Subscribe:

Ads 468x60px

30 أبريل، 2016

إنذار وليس رسالة

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 23 رجب 1437 – 30 أبريل 2016
إنذار وليس رسالة - فهمي هويدي

المتظاهرون مخربون وإخوانجية، والشرطة تصرفت بصورة حضارية والتزمت بضبط النفس.

هذه هي الرسالة التي وجهها الإعلام الأمني للمجتمع المصري في أعقاب تظاهرات ٢٥ أبريل، التي خرجت احتجاجا على موضوع الجزيرتين.
وبهذا المنطوق فإن المتظاهرين يصبحون أشرارا وقعوا في الغلط،
أما رجال الشرطة فهم الأبرار الذين عدَّاهم العيب.

رغم أن التظاهرات لم تستغرق سوى ساعات معدودة، ولم تحدث حالة عنف أو تخريب واحدة من جانب المتظاهرين الذين كانوا من تمسك بالسلمية والأداء المتحضر والقانوني،
 ولم ير للإخوان حضور لا في لافتة أو هتاف،

 في الوقت ذاته فإن «ضبط النفس» الوحيد الذي مارسته الشرطة مشكورة أنها لم تطلق الرصاص على المتظاهرين،
واكتفت بإطلاق قنابل الغاز عليهم واستخدام خراطيم المياه،
 ثم إنها تولت القبض على من طالته أيديهم، وألقت بالجميع في السيارات التي كانت مجهزة لاستقبالهم، في حين قام «احتياطي» البلطجية بواجب تأديبهم.

وبعد تكديسهم في أقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي قامت بتلبيس البعض قائمة الاتهامات المقررة، التي تتراوح بين التحريض على التظاهر واستخدام القوة لقلب نظام الحكم وصولا إلى الانضمام إلى جماعة إرهابية والإضرار بالسلم الاجتماعي، مرورا بمهاجمة أقسام الشرطة ومنع السلطات من مواصلة عملها.

 أما الذين تم إخلاء سبيلهم فقد عوقبوا بغرامات تراوحت بين٥٠٠ وألف جنيه،
 وقرأت أن المحبوسين في أحد أقسام الشرطة وقعت عليهم غرامات تجاوزت ٤٢ ألف جنيه.

يوم الأربعاء ٢٧/٤ ــ بعد يومين من التظاهرات ــ نشرت صحيفة «الأهرام» عنوانا عريضا على صفحتها الأولى كان نصه:
المصريون يرفضون التخريب ويفضحون الحجم الحقيقي للإرهابية،

 والتقرير المنشور تحت العنوان وردت فيه العبارات التالية:
فشلت جماعة الإخوان الإرهابية في تعكير صفو احتفالات المصريين بذكرى تحرير سيناء.. مستغلة حماس بعض القوى السياسية في مسألة جزيرتي تيران وصنافير.. في محاولة لإثارة الشباب، لكن الشعب أحبط المحاولة إدراكا منه أنها ترمى إلى هدم الوطن ووقف مسيرته.

وتجلى هذا في الاستجابة الضعيفة لمثل هذه الدعوات.
وبرز توجه التيار العريض من الشعب في احتشاد الآلاف في عدد كبير من الميادين بالقاهرة والمحافظات حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، احتفاء بتضحيات رجال القوات المسلحة المخلصين وحرصهم الشديد وحمايتهم لتراب الوطن وعدم التفريط في حبة رمل واحدة منه.

هذا الكلام الذي لا هو خبر ولا تحليل ولكنه تقرير أمنى ركيك وساذج نشر بعد يومين من الحدث في إطار الإلحاح على شيطنة المتظاهرين وتشويههم.

 وثمة كتابات أخرى أكثر فجاجة جرى ضخها لتأكيد الشيطنة، بعضها أقرب إلى العبارات التي تكتب على جدران المراحيض العمومية،

 أما مسألة ضبط النفس التي تحلت بها الشرطة فقد وردت على لسان رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب محمد أنور السادات، في الحوار الذي أجرته معه جريدة «الشروق» ونشر في ٢٨/٧

ــ ومن المفارقات الطريفة أن المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي هو حكومي بامتياز وبياناته حافلة بمجاملة السلطة والتستر على انتهاكاتها لم يستطع أن يغطى على الممارسات «الحضارية» للشرطة،
 فأصدر بيانا نشرت «المصري اليوم» خلاصة له، انتقد القبض العشوائي على المواطنين وتوسيع دائرة الاشتباه في احتجازهم بالمخالفة للدستور.
 كما انتقد محاصرة الشرطة لنقابتي الصحفيين والأطباء ومحاصرة مقر كل من حزبي الكرامة والدستور.

 في الوقت ذاته نشرت «الشروق» خلاصة بيان مجلس نقابة الصحفيين الذي أدان الانتهاكات «المشينة» للشرطة بالاعتداءات التي تعرض لها الصحفيون أثناء تأدية عملهم في تغطية التظاهرات،
 كما انتقد البيان محاولات «قطعان البلطجية» الذي تجمعوا أمام مقر النقابة وحاولوا اقتحامها.

في مقابل ممارسات «الأبرار» من رجال الشرطة، فإن المتظاهرين «الأشرار» لم يجدوا وسيلة للتعبير عن معاناتهم وفضح ما جرى لهم سوى المدونات التي حفلت بها وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي،
 ومنها ما صدر عن بعض المحامين الشجعان الذين تحملوا الكثير لمحاولة الدفاع عن الشبان المحتجزين وحماية حقوقهم.

المفارقة المهمة في المشهد أن الإعلام الأمني الذي أراد أن يشير بأصابع الاتهام إلى مؤامرات الإخوان لتخريب البلد وإسقاط نظامها، حرص على أن يذكر أن أولئك الأشرار استغلوا الشباب النقي والطاهر لتحقيق أهدافهم.
ولكن ما حدث أن المحبوسين لم يكن بينهم أحد من الإخوان.
أما الذين تقرر احتجازهم وتمديد الحبس لهم كانوا أولئك الشباب «الطاهر والنقي» الذين تحدثت التسريبات الأمنية عن براءتهم.

خلاصة الرسالة التي لا يكف الإعلام الأمني عن الإلحاح عليها هذه الأيام هي أن كل متظاهر إما أنه مخرب ومتآمر وإما أنه مغيب وملعوب في رأسه.
وبهذا المنطق فليس بين المتظاهرين مخلص لوطنه وغيور عليه وغاضب لما أصابه.
 وهى ليست رسالة فحسب، ولكنها إنذار مبطن لكل من تسول له نفسه أن يغضب لوطنه أو يغار عليه.

 فهؤلاء لا مكان لهم في الميادين، ولكن سجن طرة جاهز لاستقبالهم وتلقينهم الدرس الذي لم يتعلموه.

.........................

28 أبريل، 2016

زلزال يناير وهزة أبريل

صحيفة السبيل الاردنيه الخميس 21 رجب 1437 – 28 أبريل 2016
زلزال يناير وهزة أبريل - فهمي هويدي

إذا حاولنا أن نقارن بين ما شهدته مصر في ٢٥ يناير ٢٠١١ وما جرى في ٢٥ أبريل هذا العام (٢٠١٦) فسنجد تشابهات وتباينات عدة جديرة بالرصد،
فالأول مناسبة صنعها أبطال الشرطة،
والثانية مناسبة وراءها أبطال الجيش.

والمناسبتان استثمرهما النشطاء للتعبير عن الغضب، حدث يناير كان غضبة لما حل بالمجتمع وناسه من فساد وظلم.
أما تظاهرات أبريل فإنها كانت غضبة وغيرة على تراب الوطن.

وفي المناسبتين كانت مواقع التواصل الاجتماعي هي قناة التعبئة والحشد، وكانت المظاهرات السلمية وسيلة التعبير عن الغضب.

 وما حدث في ٢٥ يناير فاجأ النظام الذي بوغت بالجماهير في ميدان التحرير وفي غيره من ميادين مصر.

أما حدث أبريل فقد تم فيه استيعاب الدرس واختفى عنصر المفاجأة.
وكان إغلاق ميدان التحرير ونشر الحواجز والكمائن في الشوارع الرئيسية بقلب العاصمة رمزا لذلك.

وما تولته عناصر الحزب الوطني لإفشال احتشاد يناير(من خلال تظاهرة مصطفى محمود وموقعة الجمل مثلا) كررته أحزاب الموالاة التي استجلبت مجموعات من الأقاليم لتقف في مواجهة مظاهرات الغضب في القاهرة،

وإذا كانت الشرطة في يناير قد أطلقت الرصاص على المتظاهرين وجرى استهدافها بعدما أصبحت موقع اتهام وصارت في موقف الدفاع،
إلا أنها هذه المرة استوعبت الدرس وصارت في موقف الهجوم الذي نجح في تفريق المظاهرات، واكتفي بإطلاق قنابل الغاز واعتقال بعض المتظاهرين، ولم تلجأ إلى استخدام الرصاص الحي.

ثمة تباينات أخرى مهمة أوجزها فيما يلي:

<
حدث يناير ٢٠١١ كان موضع إجماع شعبي عارم شاركت فيه الجماهير العريضة في مختلف أنحاء مصر.

 أما حدث أبريل الحالي فإنه خرج من مجتمع منقسم بالأساس، لكن مسألة الجزيرتين شكلت نقطة لقاء بين عدد غير قليل من المنقسمين.

وبسبب التباين في الخلفيات فإن قوام تظاهرات يناير تمثل في الجماهير المليونية التي خرجت في كل أنحاء مصر.
أما تظاهرات أبريل الأخيرة فكانت المشاركة فيها أقل، إذ بدا واضحا أن النشطاء قوامها، كما أنها، خرجت في بعض المدن والأقاليم دون غيرها.

<
لا تفوتنا في هذا الصدد ملاحظة أن التيارات الإسلامية كانت حاضرة في فاعليات ثورة يناير، وكان دورها مشهودا في ميدان التحرير
 لكن تلك الجموع غابت في تظاهرات أبريل، حيث بات حضورها القوى مقصورا على السجون الموزعة على أرجاء مصر.

<
اختلاف الأجواء ملحوظ في الحالتين
فتظاهرات يناير خرجت في سياق ثورة الربيع العربي التي انطلقت شرارتها من تونس،
أما تظاهرات أبريل فقد انطلقت في مناخ الجزر وانتكاس الربيع وانكسار موجته.

وإذ فوجئت دول المحيط بانطلاقة يناير فإنها وقفت مترقبة ومتكتمة لمشاعرها.
وهو ما اختلف هذه المرة، لأن الدول المذكورة كانت قد حددت مواقفها وأعلنت عن تحيزاتها،
وإذا استخدمنا مفردات التعليق الرياضي فقد نقول إنها تركت مقاعد البدلاء، ونزلت إلى الملعب متصدرة مواقع الهجوم.

<
تتصل بما سبق مفارقة أخرى. ذلك أن بضعة أشخاص رفعوا العلم السعودي أثناء تظاهرات يناير، وهو ما كان موضع تندر وانتقاد واسع النطاق
ــ وحين تكررت الواقعة في تظاهرات أبريل ــ في القاهرة على الأقل ــ فإن رافعي العلم السعودي كانوا يرحب بهم وتؤمن مسيرتهم، وتفسح لهم قوات الأمن الطريق لكي يرددوا هتافاتهم ويعبرون عن مشاعرهم.

<
قد لا نبالغ إذا قلنا إن الذين خرجوا في أبريل منسوبون إلى الذين خرجوا في يناير،
أما الذين حشدوا ضدهم فقد كانوا أقرب إلى نظام مبارك الذين رددوا شعار «آسفين يا ريس» في السر والعلن.

<
بوسعنا أن نصف ما جرى في يناير ــ أيا كانت نتائجه ــ بأنه كان زلزالا قوض النظام وأسقطه بعدما استمرت التظاهرات طوال ١٨ يوما.
أما ما جرى في أبريل فيمكن أن يوصف بأنه هزة أرضية وقعت في يوم واحد، لكنها أغضبت النظام واستنفرته.

 لذلك فإنه إذا كان لنا أن نصف ما جرى في يناير باعتباره فصلا في كتاب الثورة. فإن ما جرى في أبريل الحالي ــ وحتى إشعار آخر ــ فإنه مجرد صفحة في الكتاب المذكور،

 وذلك لا يقلل من شأنها لأن الكتاب المذكور ليس سوى مجموعة من الصفحات المماثلة.

وإذا أدركنا في يناير أن الشعب قد استعاد وعيه، فإن تظاهرات أبريل جاءت دالة على أنه لم يفقد وعيه بعد.

..............................

27 أبريل، 2016

جريمة أن تكون معارضا سلميا

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 20 رجب 1437 – 27 أبريل 2016
جريمة أن تكون معارضا سلميا – فهمي هويدي

عدد جريدة «الأهرام» الصادر أمس (٢٦/٤) لم يشر إلى خبر المظاهرات الاحتجاجية الغاضبة التي خرجت في القاهرة وعدة مدن أخرى في اليوم السابق (٢٥ أبريل)

ــ في الوقت ذاته حرصت الجريدة على إخبار قرائها بأن مظاهرات شبابية خرجت في العاصمة البرازيلية ساوباولو دعما لروسيف (الرئيسة)،
وأحاطته علما بأن اتحاد الشغل طالب العمال بالنزول إلى الشوارع.

كما أنها حرصت على ذكر السهرة اليسارية المزمع إقامتها بالإليزيه دفاعا عن ولاية أولاند (الرئيس الفرنسى).

ولم يفتها أن تنشر خبرا آخر عن اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى.

أما ما حدث في مصر فقد لخصته الجريدة العريقة في عبارات من قبيل أن المواطنين: عبروا عن فرحتهم الشديدة بالذكرى الغالية، معربين عن سعادتهم الغامرة بمشاركة قواتهم المسلحة الاحتفالات بهذه المناسبة، مقدمين الشكر والامتنان لرجالها البواسل الذين لا يدخرون جهدا في دعم جهود التنمية الشاملة وتخفيف العبء عن كاهل المواطنين، بالإضافة إلى مهامهم الرئيسية في حماية الأمن القومي والدفاع عن حدود الوطن وسلامته.

أما التظاهرات الاحتجاجية التي خرجت في ١٠ محافظات وظل صداها المدوي يتردد في الفضاء المصري طوال اليوم، فضلا عن أنها كانت محط أنظار عواصم العالم فقد كان نصيبها من تغطية الأهرام ثلاث كلمات فقط وردت في ثنايا جملة ذكرت أن جموع المواطنين قاموا بتنظيم احتفالات شعبية «رافضين دعوات الفوضى»!
 ــ وكانت قد أوردت المعنى ذاته في عنوان كرر الكلمات الثلاث.

لم تنفرد الأهرام بهذا الموقف لأن الصحف القومية (!) تبنت نفس الموقف، وإن تم ذلك بدرجات متفاوتة.

فعنوان الصفحة الأولى لجريدة «الأخبار» كان كالتالي:
 احتفالات صاخبة واحتجاجات خافتة.

 أما جريدة «الجمهورية» فقدت تحدث عنوانها الرئيسي عن أن «الشعب يهزم قوى الشر».

 أي أن الصحف «القومية» تراوحت في مواقفها بين التجاهل شبه التام والتهوين المضمر والتجريم. وجميعها ظلت في خندق الحكومة والأمن.

الصحف المستقلة عبر بعضها عما جرى بصورة مختلفة نسبيا لا يخلو بعضها من احترام للحقيقة وللقارئ،

 فعنوان جريدة «الشروق» كان كالتالي:
الميادين للمؤيدين والأمن في انتظار المعارضين.

 أما «المصري اليوم» فقد عبرت عن نفس الموقف حين ذكرت في عنوان الصفحة الأولى أن:
الشارع للمؤيدين والأمن للمتظاهرين.
 وتضمنت الجريدتان تغطية معقولة نسبيا للتظاهرات التي خرجت في المناسبة.

ثمة صحف أخرى يفترض أنها مستقلة.
إلا أنها «قومية» بامتياز ــ ذلك أنها التزمت بالخط «القومي» وبعضها بالغ فيه وزايد عليه
فجريدة «الوطن» كان عنوانها الرئيسي كالتالي «الشعب يحتفل والجيش يطارد الإرهاب».

أما «اليوم السابع» فإنها ذهبت إلى أبعد وبدت أكثر التزاما بخطاب وزارة الداخلية حين ذكرت في عنوان الصفحة الأولى «الإخوان فشلت في التحريض»،

 ولا تسأل عن «البوابة» لأن التزام الجريدة لا يكتفي بتبني خطاب الداخلية فقط ولكنه موزع على جهات أخرى عديدة أترك لك تخمينها وإحصاءها.

بدرجة أو أخرى نستطيع أن نقول إن عناوين الصحف في تعاملها مع تظاهرات ٢٥ أبريل عبرت عن الجزء الظاهر من الحياة السياسية في مصر،

 أما الشق الغاطس من الصورة فإنه يظل مجهولا وليس بمقدورنا أن نطالع معالمه. لأن صوت الضجيج الإعلامي في مصر أعلا بكثير من صوت الشارع في طول البلاد وعرضها.

ولا تنس أن البرلمان الذي يفترض أنه معبر عن الشارع تمت هندسته بصورة محكمة جعلته معبرا عن السلطة وليس المجتمع.

عندي عدة ملاحظات على المشهد أبدأها بالتذكير بأن الحدث الأبرز الذي شهدته مصر يوم ٢٥ أبريل كان بمثابة التظاهرات السلمية التي خرجت بصورة متحضرة معبرة عن الاعتراض على ما تم بشأن الجزيرتين والغضب المتراكم الذي وجد في المناسبة فرصة للإشهار والتنفيس،

 إلا أنه كله قوبل بدرجات متفاوتة من القمع (٣٠٠ اعتقلوا) التي عرضتها العديد من شاشات التليفزيون وتجاهلتها القنوات المصرية التي تنافست في التعبير عن «قوميتها».

أما ملاحظاتي فأوجزها فيما يلي:

<
إن ما جرى يعبر ليس فقط عن الضيق الشديد بالرأي الآخر ومصادرة حق الاختلاف والتظاهر السلمي،
ولكنه أصبح يعتبر الاختلاف جريمة تستوجب العقاب وتسوغ استباحة كرامات الناس وتوجيه مختلف الاتهامات إليهم التي وصلت إلى حد تراوحت فيه بين الانتماء للإخوان وبين التشهير بالمتظاهرين واعتبارهم دعاة للفوضى وساعين لإسقاط الدولة.

<
إن الآلة الإعلامية كلها باتت موزعة بين الارتباط بالسلطة والارتباط بأجهزة الأمن، حتى المنابر التي تبنت مواقف اتسمت بالاحتشام فإنها ظلت تتحرك في حدود «الملعب» ولم تغادر مربعه.

<
إن الصحف «القومية» قدمت لنا نموذجا مغايرا في التعامل مع الأخبار.
 ذلك أننا نعرف في المهنة أن الخبر حق للقارئ وملك له، بخلاف الرأي الذي هو ملك لصاحبه.

وفى المشهد الذي رأيناه (وفى حالات سابقة عديدة) أرست تلك الصحف مبدأ جديدا في المهنة اعتبر الخبر الداخلي صار ملكا للحكومة (وللأمن أحيانا) وليس للقارئ فيه نصيب.

<
إن مصطلح «أهل الشر» جرى التوسع في مضمونه بحيث أصبح وصمة تلاحق كل صاحب رأى مغاير،
 الأمر الذي يعيد إحياء مقولة نحن شعب وهم شعب غريب آخر ولا سبيل للقاء بينهما.

 وتلك لعمري أعلا مراتب شق الصف الوطني التي نسأل الله أن يجنبنا عواقبها.

........................

26 أبريل، 2016

أسئلة سيناء الحائرة والموجعة – المقال الاسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 19 رجب 1437 26 أبريل 2016
أسئلة سيناء الحائرة والموجعة – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي

ما عادت سيناء أرض الفيروز والبطولات فقط، لأنها أصبحت مسكونة بالهم وغارقة فى الدم.

(1)

حين انقطع التيار الكهربائى لمدة ١٣ ساعة عن منطقة التجمع الخامس بأطراف القاهرة، خصصت إحدى القنوات التليفزيونية فى نفس اليوم حلقة نقاشية حول الموضوع شرحت أبعاده وحذرت من تداعياته.

وهو ما أثار انتباه ودهشة أهالى شمال سيناء، لأن الكهرباء ومياه الشرب تنقطع بين الحين والآخر منذ ٣٠ عاما عن رفح والشيخ زويد، ولم يحرك ذلك شيئا لدى أهل القاهرة أو منابرها الإعلامية.

الملاحظة أبداها زميل سيناوى اعتبرها شهادة كاشفة للمدى الذى بلغه تجاهل القاهرة لمدن سيناء. التى وضعت فى دائرة الاشتباه على حد تعبيره، وأصبحت تقدم فى وسائل الإعلام بأنها جبهة قتال ووكر كبير للإرهابيين لا يذكر إلا على لسان المتحدث العسكرى بين حين وآخر،

 أما بقية مسئولى الدولة فلا يذكرونها إلا فى ذكرى تحرير سيناء التى تحل فى ٢٥ أبريل من كل عام.

هذا العام أضيفت فقرة جديدة إلى برنامج الاحتفال بالمناسبة.
 إذ تنافست بعض الصحف فى نشر تقرير تم توزيعه عن انجازات القوات المسلحة التى وصفت بأنها «تاريخية» فى مجالات تنمية سيناء.

وهى انجازات جديرة بالتنويه حقا، لأنها قدمت صورة مفصلة للجهود التى بذلت فى مجالات الإعمار المختلفة، فشملت الإسكان وحفر الآبار وتوفير المرافق واستصلاح الأراضى وتمهيد الطرق...إلخ.

وربما كان ذلك هو البيان الرسمى الوحيد الذى طالعناه خلال السنتين الأخيرتين عن سيناء ولم يتحدث عن «تصفية» الإرهابيين وإجهاض عملياتهم.

 وبرغم أن البيان الذى صدر عن قائد قوات شرق القناة كان وافيا، إلا أنه لم يكن كافيا أو شافيا.

 ذلك أنه إذا كان علينا أن نستقبل بيانات المتحدث العسكرى كما هى، حتى صارت فى مقام كلمة القضاء التى اعتبرت إعلانا عن الحقيقة لا يجوز التعليق عليها أو نقضها، فإن الأمر ينبغى أن يختلف حين يتعلق الأمر بالأعمال المدنية والعمرانية.

إذ أزعم أن تقرير قائد شرق القناة كان يمكن أن يكون أكثر اقناعا وإشباعا إذا كان قد طرح للمناقشة فى حضور ممثلين عن المستفيدين من تلك المشروعات،
كى لا يضم التقرير إلى قائمة الوثائق التى تحتفى بها وسائل الإعلام فى حين يختلف مردودها على الأرض،
ناهيك عن المشروعات الأخرى التى تنشر أخبارها فى الصحف ولا يرى لها أثر على الأرض.
وهى ملاحظة بنيتها على تحفظات عدة سمعتها من بعض المثقفين السيناويين عبروا فيها عن انتقادهم لبعض المشروعات التى تم الإعلان عنها.

(2)

صدور التقرير فى الذكرى الرابعة والثلاثين لتحرير سيناء يفتح شهيتنا لتقليب صفحات الملف الملغوم المحاط بالخطوط الحمراء بسبب طبيعة العمليات العسكرية الجارية هناك،
وهو ما يدعونى إلى طرح بعض الأسئلة المتراكمة، فى مقدمتها ما يلى:

 هل تم تحرير سيناء حقا، أم أنها تحررت من الاحتلال الإسرائيلى ثم احتلها الإرهابيون بعد ذلك؟
وهل تم تقييم حملة مكافحة الإرهاب وتحديد نجاحاتها واخفاقاتها؟
 ولماذا استمرت العمليات الإرهابية طوال السنوات الثلاث الماضية دون أن تنجح عملية القضاء على الإرهاب فى سيناء؟
وهل تتحول الاشتباكات المستمرة هناك إلى حرب لاستنزاف الجيش والشرطة؟
ومن هم هؤلاء الإرهابيون، وهل جاءوا من سيناء أم من خارجها وما مصادر تسليحهم؟
ثم كيف تسير حياة المجتمع السيناوى الذى أصبح ضحية الحرب الدائرة، حين تكالبت عليه ضغوط الإجراءات الأمنية وقبضة الجامعات الإرهابية؟

قبل الخوض فى التفاصيل أنبه إلى الملاحظتين التاليتين:

<
الأولى، إننى تمنيت أن تطرح هذه الأسئلة وغيرها مما هو مسكوت عنه بسيناء فى لقاء موسع يضم ممثلين عن سيناء والمعنيين بأمرها والمدافعين عنها،
 لأن القضية أكبر من أن يسمع فيها رأى واحد أو تحمل همها جهة واحدة.

وحبذا لو تم ذلك تحت سقف البرلمان، الذى رتب زيارة سيناء وألغيت لأسباب أمنية ثم اقترح استبدالها بجلسة استماع لأهالى سيناء بعد عوتهم إلى المجلس، وهذه لم تتم أيضا.
 بالتالى فإن مجلس النواب لم يشاهد ولم يسمع ولم يتكلم فى الموضوع!

<
الثانية، إنه لا مفر من الاعتراف بأن شح المعلومات المتوفرة عما يحدث فى سيناء لا يتيح لنا أن نفهم ما يجرى فيها،
ذلك أن اعتبارها مسرح عمليات عسكرية ضيق كثيرا من فرصة الفهم والإحاطة بالتفاصيل،
كما دفع كثيرين إلى الابتعاد عن الموضوع تجنبا لاحتمالات الوقوع فى المحظور.

لذلك فإننى أجد صعوبة فى الإجابة على بعض الأسئلة التى ذكرتها.
وأجد حرجا فى التطرق إلى أسئلة أخرى، خصوصا تلك التى تعلقت بالجوانب العسكرية وقد عرضتها لكسر الصمت المحيط بها والإبقاء عليها حية فى الذاكرة،
 فى حين أن ثمة أسئلة أخرى أزعم أن فى الإجابة عليها أداء لواجب تأخر الوفاء به كثيرا.

فى محاولة الرد على التساؤلات أزعم بأن السؤال الأول مسكون بالمبالغة، فلا تحرير سيناء من الاحتلال كان كاملا ولا بسط الإرهابيين سيطرتهم عليها.

ذلك ان المادة الرابعة من معاهدة السلام قيدت من سيطرة مصر على سيناء، بعد تقسيمها إلى أربع مناطق (أ وب وج ود)

وتركز الوجود العسكرى المصرى فى المنطقة «أ» المحاذية لقناة السويس، ولكنه يضعف فى العدد والعدة فى الوسط وبدرجة أكبر محاذاة الحدود مع إسرائيل.

من ناحية ثانية فإن العمليات الإرهابية تتركز فى شمال سيناء فقط، بوجه أخص فى شريط بطول ٥٠ كيلومترا يضم العريش والشيخ زويد ورفح، الذى يضم الكتلة الأكبر من السكان (نحو ٣٠٠ ألف نسمة)
أما وسط سيناء وجنوبها فهى مناطق مؤمنة ولا وجود للعمليات الإرهابية فيها.

موضوع تقييم حملة مكافحة الإرهاب شأن عسكرى لا نعرفه ولا يجوز أن نخوض فيه بغير علم.
بالتالى فليس لى فيه كلام سوى التعبير عن التمنى، لأن التجربة أثبتت أن الحاجة ملحة لإجراء ذلك التقييم بما يستصحبه من مراجعة ونقد للذات وعلاج للأخطاء والثغرات.

أما استمرار العمليات الإرهابية طوال السنوات الثلاث الأخيرة وتأخر القضاء على الإرهاب رغم الوعد بذلك أكثر من مرة،
يفسره ارتفاع الكفاءة القتالية للإرهابيين مع تزايد أعدادهم ووفرة سلاحهم وتطوره،
 وبسبب القيود التى وضعتها معاهدة السلام فإن حضور القوات المسلحة فى سيناء كان متواضعا ومعرفتها بخرائطها كانت محدودة،
ولم يمكن للقوات المسلحة من إثبات حضورها الحقيقى على الأرض إلا بعد عزل الدكتور محمد مرسى فى الثالث من يوليو ٢٠١٣.

لذلك فإننى حين ألقيت على أحد الخبراء السؤال الماضى باحتمال تحول الصراع الدائر فى سيناء إلى حرب استنزاف للجيش والشرطة، كان رده ان الاستنزاف حاصل بالفعل وذلك هو الوصف الدقيق لما يجرى هناك.

(3)

خلاصة الإجابة على السؤال المتعلق بهوية الجهاديين أو الإرهابيين تتمثل فيما يلى:

<
إن الظاهرة الدينية عموما والحالة السلفية خصوصا لها وجودها التاريخى فى شمال سيناء، بخلاف جنوبها الذى تنتشر فيه المنتجعات السياحية،
فالإخوان كان لهم حضورهم فى العريش فى حين انتشرت السلفية الدعوية فى رفح والشيخ زويد.

<
تحدى الوجود الإسرائيلى كان له صداه فى تلك الأوساط، وهو ما تبلور فى ظهور السلفية الجهادية ممثلة فى جماعة التوحيد والجهاد التى قامت بعمليات التفجير فى طابا (٢٠٠٤) وشرم الشيخ (٢٠٠٦)،
الأمر الذى أدى إلى إلقاء القبض على عدد كبير منهم خصوصا أن عددهم آنذاك كان فى حدود ٢٠٠ شخص.

<
من عباءة التوحيد والجهاد خرج أنصار بيت المقدس الذين حاولوا استهداف الإسرائيليين فى «إيلات» عام ٢٠١١ واستهدفوا أنبوب الغاز الموصل لإسرائيل عدة مرات بعد ذلك،

وخلال تلك الفترة كانت انشطتهم موجهة ضد إسرائيل.
وظلت عناصرهم سيناوية بالأساس.

وقد سمحت لهم وفرة الأنفاق بالتدريب واكتساب الخبرات من اقرانهم فى غزة، الذين كانوا على خصومة مع «حماس» منذ أعلنوا «ردتها»،
 ودخلوا معها فى صدام مسلح فى عام ٢٠٠٩ أدى إلى قتل زعيمهم الملقب بأبى النور المقدسى و١١ من أنصاره إثر اعتصامه بمسجد فى رفح وإعلانه قيام «الإمارة الإسلامية فى أكناف بين المقدس».

<
شهدت تلك الفترة تطورين مهمين عززا من موقف أنصار بيت المقدس،
الأول ان المجلس العسكرى الحاكم أطلق سراح قياداتهم وعناصرهم الذين اعتقلهم نظام مبارك فعاد هؤلاء إلى سيناء واستأنفوا نشاطهم.
الثانى أن سقوط النظام الليبى فتح الباب لنقل ترسانة سلاحه المتطور والنوعى إلى سيناء، بعدما أتاحها القذافى للجميع لإفشال الثورة ضده.
وشكل إغراق سيناء بتلك الأسلحة النوعية نقطة تحول فى القدرات القتالية للجهاديين.

<
بعد عزل الدكتور محمد مرسى فى عام ٢٠١٣ غير أنصار بيت المقدس استراتيجيتهم بحيث استهدفوا النظام المصرى الجديد،
وكانوا قد التزموا الهدوء النسبى طوال السنة التى حكم فيها الإخوان كى لا يكرروا الاشتباك المسلح معهم كما حدث مع حماس فى غزة.
ورغم أنهم لم يعلنوا مسئوليتهم عن قتل الـ١٦ جنديا مصريا آنذاك، إلا أن مختلف القرائن تشير إلى ضلوعهم فى العملية.

<
فى أعقاب عام ٢٠١٣ حدث تطور آخر مهم انضاف إلى عودة قياداتهم وتوفير تسليحهم وتطويره.
 ذلك أن الصدام الدموى الذى حدث آنذاك بين السلطة الجديدة والإخوان، دفع أعدادا غير قليلة من شباب الجماعات الإسلامية فى أنحاء مصر إلى اللجوء إلى سيناء والانضمام إلى أنصار بيت المقدس.
وهو ما وفر للجماعة رصيدا بشريا لم تتوقعه، الأمر الذى مكنها من تعزيز صفوفها وبسط سلطانها فى شمال سيناء.

كما ان الحملات الأمنية التى جرى شنها فى سيناء دفعت بعض الشباب إلى الالتحاق بالجماعة، سواء للثأر والانتقام أو لسبب انتشار البطالة.
وإزاء ذلك أصبح أنصار بيت المقدس هم الأقوى حضورا ونفوذا بين الجهاديين،
 الأمر الذى طغى على أى دور للمجموعات الأخرى.

<
فى عام ٢٠١٤ أعلن أنصار بيت المقدس مبايعة زعيم داعش والانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية،
 وأقاموا كيانا افتراضيا أسموه «ولاية سيناء»،
ونجحوا فى السيطرة على الشيخ زويد ذات صباح بمظنة أنهم يكررون تجربة الموصل فى العراق،
إلا أن القوات المسلحة أحبطت محاولتهم، فتركوا المدينة وعادوا إلى مكانهم فى الجبال، ولا يزالون.

(4)

طول الوقت تتحدث السلطة ووسائل الإعلام عن جهود الجيش والشرطة وعمليات الإرهابيين،
ولا يذكر فى أغلب الأحوال الطرف الثالث الذى يعانى من الصراع ويدفع ثمنه، وهو المتمثل فى جماهير الشعب الذين أصبحت حياتهم جحيما بسبب استمرار الصراع ولا يرون له نهاية فى الأجل المنظور.

إذ صار أهل شمال سيناء بين مهجرين أجبروا على ترك دورهم فى رفح،
 أو نازحين دمرت بيوتهم وزراعاتهم جراء قصف الغارات فهاموا فى العراء يبحثون عن ملاذ،
أو معذبين حبسوا فى دورهم بلا مياه أو كهرباء أو اتصالات من أى نوع، احتياجاتهم المعيشية عند حدود الكفاف،
وموت المريض عندهم أرحم من عذاب الوصول إلى مستشفى والتعرض للاحتجاز والتحقيق عند الكمائن وأمام نقاط التفتيش.

ناهيك عن ان المجتمع أصبح يعانى من البطالة، فلا زراعة ولا تجارة ولا رعى للأغنام.
وحدهم موظفو الحكومة ضمنوا رواتبهم.
وفى كل الأحوال فإن من يغامر بالخروج من بيته لقضاء أى مصلحة لم يعد واثقا أنه سيعود إلى بيته حيا.

تستطيع أن تقول إننا ميتون إلا ربعا، بهذه العبارة لخص رجل ستينى اسمه سلمان أبوعبيد أحوال المواطنين العاديين فى سيناء، فيما نقلته عنه صحيفة «المصرى اليوم»، التى شذت عن القاعدة وخصصت صفحتين كاملتين (يوم ٢٤/٤) استعرضت فيهما عذابات السيناويين.

هى مشكلة أن يكون المرء إرهابيا فى سيناء، ومشكلة ألا يكون كذلك!

..........................

24 أبريل، 2016

غرام وانتقام

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 18 رجب 1437 25 أبريل 2016
غرام وانتقام - فهمي هويدي

في الزيارة التي بدأها رئيس الأركان الأمريكي جوزيف دافورد تكون القاهرة قد استقبلت خلال شهر أبريل خمسة مسؤولين كبار بمعدل واحد كل ستة أيام.
إذ إضافة إلى رئيس الأركان فالآخرون هم:
 وفد الكونجرس برئاسة ليندسي جراهام
 ــ رئيس مجلس النواب يول رايان
ــ رئيس المنطقة المركزية جوزيف فوتل
- وزير الخارجية جون كيري.

ويلفت النظر في هذا العدد أن مصر استقبلت في الشهر الذي سبقه وزيرة القوات الجوية الأمريكية ديبورا لي جيمس ووزير البحرية ريمون مايسون وقائد العمليات الخاصة المشتركة هامولد توماس.

وزير الخارجية جون كيري لخص الهدف من تلك الزيارات بقوله إن بلاده ملتزمة بدعم استقرار مصر وتعزيز العلاقات معها، ومساندتها في التغلب على ما تواجهه من تحديات أمنية واقتصادية.

وذكر البيان الذي صدر عن رئاسة الجمهورية عقب اجتماع الرئيس السيسي مع الوزير الأمريكي ونشرته الصحف يوم الخميس الماضي (٢١ /٤) أن الرئيس أعرب عن حرص مصر على الارتقاء بالتعاون الثنائي مع الولايات المتحدة على جميع الأصعدة،
وأنه أشار إلى أهمية تعزيز التنسيق والتشاور بين البلدين بما يمكنهما من مواجهة مختلف التحديات وما يعترض منطقة الشرق الأوسط من توتر واضطراب.

لست في وارد الحديث عما جرى في لقاءات المسؤولين الأمريكيين مع نظرائهم المصريين.
كما أنى لا أبالغ إذا قلت بأنها تعنى أن جسور التعاون والتفاهم بين البلدين مفتوحة على مختلف الأصعدة والمسارات، السياسية والعسكرية فضلا عن الاقتصادية بطبيعة الحال.

إلا أن المرء لا يستطيع أن يكتم شعوره بالدهشة حين يرى التواصل على المستوى الرسمي حاصلا بين القاهرة وواشنطن على ذلك النحو،
 ويطالع في الوقت ذاته خطابا تسوقه وسائل الإعلام المصري يتحدث عن استهداف مصر والتآمر الأمريكي عليها، وضلوع المخابرات المركزية الأمريكية في حملات تشويه نظامها والعمل على عزله وإسقاطه... إلى آخر المقولات التي حفظناها لكثرة ترديدها.

حين يقع المرء على هذا الكلام فإنه يعذر إذا تملكته الحيرة والبلبلة، ذلك أنه يرى في الزيارات المكثفة للمسئولين الأمريكيين دلالة قوية على عمق العلاقات وتشعبها،
 الأمر الذي يتعارض بالكلية مع ما تردده وسائل الإعلام المصرية عن دور الولايات المتحدة في التآمر والعزل والسعي لإسقاط النظام.

ليس في ذهني أي دفاع أو تبرير للموقف الأمريكي، ولا أخفى استياء وقلقا إزاء العلاقات الحميمة وما يسمى بالتحالف الاستراتيجي بين القاهرة وواشنطن.

في الوقت ذاته فإنني أفهم أن تكون هناك تباينات أو خلافات بين البلدين في أمور عدة، إلا أن ذلك يظل شيئا مختلفا عما توحي به حملات مع وسائل الإعلام المصرية.

هل نحن بصدد فيلم سياسي يتداخل فيه الغرام مع الانتقام؟
وإذا لم يكن الأمر كذلك فبماذا نفسر حفاوة المسؤولين المصريين وغمزات الإعلاميين في نفس الوقت؟

 قبل محاولة الإجابة عن السؤال ألفت النظر إلى أن ما تنشره الصحف في هذا الصدد ليس تطوعا من جانبها أو تحريات قام بها محرروها.
وإنما المفهوم أن تلك تسريبات تقوم بها إدارات التوجيه المعنوي لتشكيل انطباعات معينة تتصور أنها تخدم النظام القائم.

في التفسير تلوح أسباب عدة.

 أحدها أن التسريبات التي من ذلك النوع تحاول الإيحاء بأن المؤامرة مستمرة والنظام في خطر،
وذلك أسلوب شائع يعتمد في التعبئة على تخويف الناس من الخطر القادم من الخارج الذي يستهدف النظام. وهو ما يفترض أن يقاوم بضرورة الالتفاف حول النظام.

ثمة عنصر آخر يتمثل في محاولة إقناع الرأي العام بأن مصر بعدما استعادت عافيتها في ظل النظام القائم أصبحت تصارع الدول الكبرى وتتحداها.

هناك سبب ثالث يتمثل في التعبير عن الاستياء وابتزاز الولايات المتحدة والضغط عليها.
خصوصا أن أجواءها تفتح الأبواب لاستقبال وفود الإخوان التي تخاطب بعض المؤسسات الأمريكية..
ومعروف أنه بسبب الصراع الحاصل في مصر فإن ذلك أصبح يثير حساسية لدى القاهرة التي باتت تعبر عن استيائها من خلال تلك الحملات.
خصوصا أنها باتت تحدد علاقاتها الخارجية في ضوء تقييمها لعلاقة مختلف الدول مع الإخوان
ــ والله أعلم.

.................

Delete this element to display blogger navbar