووضع المسيحيين في إطار النزاعات والتوتر في الشرق الأوسط.

 أضافت وكالة الأنباء الإيطالية قولها أن الزيارة خطوة مهمة للعمل معا من أجل تحقيق السلام في العالم (الوكالات الأخرى ذكرت أنهما اتفقا على عقد مؤتمر عالمي للسلام).

وما استوقفني في أصداء الزيارة أن مجلة «ريفستا أفريكا» ذكرت أن زيارة شيخ الأزهر للفاتيكان لا تنطوي على دوافع سياسية،
وقد استوقفتني العبارة الأخيرة لأنني سبق أن قرأتها نصا في أصداء زيارة البطريرك تواضروس الثاني لإثيوبيا في شهر أكتوبر من العام الماضي (٢٠١٥)
وأثير آنذاك السؤال عما إذا كانت الزيارة رعوية أم سياسية،
وسألت إحدى الصحف عما إذا كانت من أجل المياه أم الصليب.

ذكرت التعليقات أنها استهدفت استثمار العلاقات التاريخية بين الكنيسة المصرية والإثيوبية، لمحاولة التأثير على موقف حكومة أديس أبابا المتعنت في ملف سد النهضة.

ونقلت صحيفة «أخبار اليوم» في عدد ٢٦ سبتمبر ٢٠١٥ عن بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية قوله في أديس أبابا أن مياه النيل عطية من الله ولا يجوز أن تصبح موضع خلاف على الإطلاق.

 مضيفا أنه لا توجد تكليفات محددة من القيادة السياسية في مصر بخصوص ملف مياه النيل، «ولكن الإحساس الوطني وعلاقة الكنيستين يدفعانه لإيجاد حالة من التوافق بين البلدين بخصوص سد النهضة».

بعد عودته ذكر البابا تواضروس في مداخلة هاتفية مع برنامج «هنا العاصمة» التليفزيوني أن زيارته لإثيوبيا كانت روحية بالدرجة الأولى،
 مضيفا أنه عقد عدة لقاءات هناك مع رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ووزير الدولة للشئون الخارجية.
وحين أثير موضوع سد النهضة خلالها، فإنه طلب منهم الاستعانة بخبراء للتأكد من عدم تأثير السد على مصر.

هذه الخلفية تدعونا إلى التساؤل عما إذا كانت لزيارة شيخ الأزهر للفاتيكان علاقة بمحاولة ترطيب الأجواء بين إيطاليا ومصر، بعد التوتر الذي شابها بسبب أزمة الباحث الإيطالي جوليو ريجينى؟

ــ ليست لدى إجابة عن السؤال، لكنني أعلم أن السياق يستدعيه خصوصا أن السعي المفترض له ما يبرره كما أن له مشروعيته.

 يشجعنا على طرح السؤال أن حكاية العمل من أجل السلام وعقد مؤتمر عالمي لتحقيقه ليس فيها جديد.
كما أن نبذ العنف والإرهاب لا يتطلب ترتيب لقاء بين رئيس الكنيسة الكاثوليكية وشيخ الأزهر،
علما بأن الفاتيكان له دوره التاريخي في رعاية الإرهاب الذي مارسته محاكم التفتيش البابوية التي تأسست في القرون الوسطى وكان المسلمون الإسبان من ضحاياها في القرن السادس عشر. وتلك صفحة طويت ونسيت.

في هذا الصدد فإنني لست واثقا من أن العنف والإرهاب الذي تحدث عنه البيان يشمل ما يتعرض له الفلسطينيون في الأراضي المحتلة، المسلمون منهم والمسيحيون.
ومعاناة الأولين معروفة. أما ما يلقاه المسيحيون منهم فهو مسكوت عليه.

 وهو أظهر ما يكون في موقف حركة «لهباه» المتطرفة التي يقودها ينتسى غوفشتاين، وله مقال مشهور عنوانه:
 لنجتث مصاصي الدماء، دعا فيه إلى منع الاحتفال بأعياد الميلاد وطرد المسيحيين من الأراضي المقدسة. وأنصاره يعتبرون كل المسيحيين لا ساميين طالما شاركوا في ذبح اليهود.
واعتداءاتهم شبه يومية على الرهبان المسيحيين وعلى كنائسهم ومقابرهم.
 وهم دائمو الحديث عن أن وجودهم يدنس القدس ويتعين إخراجهم.

ليس لدى أي تحفظ على أن يقوم شيخ الأزهر بدور في الساحة الوطنية كما أن لقاءه مع البابا مرحب به لا ريب.
لكنني أضيف أن رمزية الأزهر تتجاوز الحدود المصرية ولها أصداؤها في أنحاء العالم الإسلامي.

لذلك تمنيت أن ينال ذلك العالم بعض اهتمامه، في هذا الصدد يثير انتباهنا أنه ذهب لعقد اتفاق سلام مع رئيس الكنيسة الكاثوليكية، في حين نجده يقف متفرجا إزاء تأجيج العلاقات وتعميقها بين الشيعة والسنة، حتى أصبح الصراع المتفاقم بين الطرفين المسلمين مرشحا لكي يصبح عنوانا رئيسيا للمرحلة المقبلة.
وهو ما وضعنا إزاء مفارقة محيرة، في ظلها نجد الإمام الأكبر ساعيا للتفاهم مع الكاثوليك. معرضا عن التفاهم مع المسلمين الشيعة.

تزاحمت لدى عناوين أحزان المسلمين التي تمنيت على شيخ الأزهر أن يدرجها ضمن اهتماماته،
وفى المقدمة منها معاناتهم في ميانمار وبنجلاديش وأفريقيا الوسطى والصين.

إلا أنني تريثت في تناول تلك العناوين حينما أدركت بأن رحلة الإمام الأكبر إلى الفاتيكان وفرنسا لم تتم بترتيب من الدولة المصرية ولكن قام بها اتحاد حكماء المسلمين الذي يرأسه، وهو ما نبهني إلى أن ثمة حدودا أخرى لأجندة الزيارة وأهدافها.

................

صورة طبق الأصل

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 21 شعبان 1437 28 مايو 2016
صورة طبق الأصل – فهمي هويدي

غضب المصريين لما جرى فى محافظة المنيا فرض عين يأثم كل من قصر فى التعبير عنه.
إذ ليس معقولا ولا مقبولا أن تتسبب شائعة عن علاقة عاطفية بين قبطى ومسلمة متزوجة فى هتك عرض أم الأول وإحراق ٧ منازل لمواطنين من الأقباط.

 أتحدث عن الفتنة التى أطلت برأسها فى قرية الكرم التابعة لمحافظة المنيا، وهزت وقائعها ضمائر المصريين،
خصوصا ما تعلق منها بما أصاب الأم المسنة التى جردت من ثيابها وفضحت أمام الملأ جراء ما نسب لابنها.

وهى الجريمة التى تعددت أصداؤها المستحقة والمشروعة.
إلا أننا ينبغى ألا نكتفى بتسجيل الغضب أو إشهاره بأعلى صوت، لأن الخلفيات والدلالات فيما جرى تستحق رصدا وانتباها.

صحيح أن ضبط النفس مطلوب كما ذكر الأنبا تواضروس بطريرك الكنيسة الأرثوذوكسية،
إلا أن تلك الرسالة موجهة إلى الأطراف المباشرين، فى حين أن الباحثين وأهل النظر لهم دورهم فى تعميق النظر وترشيد الغضب،

 فى الوقت ذاته فإننى لا أوافق محافظ المنيا الذى هون من الأمر واعتبره أزمة عارضة، سيرا على نهج وزارة الداخلية التى دأبت على وصف انتهاكات المنتسبين إليها باعتبارها حالات فردية.

لقد استبق المدونون الجميع، وملأوا مواقع التواصل الاجتماعى بالتعليقات الذكية والغاضبة،
 فمن قائل إن ضبط النفس لا يكفى لأن ضبط الجناة مطلوب أيضا،
 وقائل إن الشرطة تقاعست عن إطفاء نار الفتنة،
 ولو كان الغاضبون قد هتفوا ضد الرئيس السيسى لسارعت إلى قمعهم وردعهم.

كما تعددت كتابات «المغردين» الذين ذكروا أن هتك عرض الأم المسنة ليس مفاجئا ولا مستغربا، لأن الشرطة وجناح البلطجية التابع لها اعطوا المجتمع دروسا عديدة فى التحرش وهتك أعراض النساء، سواء ممن اشتركن فى المظاهرات أو كن من زوجات المتهمين فى بعض القضايا السياسية.

وذكرنا آخر بالمقولة التى انتقدت المبالغة فى الغيرة على عرض المرأة فى مجتمعاتنا العربية مع السكوت وعدم الاكتراث بما يصيب عرض الأوطان من انتهاكات.. إلخ.

لا تخلو تعليقات المغردين من وجاهة وصواب، وهو ما يشجعنى على إضافة بعض الملاحظات

أولها أن ما جرى ينبغى أن يكون شأن الدولة وليس شأن الكنيسة،
 أعنى أن للكنيسة أن تتضامن مع رعاياها، لكن السلطة هى التى ينبغى أن تدافع عن مواطنيها بقوة القانون وحزمه،

 ثانية الملاحظات أننا يجب ألا ندفن رءوسنا فى الرمال، وندعى تارة بأن ما جرى جزء من المؤامرة الكونية ضدنا، أو أن الإخوان هم الذين اشعلوا نار الفتنة،
 لأن ثمة مشكلة مجتمعية يتعين الاعتراف بها والتعامل معها،
فنحن الجناة ونحن المجنى عليهم،

 وذلك يقودنا إلى الملاحظة الثالثة والأهم التى خلاصتها أن قيام مجموعة من الناس بتوقيع العقاب على آخرين تأديبا لهم أو انتقاما منهم يكشف عن ظاهرة مؤرقة تحتاج إلى دراسة وعلاج

ولأنها تكررت سواء بالنسبة للأقباط أو رموز الشيعة المصريين، كما أنها تمثلت فى حالات قيام الأهالى بقتل أو صلب بعض اللصوص فأزعم بأنه لا تفسير لها سوى أنها تعكس تراجعا ملحوظا فى احترام القانون والثقة فى جدواه،

 وهذه الظاهرة من الخطورة بمكان لأنها تنذر بإشاعة الفوضى وتتنبأ بانحسار دور السلطة،
 إذ حين يتصور البعض بأن بوسعهم أن يحصلوا على حقوقهم بأيديهم فإن ذلك يلغى دور القانون والسلطة بصورة تدريجية، وإهدار قيمة القانون لا ينال من هيبة الدولة فحسب،
 وإنما هو خطوة باتجاه تفكيكها.

ومن المفارقات أننا نكثر من توجيه تهمة إهانة المؤسسات والرموز والعمل على إسقاط الدولة للناقدين والمعارضين، دون أن تنتبه إلى أن إهانة الإنسان والعبث بالقانون هو ما ينال من هيبة الدولة ويهدد بإسقاطها، معنويا وأخلاقيا على الأقل،

 وحين قال بعض المغردين إن التحرش بالنساء وهتك أعراضهن من بين الانتهاكات التى سمحت بها الشرطة ومارستها،
 وكان ذلك من الدروس التى تلقاها المجتمع خلال السنوات الأخيرة، فإنهم وضعوا أيديهم على بعض جذور الأزمة التى نواجهها،

ذلك أن من يتابع تقارير المنظمات الحقوقية المستقلة يدرك أن ما حدث فى المنيا للمرأة المسكينة وجيرانها هو صورة طبق الأصل لممارسات بعض رجال الشرطة مع الأهالى.

كنت قد تطرقت إلى هذه المسألة فى كتاب لى صدر قبل نحو ثلاثة عقود عن «التدين المنقوص».

أفردت فيه فصلا كان عنوانه «الحكومة وأخلاق الناس» خلصت فيه إلى أنك «إن وجدت بين الناس فضائل شاعت، أو رذائل ومعايب تفشت وذاعت، ففتش عن الحكومة ودقق فيما تقول وتفعل، حتما ستجد ذلك الحبل السرى الذى يربط فيما بين الاثنين، حتى يتخيل إليك أنك بإزاء نهر واحد.
 السلطة منبعه والناس مصبه،
 وقد تقول مع من قال بأن المحكومين مرآة الحاكمين، وأن الناس بأمرائهم اشبه منهم بآبائهم.

أرجو ألا أكون بحاجة للتنبيه إلى أننى لست بصدد تبرير ما جرى فى المنيا، لكننى فقط أحاول تفسيره، إلى جانب التسليم بضرورة محاسبة الفاعلين وردعهم،

ولا أعرف كيف نسترضى الأم التى تعرضت لما تعرضت له، حيث لا يكفى أن نقدم لها اعتذارا، وأن يتناوب تقبيل رأسها التسعين مليون مصرى، وذلك بعض حقها علينا ونحن ندعو الله ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

........................

25 مايو، 2016

رسالة الصورة

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 19 شعبان 1437 26 مايو 2016
رسالة الصورة – فهمي هويدي

صورة المستشار هشام جنينة وهو يجر حقيبة ملابسه، أثناء توجهه إلى مقر نيابة أمن الدولة بأطراف القاهرة محملة بمعان كثيرة ينبغى أن نقرأها جيدا،

 ذلك أنها المرة الأولى فى التاريخ المصرى المعاصر التى يحال فيها رئيس جهاز المحاسبات إلى نيابة أمن الدولة.

 إذ منذ تأسيس الجهاز فى عام ١٩٤٢، أى منذ نحو ثلاثة أرباع القرن، لم يوضع الحارس الأول على المال العام فى مثل ذلك الموقف،

الأمر الثانى أن نيابة أمن الدولة كانت قد أصدرت بيانا فى ٢٨ مارس الماضى ذكرت فيه أن المستشار جنينة يواجه اتهامات بتضخيم أرقام حول الفساد مخالفة للحقيقة
الأمر الذى من شأنه تعريض السلم العام للخطر وإضعاف هيبة الدولة.

وتلك تهمة قديمة مدرجة فى قانون العقوبات منذ عدة عقود حيث اعتبر تكدير السلم العام جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدد تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات.

وقد جرى إحياؤها فى السنوات الأخيرة لمعاقبة غير المرضى عنهم والتنكيل بهم، خصوصا أن التهمة فضفاضة للغاية ولا تحتاج إلى أدلة لإثباتها.

الأمر الثالث أن الرجل حين دعى إلى نيابة أمن الدولة فإنه توقع الأسوأ.
 إذ تحسب لاحتمال صدور قرار بحبسه اقتناعا منه بأنه يواجه طرفا مصرا على الايقاع به ولن يتردد فى حبسه إذا ما ارتأى ذلك، بغض النظر عن سلامة موقفه القانونى،

 الأمر الرابع أن سجل المستشار جنينة وتاريخه المهنى يكشف عن مشكلته الحقيقية التى عرضته لمتاعب كثيرة.
ذلك أنه طوال عمره ظل مقاتلا صعب المراس، منذ كان قاضيا فى خدمة العدالة وأحد رموز الدفاع عن استقلال القضاء سيرا على درب أبيه المستشار أحمد جنينة الذى انتخب رئيسا لنادى قضاة القاهرة، إلى أن قدر للابن أن يرأس جهاز المحاسبات ويقود معركته ضد الفساد بلا هوادة.

وفى معركته تلك فإنه لم يبال بما بدا أنه خطوط حمراء أو جهات سيادية أو ملفات محظورة، وشأن كل من وضع أصبعه فى عش الزنانير، فإنه ظل معرضا للسع طول الوقت.

الأمر الخامس أن مشهد الرجل وهو يجر حقيبته أمام مبنى نيابة أمن الدولة بدا وكأنه رسالة موجهة لكل من يأخذ الأمور على محمل الجد، غير مبال بالقوى الأخرى المستفيدة من استمرار الأوضاع القائمة،
وهى قوى غير مرئية لكنها تملك من النفوذ ما يمكنها من أن تحافظ على مصالحها وتزيح من يقف فى طريقها بمختلف السبل، مهما كان مقامه أو وزنه.

الأمر السادس أن مشهد مثول الرجل أمام محقق نيابة أمن الدولة، وقضاؤه نحو ٥ ساعات فى المهمة التى استدعى من أجلها، بدا مهينا له وللدولة الذى كان قبل أشهر معدودة من أحد مسئوليها الكبار،

وللدقة فإن الإهانة لم تكن من نصيبه وحده، وإنما هى تصيب كل من يستدعى إلى ذلك المكان الغامض والمهيب، المحاط بأسوار عالية، ولا يسمح بالدخول إليه إلا لمن سجل اسمه وحاجته لدى موظف قابع وراء مكتب جانبى،
 وعلى صاحب المصلحة أن ينتظر ساعات أو ساعات فى الشارع تحت الشمس الحارقة، قبل أن يؤذن له بالدخول.

ما يستحق الملاحظة أن المستدعى إلى نيابة أمن الدولة يفترض أنه ذاهب إلى إحدى أذرع العدالة وأبوابها.
لكنه فى حالتنا يمر بطقوس ويوضع فى أجواء تملؤه بالخوف والرهبة.
ويوحى إليه بأنه داخل إلى مؤسسة عقابية لا يأمن المرء على نفسه من ولوج أبوابها أو الخروج منها آمنا.

من المفارقات ذات الدلالة أن يكون ذلك مصير رئيس جهاز المحاسبات فى مصر، فى حين تشهد البرازيل زلزالا سياسيا كبيرا جراء تقرير أعده الجهاز المماثل هنا (يسمونه محكمة المحاسبة)، كشف عن فساد وتلاعب فى موازنة عام ٢٠١٥.

وبسبب قوة المجتمع والبرلمان فإن التقرير كان سببا رئيسيا لعزل رئيسة البرازيل من منصبها بناء على تصويت فى البرلمان.

ورغم التباين فى الحالتين، فإن البيانات التى أعلنها المستشار هشام جنينة لم تفتح ملفات إهدار المال العام، ولكنها انتهت بعزل الرجل من منصبه وإحالته إلى نيابة أمن الدولة.

لم توجه الاتهامات بعد إلى المستشار جنينة، لأن جلسة التحقيق التى تمت يوم الثلاثاء ٢٤/٥ كانت للاستدلال فقط، ويفترض أن نكون الصورة أكثر وضوحا بعد اللقاء الثانى الذى سيتم يوم الأحد المقبل.
وحينئذ ستتضح معالم القضية التى ليس لنا أن نخوض فى تفاصيلها فى الوقت الراهن.

وغاية ما نرجوه أن يحسن الأصل المنشود الانطباعات السلبية التى حملتها إلينا الصورة.

......................

Delete this element to display blogger navbar