Subscribe:

Ads 468x60px

29 فبراير، 2016

رياح التغيير فى إيران – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 21 جمادى الأولى 1437 – 1 مارس 2016
رياح التغيير فى إيران – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

الانتخابات التى جرت فى إيران تشى بتغييرات مهمة فى موازين القوى، ولا مصلحة للعرب فى أن يقفوا منها موقف المتفرجين.

(1)

الخبر الرئيسى لصحيفة «معاريف» يوم الأحد ٢٨/٢ كان عنوانه كالتالى:
 جهاز الأمن فى إسرائيل يستعد للتغيير فى طهران ــ قد تكون هذه فرصة كبيرة.

وتحت العنوان تفصيلات عن متابعة شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» لنتائج الانتخابات الإيرانية (مجلس الشورى ومجلس الخبراء)،
وثمة إشارة إلى أن الجهات الأمنية الإسرائيلية لاحظت أن إيران عمدت فى الآونة الأخيرة إلى الحد من تمويل حزب الله فى لبنان، الأمر الذى عدته تطورا جوهريا،
كما لاحظت تلك الجهات أن الرأى العام الإيرانى يريد انفتاحا أكبر على الغرب.

فى اليوم ذاته خصصت صحيفة «يديعوت أحرنوت» افتتاحيتها للحديث عن المفاجآت التى يمكن أن تسفر عنها الانتخابات الإيرانية، وعن حدود الحركة المتاحة أمام الرئيس الحالى حسن روحانى فى ضوء النتائج التى ستسفر عنها عملية فرز أصوات الناخبين، والحظوظ المتاحة أمام ممثلى التيار الإصلاحى فى مجلس الشورى.

اهتمام الصحافة الإسرائيلية برصد التحولات الحاصلة فى إيران يعبر عن إدراك لإرهاصات التحول الحاصلة على أكثر من صعيد هناك.

بالمقابل فإن موقف وسائل الإعلام العربى إزاء الحدث يبدو متواضعا، ومتأثرا إلى حد كبير بالاشتباك السياسى بين إيران من ناحية وأغلب الدول العربية من ناحية ثانية.

ورغم أنه اشتباك مبرر فإنه لا يمثل سببا مقنعا للتهوين إعلاميا من شأن حدث له أهميته الاستراتيجية بالنسبة للعالم العربى.

ذلك أن إجراء أول انتخابات إيرانية بعد توقيع الاتفاق النووى ورفع الخطر المفروض منذ ٣٧ عاما، يعد خطوة باتجاه تشكيل الوضع المستجد فى إيران، الذى يتجه صوب الاقتراب من الغرب وتلوح فيه مؤشرات الابتعاد عن العالم العربى.
وهو أمر له تداعياته التى ينبغى أن تكون محل رصد وانتباه.

ورغم أن ما بين إسرائيل وإيران بعد الثورة الإسلامية من خصومة يفترض أن يكون أعقد وأعمق مما بين إيران والعالم العربى من خلافات، فإن ذلك لم يحل دون رصد الاستخبارات الإسرائيلية لمجريات الأحداث فى الداخل الإيرانى،
وهو رصد لا يخلو من محاولة التقاط أية بادرة تلوح لصالح إسرائيل فى ثنايا تلك التحولات.
خصوصا أنه ما عاد سرا أن احتمالات تلك الفرص واردة فى ظل صعود الإصلاحيين الذين يضمون أطيافا عدة متباينة الاتجاهات.


(2)

فى الأجواء الراهنة يحتاج المرء إلى درجة عالية من ضبط النفس ليتمكن من قراءة المشهد الإيرانى الداخلى بمعزل عن قناعاته ومشاعره الشخصية إزاء مغامرات السياسة الخارجية الإيرانية التى أحدثت فجوة عميقة وغضبا عارما فى العالم العربى.

وأعترف بأننى فشلت فى ذلك عدة مرات، وجدت فيها أن التحفظ على تلك المغامرات ضرورى لتحديد المواقع والمواقف والتطلع إلى المستقبل، وهو ملف لا يمكن تجاهله، لذلك سأفرد له حديثا آخر.

وجدت طهران غارقة فى الإعلانات الانتخابية التى كادت تطمس معالم الشوارع والميادين،
وكان ذلك مفهوما نظرا لتنافس ألف مرشح على ثلاثين مقعدا لمجلس الشورى.
(فاز الإصلاحيون بها جميعا).

ورغم أن المدينة شديدة الازدحام بطبيعتها (سكانها عشرة ملايين) فإن الجديد فى الصورة أن فنادق العاصمة أصبحت تعج بالنزلاء القادمين من كل صوب.

وقد كنت فى السابق أرى الوجوه الآسيوية تتصدر نزلاء الفنادق خلال سنوات الحصار الاقتصادى، إلا أن الصورة اختلفت الآن بصورة جذرية.
 إذ شهدت الفنادق زحف رجال الأعمال والزوار الذين توافدوا على طهران بكثافة مشهودة بعد توقيع الاتفاق النووى ورفع الحظر المفروض على إيران.

وهو ما أشاع انطباعا قويا بأنها مقبلة على طفرة اقتصادية موازية للتحولات السياسية الجذرية التى لاحت مقدماتها فى الأفق بعد توقيع الاتفاق، وارتفاع أسهم الإصلاحيين والمعتدلين فى حين تراجعت بصورة نسبية حظوظ المحافظين.

المظاهر المعلنة تعبر عن أحد أوجه المشهد الإيرانى، لأن المرء لا يلبث أن يلاحظ أن الجزء الغاطس من المشهد حافل بالإشارات المثيرة التى تبرز الأوجه الأخرى المسكوت عليها.

لأسباب مفهومة فإن مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت تشكل إحدى الساحات الأساسية المعبرة عما هو غاطس وغير معلن على الملأ.
 بوجه أخص فإن تلك المواقع أصبحت المنابر المتاحة أمام كثيرين للتعبير عن احتجاجهم ورفضهم لبعض السياسات المعلنة فى الداخل والخارج.

إذ منذ أحدث انتخابات عام ٢٠٠٩ التى شهدت ما سمى بالثورة الخضراء، التى ووجهت بإجراءات أمنية وقمعية شديدة آنذاك فإن الأغلبية نقلت مظاهر الاحتجاج من الشارع إلى الفضاء الإلكترونى.

إذ باتت تلك المواقع تحفل بالانتقادات الموجهة إلى المغامرات الخارجية التى تورطت فيها حكومة طهران.
إضافة إلى الإجراءات القمعية التى يمارسها القضاء الذى يهيمن عليه المحافظون، ومنها منع ظهور صور أو تصريحات الرئيس الأسبق محمد خاتمى فى وسائل الإعلام،
وكذلك منع نشر تصريحات الشيخ هاشمى رفسنجانى رغم أنه يشغل منصب رئيس مجلس تشخيص المصلحة، والاكتفاء بنشر مقابلاته فقط.

ومن المفارقات التى وقعت فى هذا الصدد أن رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية الزميل طلال سلمان كان فى زيارة لمقر صحيفة «إطلاعات» التى يرأس تحريرها السيد محمود دعائى ممثل المرشد فى الصحيفة،

 وتطرق الحديث إلى إجراء حوار مع السيد خاتمى نشرته الصحيفة الإيرانية إلى جانب صحيفة السفير اللبنانية، فأحيل السيد دعائى إلى القضاء لأنه انتهك الحظر المفروض على خاتمى.

من المفارقات التى تناقلتها المواقع أن الجهات المختصة ألغت ترشيح حفيدين للإمام الخمينى فى الانتخابات، أحدهما حسن الخمينى حفيده لابنه، والثانى على مرتضى إشراقى حفيده لابنته.

ومما ذكرت المواقع أيضا أن سبعة من أهل السنة الذين رشحتهم جمعية الدعوة والإصلاح كانوا أيضا من بين الذين منعوا من الترشح،
وهو ما دفع الجماعة إلى إعداد قائمة لمرشحين معتدلين من الشيعة ودعت أهل السنة إلى التصويت لصالحهم
 (عدد السنة فى طهران يقدر بمليون شخص يمثلون كتلة تصويتية تقدر بنحو ٤٠٠ صوت(

(3)

هذا المقال يكتب قبل الإعلان رسميا عن نتائج فرز الأصوات، سواء فى انتخابات مجلس الشورى أو مجلس الخبراء.
 إلا أن القدر المعلن أن الإصلاحيين حققوا اكتساحا فى العاصمة طهران بفوزهم بكل مقاعد تمثيل المدينة، وأن حضورهم فى مجلس الشورى سيكون قويا.

 أما مجلس الخبراء الذى ينتخب المرشد ويفترض أن يشرف على أدائه، فقد فاز بأعلى الأصوات فيه الرئيسان اللذان يدعمان قائمة الإصلاحيين، هاشمى رفسنجانى وحسن روحانى.

وقبل أن أعرض لملاحظاتى على المشهد ألفت الانتباه إلى الحذر من الاستسلام للانطباعات المتعجلة فى تقييم مواقف الإصلاحيين والمحافظين.

ذلك أن كل فريق يضم أطيافا عدة تلتقى فى نقاط وتختلف فى نقاط أخرى، وداخل كل منهما متطرفون ومعتدلون،
 لذلك فإن المصطلح فى الحالتين يتحدث عن ائتلاف بين جماعات عدة وليس عن جماعة واحدة.

وفى الآونة الأخيرة فإن الموقف من الاتفاق النووى كان من العلامات الفارقة فى مواقف المحافظين.
آية ذلك مثلا أن السيد على لاريجانى رئيس مجس الشورى المحسوب على المحافظين كان من مؤيدى الاتفاق، لذلك فإن المحافظين لم يدرجوه ضمن لائحتهم فوجد نفسه أقرب إلى الإصلاحيين، وفاز فى «قم».
وكان من أشهر مؤيديه الجنرال قاسم سليمان قائد فيلق القدس متعدد النشاط فى الإقليم، وهو الأقرب تقليديا إلى المحافظين.

أما الملاحظات الأساسية التى خرجت بها فإنها تتلخص فيما يلى:

<
فى الوقت الراهن فإن نتائج الانتخابات سيظل تأثيرها محصورا فى السياسات الداخلية، لأن السياسات الخارجية يقررها المرشد.
 بمعنى أننا لا ينبغى أن نتوقع تغييرا يذكر فى السياسة الخارجية الإيرانية فى الأجل المنظور.
إلا أن التغيير فى موازين القوى إذا ظل يرجح كفة الإصلاحيين فإن تأثيره سيكون أوضح فى الأجل البعيد.

<
إن الرموز الثلاثة الأبرز للإصلاحيين لا يؤيدون التمدد الإيرانى فى العالم العربى، وآراؤهم تلك يرددونها فى محيطهم الخاص.
على الأقل فهذا ما سمعته من العناصر التى تحيط بهم،
وهذه الآراء غير معلنة فى وسائل الإعلام التى تخضع لتوجيهات ومراقبة السلطة.
والرموز الثلاثة الذين أعنيهم هم الرؤساء، هاشمى رفسنجانى ومحمد خاتمى وحسن روحانى.

<
إن الإصلاحيين يستمدون قوتهم من الشارع الذى أعرب عن تأييده لهم بشدة فى طهران،
 أما المحافظون فهم يعتمدون على قوة مؤسسات السلطة التى يهيمنون عليها وقوة حرس الثورة، وهؤلاء جميعا يدينون بالولاء للمرشد السيد على خامنئى.

<
فى الوقت الراهن ثمة صراع مكتوم بين رئيس الجمهورية حسن روحانى الذى يقود الحكومة الشرعية، وبين حرس الثورة (باسداران) الذى يمثل الحكومة الفعلية التى تتحكم فى مصائر العباد والبلاد.

وقد ندد الرئيس روحانى أكثر من مرة بالفساد الشائع فى إمبراطورية حرس الثورة.
وتم ذلك التنديد تصريحا مرة وتلميحا عدة مرات. إلا أن الصدام لم يخرج إلى العلن بعد،
وقد يتفاقم إذا ما تعزرت مواقع الإصلاحيين بعد الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات.

<
إن احتمالات التغيير فى السياسة الخارجية الإيرانية واردة أكبر بعد رحيل المرشد البالغ من العمر ٧٦ عاما.
ورغم تواتر الشائعات حول إصابته بالسرطان، فإنه قيل لى إن حالته ليست بالتدهور الذى تروج له وسائل الإعلام، وإن الرجل لايزال يزاول رياضة تسلق الجبال فى شمال طهران ثلاثة مرات كل أسبوع. وهى الهواية التى يحرص عليها وله كتيب ألفه بخصوصا.

<
إن رياح الاتجاه إلى الغرب تهب قوية على إيران
(حسب استطلاع للرأى فإن ٨٠٪ من الإيرانيين يؤيدون ذلك الاتجاه).

وقد كانت زيارة الرئيس حسن روحانى إلى أوروبا فى أول رحلة له خارج بلاده دالة على ذلك (فى روما غطوا أحد التماثيل العارية مراعاة لمشاعره).

أما علاقات إيران مع الولايات المتحدة فهى تتحرك ببطء، وإن كانت صفحة الخصام فيها قد طويت. إلا أنها مرشحة للازدهار، خصوصا أن فى الولايات المتحدة ثلاثة ملايين ونصف مليون إيرانى، قدرت ثرواتهم بـ٤٠٠ مليار دولار، ولهم «لوبى» قوى هناك.

<
أخيرا فإن الشعور الوطنى والقومى فى إيران تعالت مؤشراته بقوة بعد توقيع الاتفاق النووى، الذى كان مطلبا محل اجماع مختلف التيارات،
وهذا التنامى له أصداؤه التى تهم العالم العربى كثيرا فى المرحلة القادمة.

(4)

لا يملك العرب ترف إغماض الأعين عن التحولات الحاصلة فى إيران.
لذلك فإن السؤال الكبير الذى تستدعيه هذه الخلفية هو:
كيف سيتعاملون مع الصعود المرتقب لوزنها ودورها فى المرحلة المقبلة؟

ــ أحاول الإجابة عن السؤال فى الأسبوع المقبل بإذن الله.

.....................

رسالة ملتبسة

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 20 جمادى الأولى 1437 29 فبراير 2016
رسالة ملتبسة - فهمي هويدي

الأصداء التي أحدثها خطاب الرئيس السيسي أمام مؤتمر رؤية مصر (في ٢٤/٢) جعلتني أسارع إلى الاستماع إلى نصه كاملا،
وكان ذلك أول ما فعلته بعد العودة من السفر.

ولست أخفى أن الخوف كان أكثر ما خرجت به من المحاولة التي كررتها مرتين لكي أستوعب ما سمعت.

ذلك أنني فهمت أن الرئيس كان غاضبا بشدة وأنه وجه كلامه الذي جاء مسكونا بالتهديد إلى ناقديه في داخل مصر وليس خارجها.

وهو في ذلك ذهب إلى ما هو أبعد من تنديده بما أسماه «حروب الجيل الرابع»، التي دأب إلى الإشارة إليها في معرض حديثه عن الشائعات والمعلومات المغلوطة التي يجرى الترويج لها عبر وسائل الإعلام.

هذه المرة دعا الرئيس الجميع لأن يسمعوا كلامه فقط، وطالب ناقديه بالتزام الصمت.
وإذ استهجن موقفهم وتساءل: من انتم؟، فإنه نسب إليهم السعي «لتقطيع» مصر،

وتحدث صراحة عن أنه لن يسمح بذلك، بل وسوف يسحق أي محاولة من ذلك القبيل، وكانت عبارته واضحة في أن من يضرب في مصر «هشيله من على الأرض».

كانت تلك هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس السيسي بهذه اللغة،
الأمر الذي يثير عديدا من الأسئلة عن الخلفيات التي دفعته إلى ذلك.
هل هي التقارير الأمنية التي نقلت إليه صورة مبالغا فيها للنشطاء أزعجته؟
أم أنها قياسات الرأي العام التي تعدها الأجهزة المختصة وحذرته من تململ الشارع المصري بسبب كثرة الحديث عن الغلاء والفساد؟
أم أنها الصراعات بين مراكز القوى في السلطة؟
أم أنها الحساسية وضيق الصدر بالآراء الأخرى المتداولة في بعض وسائل الإعلام؟

خلفية الكلام ليست واضحة، ولم يستطع المحللون والعارفون ببواطن الأمور أن يوضحوا لنا لماذا لجأ الرئيس إلى تبنى ذلك الأسلوب غير المألوف في خطابه، بحيث يوجه رسالته محملة بكل تلك الإشارات الملتبسة والمثيرة للغط، قبل أن يغادر البلاد في رحلته الآسيوية.

 إزاء ذلك تعددت أصداء الخطاب وتوزعت على اتجاهات عدة.

 إذ عمد البعض إلى التأويل والتخفيف من طابع الحدة فيه. فذكر هؤلاء أن الرئيس كان يقصد شيئا آخر غير الذي دل عليه ظاهر عبارات خطابه،
 فحين قال مثلا لا تسمعوا لأحد غيري فقد كان يقصد لا تسمعوا لدعاة الهدم والإحباط
 (وهو تفسير سلبي بدوره لأنه يعنى أن كل من قال كلاما مغايرا لما يقوله الرئيس فإنه يعد من دعاة الهدم والإحباط).

آخرون اتجهوا إلى التبرير بدعوى أن الكلام كان صادرا من القلب ومرتجلا،
ولذلك فإن الرئيس أراد أن يكون صادقا فخرج منه الكلام شفافا دون تشذيب أو تجميل.

فريق ثالث عبر عن صدمته وقلقه إزاء خشونة التعبيرات التي ذكر بعضهم أنها «نالت من صورة الرئيس بفداحة»

وقال أحدهم إن كلام الرئيس عن أنه إذا لم تكن معنا فاسكت من فضلك يوحى بأن موجة اعتقالات جديدة قادمة في الطريق، رغم أنه تحدث عن أنه لن تكون هناك إجراءات استثنائية قادمة.

هناك أيضا فريق «الشبيحة» الذين التقطوا عبارات الرئيس وحملوها بأسوأ معانيها وأقساها،
إذ اعتبروا أنه أراد أن يواجه أعداء الوطن وعناصر الطابور الخامس الذين يتربصون به.
وأنه بعباراته الشديدة أظهر العين الحمراء للذين ينتقدون السلبيات ويرفضون رؤية الإنجازات التي حرص الرئيس على التذكير يبعضها.

 أخيرا فإن شبكات التواصل الاجتماعي حفلت بمستوى آخر من الأصداء، أخذ فيه الشباب حديثهم وذهبوا في ذلك إلى أبعد مدى ممكن.

قلت في البداية إن الخطاب سرب إلى شعورا بالخوف لأنه عبر عن قدر لا يستهان به من ضيق الصدر بالنقد،
وأعطى انطباعا بأن النخبة مطالبة بأن تختار بين التأييد والموالاة أو الصمت، لأن كل كلام خارج تلك الحدود سيعد في قبيل تمزيق الوطن وإسقاط الدولة، الأمر الذي سيقابل بمنتهى الشدة والحزم.

هناك سبب آخر للخوف والقلق هو أن يكون الكلام موجها إلى جهات في الدولة أريد تحذيرها من أي تحرك يحاول استثمار الفراغ السياسي الراهن،
وهو ما أشار إليه زميل أفهمنا أنه مطلع ويعي ما يجرى وراء الكواليس.
وأشار في هذا السياق إلى وجود مراكز قوة جديدة خارج الشرعية الدستورية.

ما يثير الانتباه أن هذه اللغة التي لا توحي بالثقة والاطمئنان برزت إلى الأفق بعد الإعلان عن الانتهاء من استحقاقات خارطة الطريق (انتخابات مجلس النواب)،

وكان الظن أن ذلك يفتح الأبواب أمام طور آخر من الاستقرار، إلا أن أصداء الخطاب أعطت انطباعا بأننا بصدد الدخول في طور مختلف.
كأن تكون الحرب ضد الإرهاب قد استنفدت أغراضها، وأننا بصدد الانتقال إلى مواجهة المعارضة التي تعد «تصفية» منظمات المجتمع المدني من مقدماتها.
وهو ما أرجو أن تكذبه الأيام المقبلة.

....................

28 فبراير، 2016

لم ينشر مقال اليوم 28/2/2016

الأحد 19 جمادى الأولى 1437 - 28 فبراير 2016 

لم ينشر مقال اليوم للأستاذ فهمي هويدي في أي صحيفة (الشروق الجديد المصريه و السبيل الاردنيه و الشرق القطريه)
وصحيفة الشروق الجديد المصريه لم تنشر اعتذار اليوم
....................

27 فبراير، 2016

اعتذار عن عدم كتابه مقال 27/2/2016


صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 18 جمادى الأولى 1437 - 27 فبراير 2016
يعتذر الكاتب الكبير فهمي هويدي عن عدم كتابة مقاله في (الشروق ) نظرا لسفره خارج مصر

وسوف يعاود الكتابه لاحقا إن شاء الله

25 فبراير، 2016

اعتذار عن مقال 25/2/2016

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 16 جمادى الأولى 1437 - 25 فبراير 2016

يعتذر الاستاذ الكبير فهمي هويدي عن عدم كتابه مقالة اليوم

ويواصل الكتابة لاحقا بإذن الله
..............

24 فبراير، 2016

عرب أوروبا في أزمة

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 15 جمادى الأولى 1437 – 24 فبراير 2016
عرب أوروبا في أزمة - فهمي هويدي

هموم العرب في الشرق ألهتهم عن معاناة إخوانهم في الغرب.
وفي حين أن الأخيرين غادروا أوطانهم العربية الأصلية أملا في الاستقرار والبحث عن حياة أفضل في الدول الغربية، فإن الهم لاحقهم حيثما ذهبوا.

حدث ذلك بعدما تصور العرب أن وضعهم في أوروبا استقر وتحسن،
واقتنع نفر من الباحثين أن وضع الأوروبيين القريبين من العالم العربي أتاح لهم أن ينظروا إلى المجتمعات العربية نظرة أكثر صوابا وتفاؤلا، بخلاف الوضع في المجتمع الأمريكي الذي يحفل بالدعايات المضادة للعرب وتتعدد فيه المنابر المعادية لهم، خصوصا اللوبي الصهيوني صاحب النفوذ الأكبر في الكونجرس وفي وسائل الإعلام.

شجعتهم على ذلك التفاؤل عدة عناصر بدت إيجابية،
كان منها أفول التيار اليساري الأوروبي القديم الذي مثله تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق وكان معاديا للعرب ومنحازا إلى الإسرائيليين.
وهو ما اعتبر «تطورا يعبر الطريق أمام تحسن العلاقات العربية الأوروبية ويفسح المجال أمام صعود قيادات يسارية بريطانية وأوروبية أكثر نقاء والتزاما بالمبادئ الإنسانية وتجاوبا مع قضية فلسطين»-
والفقرة السابقة مقتبسة من تحليل لأزمة العرب في أوروبا للكاتب اللبناني رغيد الصلح المستقر في إنجلترا (الحياة ــ ١٠/٢).

 
التطور الثاني الذي أسهم في التفاؤل تمثل في موقف السيدة انجيلا ميركل المستشارة الألمانية التي انتهجت سياسة فتح الأبواب أمام المهاجرين العرب،
 الأمر الذي كان له أثره الإيجابي في التوجه السياسي للقارة، رغم حملات التحريض عليهم التي شنتها المنظمات الصهيونية والقوى اليمينية المتطرفة،

 تزامن ذلك مع النجاحات التي حققتها حملة مقاطعة إسرائيل، التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى عدم الاعتراف بمنتجات المستوطنات الإسرائيلية التي تفتقد إلى الشرعية من وجهة نظر القانون الدولي.

هذا التفاؤل تآكل بصورة تدريجية بفعل عاملين أساسيين هما:

 الأول تفجيرات تنظيم داعش في باريس التي وقعت في شهر نوفمبر من العام الماضي وأدت إلى مقتل ١٢٩ شخصا وإصابة المئات، واتهم فيها عرب يحملون الجنسية الأوروبية.

وأدت تلك التفجيرات إلى تأليب الرأي العام الفرنسي الأوروبي ضد العرب المسلمين، خصوصا بعدما أثيرت شكوك قوية حول احتمال تكرار التفجيرات في أقطار أوروبية أخرى.

 العامل الثاني تمثل في الاعتداءات البشعة التي تعرضت لها النساء أثناء الاحتفال بعيد رأس السنة الجديدة في مدينة كولون الألمانية،
واتهم في تلك الجرائم عدد من الشبان ذوى الأصول العربية، وتم الزج بالمهاجرين في قائمة المتهمين وهو ما فتح الأبواب واسعة أمام التيارات اليمينية والصهيونية لشن حملة قوية ضد الوجود العربي والمطالبة بتطهير ألمانيا منهم،

وكان التركيز على المهاجرين أشد رغم ما تبين من أن ثلاثة فقط من المهاجرين العرب شاركوا في تلك الأحداث من بين ٥٨ شخصا ألقى القبض عليهم بسببها.

ترتب على هذين العاملين أن ثقافة الترحيب بالمهاجرين العرب شهدت تراجعات ملحوظة، في حين علت الأصوات الداعية إلى تبنى سياسة ترحيلهم خارج الأقطار الأوروبية.

إذ لم تنقلب الصورة في ألمانيا فحسب وإنما كان لذلك الانقلاب أصداؤه في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي عقد في وقت لاحق،
 إذ شهد المؤتمر ما يشبه الإجماع على رفض الهجرة العربية والانتقاد المباشر وغير المباشر لموقف السيدة ميركل إضافة إلى الإعراب عن القلق إزاء ما اعتبر تهديدا لأوروبا،

 وصفه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بأنه بمثابة خطر «وجودي» يهدد نسيج الحياة في أوروبا، في إشارة غير مباشرة إلى الطابع العربي لتلك الهجرة.

وهو موقف تضامن معه وأيده رئيس حكومة الحزب الاشتراكي الفرنسي مانويل فالس الذي عبر عن مخاوفه على مستقبل القارة الأوروبية نتيجة فتح باب الهجرة إليها.

وكان رئيس الحكومة الروسية ديمتري مدفيديف الأعلى صوتا بين المشاركين في استهجان ومعارضة موقف المستشارة الألمانية.
حيث قال إنه «من الغباء فتح أبواب أوروبا مشرعة أمام المهاجرين ودعوتهم للقدوم إلى القارة» مضيفا أن سياسة الهجرة التي تتبعها أوروبا «فاشلة كليا».

الشاهد أن حملة رفض المهاجرين والمتجنسين العرب أصبحت تتزايد حينا بعد حين، الأمر الذي بات يهدد وجود نحو ٢٠ مليون عربي في أنحاء أوروبا،

وفي الوقت الذي تتفاعل المسألة على ذلك النحو فإن العالم العربي يقف مديرا ظهره لما يجرى هناك، ومستغرقا في همومه الداخلية.

 ومن المفارقات التي تثير الانتباه أن بعض الوفود والقيادات العربية حين تصل إلى العواصم الأوروبية، فإنها لا تكف عن الحديث عن الإرهاب ، رغم أن ثمة أنظمة عربية تمارس إرهابا كما هو الحاصل في سوريا والعراق،
وهناك أنظمة أخرى لا تعاني من المشكلة لكنها لا تتردد في وهم معارضيها بالإرهاب لتتذرع به في انتهاج سياسة القمع وتقييد الحريات.

الأمر لم يحسم تماما في أوروبا، لكن الجدل مستمر حول المصالح والمفاسد المترتبة على وجود العرب في القارة التي تعانى نقص الشباب وتراجع معدلات النمو السكاني

 وحتى الآن على الأقل لم نجد طرفا عربيا غيورا سعى إلى محاولة إقناع عقلاء الأوروبيين بأن المهاجرين ليسوا أشرارا وأن أسلمة أوروبا دعاية كاذبة، وأن العرب يمكن أن يشكلوا إضافة تسهم في إنعاش الاقتصاد الأوروبي، كما فعل الأتراك في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

قبل أن يهاجروا كان السوريون الذين انفرد بهم نظام الأسد يهتفون «ما إلنا غيرك يا الله»
ويبدو أنهم لن يتوقفوا عن ترديد الشعار حتى بعدما نجوا من القصف ووصلوا إلى القارة الأوروبية.
..........................

22 فبراير، 2016

لا تنتظروا اعتدالًا من المظلومين – المقال الاسبوعى

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 14 جمادى الاولى 1437 23 فبراير 2016
لا تنتظروا اعتدالًا من المظلومين – فهمي هويدي – المقال الاسبوعى

لا نستطيع أن نراهن على الاستقرار فى مصر ما لم نضع حدا للظلم وبغير ذلك، لن تكون للإرهاب نهاية.

(1)

هذه قصة صغيرة تثير القصة الكبيرة والخطرة المسكوت عليها، فقد نشرت الناشطة الشابة المصرية منى سيف رسالة على صفحتها على فيسبوك وجهتها إلى الأجانب بعد اكتشاف جثة الباحث الإيطالى ريجينى، حذرتهم فيها من القدوم إلى مصر لأى سبب،
 فذكرت أن مناخها بات موبوءا والموت والرعب ينتظر كل أجنبى،
 وأن السلطات المصرية عاجزة عن حماية الأجانب، بعدما أصبح الأجنبى معرضا للاتهام بأنه جاسوس فضلا عن أنه بات بوسع كل شرطى أن يحتجز أو يعذب أى عابر سبيل فى الطريق لأى سبب... إلخ.

بعدما ظهرت الرسالة على صفحتها على موقع فيسبوك انتقدها كثيرون، وكان أبرزهم الكاتب القدير والمناضل اليسارى المخضرم الأستاذ صلاح عيسى.
إذ نشر تعليقا على دعوتها استهله بالعبارة التالية:

لا أعرف على وجه التحديد طبيعة المشاعر التى دفعت منى سيف إلى كتابة الرسالة.
مضيفا أنها «لو وجهت ضد نظام الحكم الحالى أو ضد الشرطة والقوات المسلحة لا يمكن اعتبارها ــ مع كثير من التسامح ــ مجرد وجهة نظر سياسية خاطئة ومضرة، تتصادم مع وجهة نظر أغلبية المصريين الذين يساندون النظام،

ولكن الرسالة فى جوهرها تتوجه ضد الشعب المصرى.
 إذ هى بدعوتها السياحة الأجنبية لعدم زيارة مصر تسعى إلى زيادة الصعوبات الاقتصادية والمعيشية التى يعانيها المصريون منذ سنوات،
 كما أنها تتبنى وجهة نظر فوضوية يتوهم أصحابها أن الوسيلة الوحيدة لدفع الشعب المصرى ليتخلى عن مساندة نظام الحكم الحالى هى تجويعه وتصعيب الحياة اليومية عليه،

وختم الأستاذ صلاح تعقيبه قائلا إن منى سيف وأمثالها من الفوضويين الذين يتوهمون أنهم ثوريون، وأنهم يدافعون عن حقوق الإنسان وعن الديمقراطية،
وأنهم يحاربون ما يسمونه سلطة الانقلاب فى حين أنهم لا يحاربون إلا الشعب المصرى.

(2)

أتفق مع الأستاذ صلاح عيسى فى موقفه، وأعارضه فى الحجج التى أوردها.
بما يعنى أن الإدانة فى محلها إلا أن المنطوق معيب والحيثيات مشوبة بالتغليط،

 ذلك أننى معه فى أن دعوة الأجانب لعدم القدوم إلى مصر أيا كان الموقف من نظامها خطأ جسيم.

 مع ذلك فقد استغربت قوله إنه لا يعرف طبيعة المشاعر التى دفعتها إلى كتابة ذلك الكلام.
 إذ توقعت أن يكون هو من أكثر الناس معرفة بظروفها وطبيعة مشاعرها.
 فهى ابنة أسرة عانت طويلا من الظلم والاضطهاد.
بدءا من الأب والشقيقة وانتهاء بشقيقها علاء الذى يعد من أشهر المساجين المصريين الذين دفعوا ثمنا باهظا لاعتراضهم على المحاكمات العسكرية ولمواقفهم السياسية، وهو ينفذ الآن حكما بسجنه خمس سنوات.

 إذ حين تمر الفتاة بهذه التجربة ــ (فى محيطها المباشر، ناهيك عن غير المباشر) فلا يستغرب أن تمتلئ بالنقمة والسخط،
 وتلك خلفية تساعدنا على تفهم موقفها الذى دفعها إلى التعبير عن نفسها بذلك الأسلوب.

عندى ثلاث ملاحظات على مضمون تعليق الكاتب القدير:

<
إن ما صدر عن الأستاذة منى سيف بولغ فى حجمه بأكثر من اللازم.
 ذلك أننى لم أسمع به إلا بعد التعليق الذى صدر عن الأستاذ صلاح عيسى،
لذلك فادعاؤه بأن ما ذكرته على صفحتها الخاصة يمكن أن يؤدى إلى تطفيش المستثمرين والسياح وتجويع المصريين وتهديد مستقبل الشعب المصرى، كلام يعطيها وزنا أكبر مما ينبغى ويحمل كلامها بأكثر مما يحتمل.

 ذلك أنه ليس أكثر من «فشة خلق» لا تستحق أكثر من العتاب، لا التهويل الذى يمكن أن يؤدى إلى تجريمها ومحاكمتها.

< إن الأستاذ صلاح فى مرافعته وسعها «حبتين» حين ذكر أن كلامها كان يمكن التسامح معه لو أنه كان ضد نظام الحكم الحالى أو أنه كان ضد الشرطة والقوات المسلحة،

وذلك إفراط شديد فى التفاؤل، لأن الكاتب يعلم أن ثمة شبابا كثيرين يقبعون بلا محاكمة فى السجون منذ سنة أو سنتين لانهم اتهموا بما هو دون ذلك بكثير،
أحدهم صبى معتقل منذ ٧٠٠ يوم لمجرد أنه ارتدى يوما ما قميصا «تى شيرت» كتبت عليه عبارة «وطن بلا تعذيب».

< إننى تمنيت ألا يضم الأستاذ صلاح المدافعين عن حقوق الإنسان والديمقراطية الذين يمثلون بعض آمالنا فى انصلاح الأحوال، ضمن الفوضويين، خصوصا أنه كان يوما ما من ضحايا غياب الديمقراطية واستمرار الانتهاكات التى عانت منها أسرة الأستاذة منى سيف.

(3)

القضية أكبر بكثير من كونها رأيا ناقما وردًّا عليه.
ذلك أن حالة الأستاذة منى تنبهنا إلى خطورة ما يحدثه الظلم والاضطهاد فى عائلات ومحيط المظلومين، فإنزال الظلم بأناس والتنكيل بهم لا يروعهم أو يصيبهم وحدهم،
ولكنه يشيع درجات من السخط والغضب فى أسرهم، ويجعل أبناءهم وأشقاءهم بمثابة كيانات مملوءة بالنقمة،
وهو ما يحولهم إلى مشروع ألغام وقنابل موقوتة جاهزة للانفجار فى أى وقت.

وإذا انتبهنا إلى أن المساجين السياسيين يقدر عددهم بأربعين ألفا، حسب التقديرات الحقوقية، فذلك يصور لنا النتائج السلبية الفادحة التى تترتب على استمرار احتجازهم وتلفيق القضايا لهم.

إذ إن ذلك يحول ذويهم إلى جيش من الساخطين على كل شىء فى البلد،
 وهؤلاء يصبحون جاهزين لممارسة العنف بمختلف درجاته، بما فى ذلك العمليات الانتحارية.

مشهورة عبارة ابن خلدون التى ذكر فيها أن الظلم مؤذن بفساد العمران، إلا أن خبرة ذاكرة القهر علمتنا أن الظلم يخرب الإنسان أيضا وليس العمران وحده.

وذاكرة القهر عنوان لكتاب للدكتورة بسمة عبدالعزيز درست فيه باستفاضة حالات المعذبين، الذين تعرضوا للتشويه النفسى والبدنى.

موقف الأستاذة منى سيف يعد نموذجا مخففا للغاية لأصداء الظلم فى محيط المظلومين،
وهو الجانب المسكوت عليه رغم أنه يختزن مشاعر النقمة والعنف ويجهز لعوامل الانفجار

لذلك فلا بد أن يدهش المرء إزاء تعدد التجارب المعاصرة التى كان فيها الظلم أحد أهم مصادر العنف فى المجتمعات العربية، بحيث ظل بطش السلطة ملهما ومعلما لشيوع العنف فى تلك المجتمعات.

مع ذلك فإن أحدا لم يتعلم أو يعتبر، لا من تجربة جماعة التكفير التى ظهرت فى مصر خلال سبعينيات القرن الماضى،
ولا من نموذج تنظيم داعش الذى يروع كثيرين هذه الأيام بعدما ألقيت بذوره فى السجون العراقية والسورية.

استوقفنى فى هذا السياق تقرير بثته وكالة «رويترز» للأنباء (فى ١٥/٢) تحدث عن محاولات داعش اختراق الواقع المصرى،

 قالت فيه إن الأجواء السائدة فى البلاد أحدثت تدهورا فى الأوضاع الأمنية، تزامن مع الفراغ الأيديولوجى الناشئ عن استمرار الصراع مع الإخوان،
الأمر الذى وفر أرضا خصبة تمكن التنظيم الإرهابى من مد نشاطه إلى مصر.
لم أستطع التثبت من أصل التقرير ولكننى وجدت خلاصة له نشرتها صحيفة الديار اللبنانية فى ١٦/٢.

فى اليوم ذاته ١٥/٢ نشرت جريدة «الشروق» تقريرا تحدث عن التحاق مئات من شباب الإخوان الذين لجأوا إلى تركيا إلى تنظيم داعش.
ونسب التقرير معلومة إلى شخص باسم محمد هرب بعد أن وضع اسمه فى أحد محاضر الضبط والإحضار على ذمة قضايا للتظاهر بدون ترخيص، الأمر الذى اضطره للهرب «لأن ذلك أفضل من السجن».

إذا صحت معلومات جريدة «الشروق»، فلن يكون ذلك التقرير الأول من نوعه، لأن الصحف المصرية دأبت على الحفاوة بانفراط عقد الجماعة وإبراز خلافات قياداتها وتمرد شبابها، مع إشارات مستمرة إلى العلاقة المفترضة بين الإخوان وتنظيم داعش الذى أفتت قياداته فى وقت سابق بتكفيرها.

هذا كله لا أستبعده، خصوصا أن بعض الباحثين الجادين الذين تطرقوا إلى حاضر الجماعة ومستقبلها توقعوا وحذروا من تحول بعض شبابها إلى داعش، إذا تمكن منهم اليأس والإحباط وأمام انسداد الأفق الذى لا يتيح لهم التعلق بأى أمل فى المستقبل.

(4)

هل هذا المصير ــ إذا تحقق ــ يخدم الاستقرار والمصلحة الوطنية؟
هل المطلوب أن نصيب الأبرياء باليأس، ويملأهم الغضب والنقمة بحيث يصبح خيار العنف الوحيد المتاح أمامهم؟
 وهل هذا النهج يسهم فى مكافحة الإرهاب أم أنه يحث عليه ويوسع نطاقه؟

ــ أكرر أننى أتحدث عن الأبرياء الذين أشير إلى مظلوميتهم أكثر من مرة.
 وليس عندى أى دفاع أو أعذار لمن ثبت تورطهم فى العنف، إذا ما تم ذلك من خلال تحقيق نزيه وليس اعتمادا على تقارير كيدية ملفقة.

يثير الدهشة أن ذلك الموضوع مسكوت عليه، رغم انه بات ينذر بخطر لا ينبغى لمسئول عاقل أن يتجاهله.
وتتضاعف الدهشة حين نفاجأ بأن الجهاز الأمنى المنسوب إليه إيقاع الظلم وممارسة التعذيب دفع أخيرا باتجاه إغلاق مركز «النديم» لعلاج ضحايا التعذيب.

إذ بدلا من مراجعة سياسة التعذيب وتخفيف حدة الغضب والاحتقان، فإن السياسة الأمنية أرادت للتعذيب أن يستمر على وتيرته، وألا يمكن ضحاياه من الشفاء والتعافى بما يمكنهم من التصالح مع المجتمع.

فى الأجواء الراهنة الملتبسة والملبدة بالغيوم فإن دائرة التشوه اتسعت كثيرا.
إذ تجاوزت الضحايا وأسرهم إلى المجتمع بأسره. الذى بات يستقبل أخبار «التصفية» بعدم اكتراث مستغرب.
 بحيث ما عاد أحد يهتز ضميره الإنسانى حين يقرأ أن عشرة أو عشرين شخصا تمت تصفيتهم بقذيفة من الجو،

ولا يتساءل كيف ثبت أن هؤلاء إرهابيون ولا عن احتمال أن يكون بينهم برىء أو مستحق للسجن وليس القتل.

 بل حين ألغت محكمة النقض حكما بإعدام ١٥٠ شخصا، ولم تبرئهم وإنما دعت إلى إعادة محاكمتهم أمام دائرة أخرى، فإن بعض الأصوات عبرت عن الغضب والاحتجاج لأن الإعدام تأجل، فى انحياز صريح إلى القتل والدم واستهجان للإنصاف والعدل.

إن الاستغراق فى مواجهة التطرف والإرهاب صرف الانتباه عن إذكاء الاعتدال والدفاع عنه.
رغم أن الأول استثناء عارض والثانى يمثل الأصل الذى ينبغى أن نثبته ونعض عليه بالنواجذ.

ولم يخل الأمر من جوانب أخرى عبثية، بحيث صارت بعض الجهات تحارب الإرهاب بالمؤتمرات والبيانات والمقالات، فى حين تركت تفاعلات المجتمع وثمار السياسات المتبعة تخصم من رصيد الاعتدال حينا بعد حين، بحيث مضت تزود التطرف والإرهاب بالغاضبين والناقمين الذين وجدوا الخلاص فى التفجير والعمليات الانتحارية.

إننا لا نستطيع أن نراهن على الاستقرار ولا الاعتدال ما لم نطو صفحة الظلم بما يحيى الأمل عند الناس ويعيد بسمة الرضى والاطمئنان إلى وجوه الضحايا وذويهم المقهورين.

...................

Delete this element to display blogger navbar