Subscribe:

Ads 468x60px

31 يناير، 2016

حلف لم نسمع به

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 22 ربيع آخر 1437 – 1 فبراير 2016
حلف لم نسمع به - فهمي هويدي

ثمة لغط يبعث على الحيرة والقلق في شأن العلاقات المصرية الإسرائيلية، التي تشير قرائن عدة إلى أنها باتت تحتاج إلى تحرير يوضح خطوطها الصفراء والحمراء.

ولست أخفى أن تلك الحيرة انتابتني حين صوتت مصر لأول مرة في تاريخها لصالح ضم إسرائيل لعضوية إحدى لجان الأمم المتحدة في شهر أكتوبر من العام الماضي.

 ولم اقتنع بالتبريرات التي ذكرت آنذاك. التي كان منها أن ما حدث كان نتيجة التباس وخطأ في تلقى التعليمات.
 وكنت قد سمعت ذلك من أحد المراجع ذات الصلة بدوائر القرار في مصر.

تجددت عندي تلك الحيرة المشوبة بالقلق بعدها وقعت على مقال افتتاحي نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» يوم الخميس الماضي (٢٨/١)، كتبه صحفي إسرائيلي مهم هو أليكس فيشمان المحلل العسكري المعروف بصلاته الوثيقة بأركان السلطة وأجهزة الأمن.

 إذ ذكر الرجل في مقاله أن هناك تحالفا أمنيا اقتصاديا نسج في الخفاء على أساس «استراتيجي صلب» يضم كلا من اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر، وبشكل غير مباشر الأردن.
وهو ما أطلق عليه وصف «حلف دول الحوض الشرقي للبحر المتوسط»، (تركيا مستبعدة منه لأسباب مفهومة)،

أشار الكاتب إلى أن رئيس وزراء اليونان إليكس سفراس وبعض وزرائه وصلوا إلى إسرائيل يوم الأربعاء (السابق على نشر المقالة) للمرة الثانية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة للتباحث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي حول التعاون الأمني بين البلدين في مكافحة الإرهاب، إضافة إلى التعاون في مجال الطاقة الاقتصادية

 ــ ذكر فيشمان أيضا أن الأتراك «قلقون» من محور البحر المتوسط الجديد بسبب إمكانية عزلهم، «ليس فقط عسكريا بل واقتصاديا أيضا»
مشيرا إلى أن إسرائيل متمسكة بعلاقتها مع اليونان على حساب الأتراك،
 ومشددا على أن مصر تنظر «بعين الاشتباه» إلى كل تقارب إسرائيلي مع تركيا التي وصفها بأنها «منبوذة»،
وأكد في هذا الصدد على أن مصر من وجهة النظر الإسرائيلية تعد «مرسى استراتيجيا ثانيا في الأهمية بعد الولايات المتحدة».

هذا الحلف الذي تحدث عنه المحرر العسكري الإسرائيلي لم نسمع به من قبل ولا أريد أن أصدق وقوعه،
 ولفت نظري أن الموضوع على أهميته قوبل بصمت من جانب القاهرة، فلا هو صوب أو كذب، على الأقل خلال الأيام الأربعة التي أعقبت النشر.
وهو ما يفتح الباب للتأويل والبلبلة والذهاب بعيدا في إساءة الظن.

يسهم في البلبلة أن اليونان وقبرص تقومان بدور مشبوه لصالح إسرائيل في الساحة الأوروبية،

 وحسبما ذكرت التقارير الإسرائيلية فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اعتمد عليهما في مساعيه لتخفيف العقوبات التي كان يفترض أن يقررها وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بخصوص تمييز منتجات المستوطنات في الأسواق الأوروبية بسبب عدم اعتراف القانون الدولي بشرعيتها.

وقد أدان المجلس المركزي الأرثوذوكسي في فلسطين هذا الأسبوع سياسة الحكومتين اليونانية والقبرصية المنحازة لإسرائيل.

وأصدر المجلس يوم الجمعة الماضي (٢٩/١) بيانا ذكر البلدين بما تمارسه حكومة إسرائيل من تعسف وبطش ضد المسيحيين وعموم الشعب الفلسطيني.

وانتقد البيان زيارات المسئولين اليونانيين والقبارصة لإسرائيل مشيرا إلى أن المجلس الأرثوذوكسي «ينظر باستغراب شديد إلى هذا التحول في المواقف السياسية والاقتصادية من جانب الحكومتين الصديقتين، الذي سيؤثر بصورة سلبية على حقوقنا الوطنية والسياسية والاقتصادية».

أشار التقرير الذي نشرته صحيفة «الحياة» اللندنية عن الموضوع يوم السبت ٣٠/١ إلى أن الأرثوذكس يشكلون الغالبية العظمى من مسيحيي فلسطين ويتبعون الكنيسة اليونانية.
كما أن الكنيسة الأرثوذوكسية تمتلك ١٥٪ من أراضى فلسطين التاريخية.
وتقع بعض أملاكها في مواقع حساسة مثل القدس القديمة التي تمتلك الكنيسة الجزء الأكبر منها.

ذكر التقرير أيضا أن دير مار يوحنا الذي يقع في قلب مدينة القدس والمجاور لكنيسة القيامة مغتصب من قبل المستوطنين الصهاينة ولم يبذل أي جهد لاسترداده.

ونقل عن بيان المجلس المركزي الأرثوذوكسي أمله في أن تؤيد الحكومتان الصديقتان «نضالنا ضد تسريب وتهويد العقارات والأوقاف والإرث التاريخي الأرثوذوكسي..
الأمر الذي يسهم في هجرة أبنائنا العرب المسيحيين عموما والأرثوذكس خصوصا، مما يسهم في إفراغ الوطن من مكون أساسي من مكوناته».

تطول قائمة الأسئلة الحائرة والقلقة، بحيث تتجاوز مسألة الحلف الذي تحدث عنه المحلل العسكري اليكس فيشمان، لتشمل طبيعة وآفاق التعاون القائم بين مصر من جانب واليونان وقبرص من جانب آخر.
وأرجو ألا تطول حيرتنا بحيث نظل فريسة للبلبلة والشكوك.

.........................

استجواب صار ضروريا

صحيفة السبيل الاردنيه الأحد 21 ربيع آخر 1437 31 يناير 2016
استجواب صار ضروريا - فهمي هويدي

في الصباح قام أمناء الشرطة بضرب وسب وسحل اثنين من أطباء مستشفي المطرية بالقاهرة، فقاما بتحرير محضر ضد المعتدين.
 وفي المساء تنازلا عن المحضر. وكتب أحدهما على صفحته قائلا:
 إنه وزميله حاولا الدفاع عن كرامتهما كأطباء، لكنهما أدركا أنهما لن يحصلا على شيء.
وأنهما سيتعرضان لمزيد من الإهانة. وربما دخلا إلى السجن ولن يخرجا منه.

هذه القصة ظلت موضوعا شغل مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال يومي الخميس والجمعة الماضيين (٢٨ و٢٩ يناير).

وبعدما نقلت إلينا بعض صحف السبت خبر التنازل فإنني أخشى أن يتصور البعض أن الموضوع طويت صفحته وأنه يمكن أن ينسى بمضي الوقت،
ولا أعرف ماذا سيكون موقف نقابة الأطباء التي استنفرها ما جرى، إلا أنني أزعم أنها لا ينبغي أن تقف وحدها في التعامل مع الأزمة.
ذلك أن حدودها تتجاوز النقابة. والإذلال والقهر الذى شابها يكشف عن وجه يهم المجتمع بأسره، وينبه إلى خطورة المدى الذى ذهب إليه توحش الشرطة واستهتارها.
وهو ما تكشف عنه تفاصيل القصة التي نحن بصددها.

ذلك أن أمين الشرطة ذهب في الصباح الباكر إلى المستشفي بإصابة بسيطة في جبهته، حسب تقرير الطبيب الجراح الذى استقبله، إلا أن صاحبنا طلب منه شهادة تتضمن معلومات مزورة عن الإصابة.
 وحين رفض الطبيب ذلك بحضور زميله ومساعديه فإنه تعرض للإهانة والسباب من قبل أمين الشرطة، الذى استدعى زميل له في سيارة تابعة لقسم المطرية مع بعض الأمناء الآخرين.
وهؤلاء قيدوه وأرادوا اصطحابه إلى القسم، وحين رفض فإنهم انهالوا عليه بالضرب وسحلوه وجروه حتى أدخلوه في سيارتهم وبعدما حملوه وأهانوه هو وزميله وأبقوهما في القسم بعض الوقت.
طلب أحد الضباط إعادتهما إلى المستشفي مرة ثانية، حيث حررا محضرا بالواقعة سجلا فيه ما تعرضا له.

ما حدث بعد ذلك لا يقل سوءا وربما كان أخطر في دلالته.
 ذلك أن أمين الشرطة الذى اعتدى على الطبيب وزميله حرر بعد عدة ساعات محضرا في قسم الشرطة ضد الطبيب، اتهم الجراح فيه بالاعتداء عليه بالضرب
وأيد ذلك بشهادة حملت اسم طبيب عظام وتحمل ختم مستشفي هليوبوليس (في مصر الجديدة) أفادت بأنه أصيب بكسر مضاعف بساقه اليمنى من جراء الاعتداء المزعوم.

 إزاء ذلك نسيت الواقعة الأولى التي تمثلت في ضرب وسحل الطبيب والاعتداء عليه بكعب «الطبنجة». وفتح تحقيق مع الطبيب المجنى عليه الذى أصبح متهما بالاعتداء على أمين الشرطة.

وأثناء ذلك أبلغ بأنه وزميله يمكن أن يحتجزا في قسم شرطة المطرية لمدة أربعة أيام لاستكمال التحقيق.
ومورست على الاثنين ضغوط عدة من جانب ضباط الداخلية ورجال الأمن الوطني للتنازل عن المحضر الأول.

 إزاء ذلك فإنهما أصبحا مخيرين بين الاستجابة للضغوط والقيام بالتنازل أو التمسك بالمحضر والقبول بالاحتجاز في قسم المطرية لمدة أربعة أيام على ذمة المحضر الثاني. فاختارا التنازل وعاد كل منهما إلى بيته ذليلا ومنكسرا.

في الوقت ذاته فإن زملاءهما في مستشفي المطرية كانوا قد قرروا الامتناع عن العمل وإغلاق استقبال المستشفي في حين دعا نقيب الأطباء إلى اجتماع طارئ لمجلس النقابة لبحث الأمر.
إلا أنه ليس معروفا مصير هذه الإجراءات بعد تنازل الطبيبين عن الشكوى.

المشهد يستدعى عدة ملاحظات أهمها ما يلي:

*
إن ذلك حدث من جانب شرطة قسم المطرية الذى يعرف باسم «السلخانة» ويشهد تاريخه بأنه أحد مراكز التعذيب التي لا يخرج منها المحبوس سليما،
وفي تقرير لمركز النديم لعلاج ضحايا التعذيب أن القسم شهد ٨ حالات وفاة من جراء التعذيب خلال الخمسة عشر شهرا الماضية.

*
إن الإهانة والإذلال لم تعد من نصيب السياسيين وحدهم، وإنما أصبحت سلوكا متبعا مع المواطنين العاديين من أمثال الطبيبين وغيرهما.

*
إن الشرطة في تخويف الطبيبين استعانت بالنيابة التي هددتهما بالحبس كما أنها وفرت الشهادة الطبية المزورة التي بينت أن أمين الشرطة تعرض للاعتداء من جانب الطبيب وليس العكس.

*
إن ذلك يتعذر اعتباره سلوكا فرديا ولا حالة استثنائية لأن عضو نقابة الأطباء الدكتور خالد سمير ذكر أن الأطباء تعرضوا لخمسة آلاف اعتداء خلال السنوات الخمس الأخيرة، من رجال الشرطة وغيرهم، ولم يحاسب أحد على ذلك.

*
إن وكيلة نقابة الأطباء الدكتورة منى مينا شهدت بأن الطبيبين تعرضا للتهديد بالحبس من جانب عناصر الأمن الوطني، وهو ما اضطرهما للتنازل عن حقهما لكى لا يتعرضا لما هو أتعس.

الواقعة تعد امتدادا لشيوع استهتار الشرطة بكرامة المواطنين، كما أنها تجسد قدرتها على الالتفاف على القانون وتلفيق التهم للأبرياء.

 من خلال التلاعب في التحقيقات والشهادات الطبية. وهى خلفية تعنى أن ثمة ثغرات وسلوكيات خطيرة لابد أن تصحح كي لا تتكرر نقمة المجتمع على الشرطة وسخطها على ما تمارسه من بطش.

وحين يحدث ذلك في الوقت الذي تمتلئ فيه الصحف بأخبار الملايين التي توزع بغير حساب ودون وجه حق على بعض رجال الشرطة، فذلك يعنى أن ذلك المرفق المهم يحتاج إلى مراجعة جذرية وإعادة هيكلة شاملة.

وهو ما يستحق استجوابا في مجلس النواب أرجو أن يحمله الذين يسعون إلى دعم الدولة، الذى أفهم أنه لا يتحقق بالتستر على بطش الشرطة وإهدار كرامة المواطنين.

...........................

29 يناير، 2016

تلك اللحظة النادرة

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 20 ربيع آخر 1437 30 يناير 2016
تلك اللحظة النادرة – فهمي هويدي

حين تصبح ثورة ٢٥ يناير موضوعا خلافيا فى مصر، فذلك يعنى أن ثمة خللا فادحا فى الإدراك وتغليطا جسيما فى قراءة التاريخ وازدراء مدهشا لحركة الجماهير وانتفاضة المجتمع.

ذلك أننى لا أعرف فى التاريخ المصرى المعاصر ثورة بعمق وشمول ذلك الحدث الكبير الذى وقع فى عام ٢٠١١.
حتى أزعم أن ما جرى آنذاك بمثابة لحظة نادرة يصعب تكرارها فى الأجل المنظور على الأقل.

لذلك فإننى لم أستسغ الذعر الذى انتاب أجهزة السلطة المصرية حين حلت الذكرى الخامسة للثورة ولا التعبئة الإعلامية الكبيرة التى استهدفت التحذير من التظاهر فى ذلك اليوم.
ولا تلك التى وصفت الداعين إلى التظاهر بالمروق والخيانة.

 أما الذى لم أفهمه وتعجبت له كثيرا أن ترتفع بعض الأصوات التى سعت إلى الطعن فى ثورة يناير. وتصويرها باعتبارها فعلا سياسيا فاضحا ومؤامرة كونية استهدفت إسقاط الدولة المصرية.
 ولم يدرك أصحاب تلك الأصوات أنهم بذلك يلطخون ويهينون أنصع صفحات التاريخ المصرى وأجمل وأنبل إبداعات الشعب المصرى.

كنت خارج مصر حين حلت الذكرى الخامسة فى ٢٥ يناير. وراعتنى أصداء الإهانات والبذاءات التى صدرت بحق الثورة من جانب بعض الأصوات، وهو ما عبرت عنه عدة كتابات و بثته بعض البرامج التليفزيونية.

الأمر الذى أشاع حالة من الانكسار فى أوساط المصريين المغتربين والبلبلة عند غير المصريين والشماتة فى محيط الكارهين والمتربصين.

وحين كنت ألمس تلك الانطباعات وراء ما وجه إلى من أسئلة فإننى لم أملّ من التأكيد على أن الإعلام المصرى الراهن هو أسوأ تعبير عن المجتمع المصرى.

 أما حجتى فقد كنت أسوقها على النحو التالى:

خلال القرنين الأخيرين شهدت مصر خمس ثورات.

الأولى قادها محمد على باشا فى عام ١٨٠٣ واستثمر فيها ثورة المصريين ضد المماليك بحيث حقق طموحه فى الولاية بمساندة جنوده الألبان،
ونجح فى طرد الوالى العثمانى، ثم قام بحملته الإصلاحية بعد ذلك.

الثانية كانت بعد ذلك بثمانين عاما حين قاد أحمد عرابى باشا الثورة ضد هيمنة الشراكسة وسلطان الخديوى توفيق.
لكن جهوده أحبطت بالاحتلال الانجليزى لمصر عام ١٨٨٢، ونفى عرابى إلى خارج البلاد.

الثالثة كانت ثورة ١٩١٩ التى كانت ضد الاحتلال البريطانى وقادها سعد باشا زغلول.
وكان غضب الشعب قد انفجر بعد نفى سعد باشا ورفاقه وترددت أصداء الغضب فى مختلف أنحاء القطر المصرى على نحو فاجأ الانجليز فأطلقوا سراح سعد باشا وفاوض الانجليز بعد ذلك على إنهاء الانتداب وإجراء بعد الإصلاحات فى الداخل.

 الثورة الرابعة قادها الضباط الأحرار فى عام ١٩٥٢، الأمر الذى انتهى بتنازل الملك فاروق عن العرش وتحول مصر من ملكية إلى جمهورية.

 أما الثورة الخامسة فكانت تلك التى انتفض فيها الشعب المصرى فى ٢٥ يناير عام ٢٠١١.
وهذه جاءت فريدة فى بابها على نحو لم يعرفه التاريخ المصرى المعاصر ـ لماذا؟

ردى أنها الثورة الوحيدة التى قام بها الشعب بكامله وبكل فئاته وأطيافه دون استثناء. فلا دعا إليها زعيم أو حزب أوقوة من أى نوع. وإنما دعت إليها مجموعات الشباب الوطنيين العاديين.

وإذا كنا قد عرفنا دور محمد على باشا فى انتفاضة بداية القرن ثم دور عرابى باشا وبعده سعد زغلول باشا ثم دور مجلس قيادة الثورة وقيادته التى نصب لها اللواء محمد نجيب ثم آلت القيادة إلى جمال عبدالناصر.
فإن أحدا لا يستطيع أن ينسب ثورة ٢٥ يناير إلى أى زعامة أو حتى مشروع سياسى.
وإنما غاية ما يمكن أن يقال إن الشعب هو الذى تظاهرت جموعه داعية إلى إسقاط النظام وأنه هو الذى أسقطه وهو الذى استدعى القوات المسلحة التى فرضت على حسنى مبارك تنازله عن السلطة.

وإذا كانت هناك مقارنة، فربما كانت ثورة ١٩١٩ هى الأقرب إلى ثورة يناير، ولها منجزاتها التى ظهرت للعيان بأكثر مما ظهر فى أعقاب ثورة يناير.
فالتشابه قائم بين الثورتين فى حجم الالتفاف الشعبى واسع النطاق الذى اقترن بذوبان الجميع فى بوتقة الثورة.

لكن ثورة ١٩ أفضت إلى إلغاء الحماية البريطانية وإلغاء الأحكام العرفية وإصدار دستور ١٩٢٣ الذى أعقبه إجراء أول انتخابات نزيهة فاز فيها حزب الوفد ورأسها سعد باشا.

ومن التداعيات المهمة لثورة ١٩ أن سعد باشا حين أرسى الأساس لتنظيم حزب الوفد فإنه أقام ظهيرا شعبيا تبنى مشروعه.
كما أنها أدت إلى استدعاء المجتمع الذى أصبح قوة ثالثة لها يعمل لها حساب.
 الأمر الذى غير المعادلة التى تحدث عنها أحمد لطفى السيد باشا حين قال فى بداية القرن إن فى مصر قوة شرعية ممثلة فى الخديوى وأخرى فعلية تمثلت فى الاحتلال البريطانى.
وبعد ثورة ١٩ برز المجتمع كقوة ثالثة أثبتت حضورها فى الساحة.

تمنيت فى مناسبة الذكرى الخامسة أن يجرى حوار جاد حول النجاحات والإخفاقات، لكن ذلك لم يتحقق للأسف، بحيث لم نعرف مثلا ما الذى حدث منذ رفعت فى عام ٢٠١١ شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية،
ثم أصبحت النداءات فى عام ٢٠١٦ تطالب بوقف الاختفاء القسرى وإدخال البطاطين والأدوية إلى سجن العقرب
 ــ وذلك سؤال أحاول الإجابة عليه فى حديث آخر

......................

28 يناير، 2016

اعتذار عن مقال 28/1/2016

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 18 ربيع آخر 1437 - 28 يناير 2016
..............................

26 يناير، 2016

أتكون من علامات الساعة؟

صحيفة السبيل الاردنيه الاربعاء 17 ربيع آخر 1437 – 27 يناير 2016
أتكون من علامات الساعة؟ - فهمي هويدي

«
إسرائيل» قلقة من تأييد وزراء الاتحاد الأوروبي تمييز منتجات المستوطنات في الأسواق الأوروبية، باعتبارها قادمة من أراض محتلة غير معترف بشرعيتها،
 الأمر الذي يعرضها للمقاطعة من جانب المستهلكين.

 ذلك أن قرارات المنظمة الدولية تعترف ب»إسرائيل» في حدودها حتى عام ١٩٦٧، وتعتبر ما عدا ذلك أرضا محتلة يبطل القانون الدولي أي تغييرات تجريها الدولة المحتلة عليها.

انزعجت «إسرائيل» من هذا الموقف. وقرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مقاطعة الاتحاد الأوروبي ووصف موقفه بأنه «غير أخلاقي».
كما استدعت ممثل الاتحاد الأوروبي لديها وأبلغته باحتجاجها،
 وأوفدت ممثليها إلى العواصم الأوروبية لإثنائها عن تأييد القرار.
 كان أحدثهم رئيس الكنيست بولي أدلشتاين الذي عقد اجتماعا لهذا الغرض في برلين مع رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتس،
وقال إن بلاده ستصمد في وجه القرار، وقد نلجأ إلى القضاء لإبطاله.
وأضاف أن مقاطعة المنتجات الإسرائيلية ستؤدى إلى قطع مصدر رزق عمال فلسطينيين، كما أنه سيقضى على بذور السلام في مناطق التشغيل المشتركة.

في الوقت الذي تشتبك فيه «إسرائيل» مع الاتحاد الأوروبي، نجدها تخوض اشتباكا آخر مع وزيرة خارجية السويد مارغو وولستروم التي دعت إلى إجراء تحقيق دولي دقيق وموثوق في ظروف مقتل الفلسطينيين الذين تقوم الشرطة الإسرائيلية بإعدامهم دون محاكمة، وأخيرا قتل ١٥٥ فلسطينيا برصاص الإسرائيليين الذين ادعوا أن معظمهم نفذوا هجمات.
فيما قال الفلسطينيون إن الكثيرين منهم قتل لمجرد الاشتباه فيهم.
وإزاء ذلك دعت الوزيرة السويدية إلى التحقيق النزيه في الموضوع لتحديد مسئولية القتلة.

نتنياهو الذي قرر مقاطعة الوفود السويدية علق على تصريحات السيدة وولستروم التي صدرت يوم ١٥ يناير الحالي بقوله إنها «تدعو للغضب كما أنها لا أخلاقية وغبية».

في الوقت ذاته أعلن نائب وزير الخارجية الإسرائيلي أن بلاده ستستمر في حظر زيارة وزيرة الخارجية السويدية لها.
ومعروف أن علاقة البلدين توترت منذ اعتراف السويد بالدولة الفلسطينية عام ٢٠١٤،
 كما أن وزيرة الخارجية ذاتها أغضبت «إسرائيل» حين صرحت بعد الهجمات التي تعرضت لها باريس في شهر نوفمبر الماضي بأن اليأس المستشري في أوساط الفلسطينيين هو أحد عوامل انتشار التطرف الإسلامي في أوروبا.

ثمة أزمة دبلوماسية حادة أيضا بين «إسرائيل» والبرازيل، بسبب رفض الأخيرة قبول تعيين القيادي في حركة الاستيطان دانى ديان سفيرا لتل أبيب لديها.

وقال نتنياهو الذي يشغل منصب وزير الخارجية إنه متمسك بترشيح الرجل الذي تم منذ شهرين، لكنه رفض أن يعلق على موقف الحكومة البرازيلية.

إلا أن صحيفة معاريف نقلت عن نائبة وزير الخارجية أن الوزارة لن تقبل بالموقف البرازيلي. لأن تسجيل الموقف المتمثل في منع قبول دبلوماسيين إسرائيليين على خلفية مواقفهم الأيديولوجية يعد خطا أحمر ترفض تل أبيب التنازل عنه.
وليس معروفا مصير المواجهة لكن الخيار المرشح حتى الآن ـ الذي تحدث عنه نتنياهو ـ يتمثل في اتجاه «إسرائيل» إلى خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع البرازيل التي يعيش فيها نحو ١١٠ آلاف يهودي، في حين أن في «إسرائيل» ٢٠٠ ألف آخرين من أصول برازيلية.

ومعروف أن البرازيل سحبت سفيرها من تل أبيب عقب العدوان الإسرائيلي على غزة عام ٢٠١٤، وأن الرئيسة البرازيلية آنذاك ديلما روسيف وصفت العملية الإسرائيلية بأنها مجزرة.

وانتقدت الخارجية الإسرائيلية الموقف البرازيلي. حيث أعرب المتحدث باسمها عن أسفه من وصف العدوان بأنه مجزرة، قائلا إن العملاق الاقتصادي أصبح قزما سياسيا.

على صعيد آخر فإن حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لـــ»إسرائيل» في العالم الغربي حققت نجاحات كبيرة في الأوساط الجامعية بوجه أخص. وهو ما أزعج الدولة العبرية ودفعها إلى تنظيم مؤتمر عالمى في تل أبيب خلال شهر مارس المقبل لبحث كيفية التعامل مع تلك الظاهرة المتزايدة.

ثمة أخبار أخرى عن مقاطعة الكنيسة الميثودية الأمريكية لبنوك «إسرائيل».
وعن أزمة للسفارة الإسرائيلية في باريس مع صحيفة ليبراسيون الفرنسية بسبب صورة مرسومة عرضتها الصحيفة للمناضل الفلسطيني مروان البرغوث الذي اعتبرته إرهابيا.

وأزمة مع أوكرانيا التي هددت بمعاقبة الإسرائيليين الذين يتعاملون مع الاحتلال الروسي للقرم.

الملاحظة التي يخرج بها المرء من استعراض تلك الأخبار لا تخلو من مفارقة.
ذلك أن الأزمات التي باتت تواجهها «إسرائيل» أصبحت مع بعض دول أوروبا وأمريكا اللاتينية.

أما علاقاتها مع العالم العربي الخصم التاريخي والاستراتيجي فتتجه إلى التحسن باطراد.
 إذ علاوة على التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية ومع بعض الدول العربية المهمة، فإن «إسرائيل» أضافت إلى اختراقاتها لمنطقة الخليج ممثلية تم إنشاؤها أخيرا.

وفى الأسبوع الماضي أبدى وزير خارجية السودان استعدادا للتطبيع مع «إسرائيل»، بعدما استقبل الرئيس عمر البشير رئيسة جمعية الصداقة مع «إسرائيل» التي زارت «إسرائيل» واعتبرت آنذاك «خائنة» ومن دعاة التطبيع مع الدولة العبرية.

كما أن السياحة الإسرائيلية ــ والتجارة أيضا ــ أصبحت أكثر نشاطا في الغرب العربي

 ــ إزاء كل ذلك، وبعدما انقلبت الصورة رأسا على عقب، هل يحق لنا أن نضيف المشهد المعاكس للمنطق والنواميس إلى قائمة علامات الساعة الصغرى؟!

..........................

مستقبل لا نراه ويأس نحذر منه – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 16 ربيع آخر 1437 26 يناير 2016
مستقبل لا نراه ويأس نحذر منه – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

من المفارقات أنه بعد مضى خمس سنوات على ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، فإننا لم نعرف بعد إلى أين نحن ذاهبون، ولا ما هى أولويات التحديات التى نحن مقبلون عليها فى العام الجديد.

(1)

طوال الأسبوع الماضى كان مؤتمر معهد أبحاث الأمن القومى فى إسرائيل يحاول فى جلسات علنية الإجابة على السؤال:
 ما هى التحديات التى تواجه الدولة العبرية فى العام الجديد الذى تلوح فيه مؤشرات «تغيير قواعد اللعبة؟»
 ــ (العبارة الأخيرة كانت عنوان دورة المؤتمر)أثارت الانتباه فى مناقشات الاثنين (١٨/١) مداخلة رئيس أركان الجيش غادى ايزنكوت، الذى قدم لأول مرة طرحا مخالفا للموقف الرسمى للحكومة إزاء الاتفاق النووى مع إيران.

إذ هون من شأن الاتفاق فى الأجل المنظور. وكان من رأيه أن طهران تتجه للالتزام به. وأن موقفها الاستراتيجى لا يمضى باتجاه تطوير سلاح نووى. وإن لم تتنازل عن تطلعاتها كى تصبح دولة عظمى اقليميا.

فى اليوم التالى انتقد أطروحته نائب مدير معهد أبحاث الأمن القومى الكولونيل أودى ديكل حين تحدث عن الارتباك فى الاتفاق على التحدى الأكبر لإسرائيل.

دلل على ذلك بالإشارة إلى أن الجنرال ايزنكوت هوَن من شأن خطر إيران وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)
واعتبر أن حزب الله هو الطرف الوحيد الذى يشكل تهديدا خطيرا لأمن إسرائيل.

وفى الوقت ذاته ذكر أن التحدى الاستراتيجى والقضية المركزية الأكبر التى تهدد إسرائيل تتمثل فى الجمود السياسى والفشل فى التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية وأوضاع الأراضى المحتلة.
وخلص ديكل إلى أن رؤية رئيس الأركان انطلقت من تقديره للتحدى العسكرى.

بالمقابل فإن آخرين مثل رئيس المعهد الجنرال عاموس يادلين ذكر أن الخطر الأكبر يكمن عمليا فى استمرار المسعى الإيرانى لإقامة محور «متطرف» يبدأ فى إيران ويمر عبر العراق وسوريا وصولا إلى حزب الله فى لبنان.

الرئيس الإسرائيلى روبى ريفلين فى خطابه إلى المؤتمر يوم الاثنين اعتبر أن الخطر الأكبر على إسرائيل يتمثل فى تغلغل تنظيم داعش فى صفوف الفلسطينيين واستغلال أوضاع الفئات المهمشة منهم فى تجنيدهم وحثهم على مهاجمة الدولة.

وكان ايزنكوت وقبله وزير الأمن الإسرائيلى موشيه يعلون اعتبرا داعش ظاهرة عابرة.
وأضاف ايزنكوت أن الخطوة الأولى فى تصفية وجود داعش تتمثل فى القضاء على فرعها فيما سمى «ولاية سيناء».

اشتركت فى المناقشة وزيرة الخارجية السابقة تسيبى ليفنى التى انتقدت سياسة الحكومة قائلة إنها باسم الأمن تبرر كل شىء وتخاطر بكل شىء،

وذكرت أنها تواصل بناء المستوطنات فى مواقع نائية لن تكون جزءا من إسرائيل فى أى تسوية، ولكنها تستهدف بذلك بقاء اليمين فى السلطة وتحديدا استمرار نتنياهو فى موقعه كرئيس للحكومة.

تحدث أيضا وزير الدفاع الأسبق موشيه ارتس الذى شكك فى إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين فى الوقت الراهن. لأن الرئيس أبومازن لا يقبل وإذا قبل فإنه لا يستطيع تسويق الاتفاق.

أما مفاجأة المؤتمر فكانت كلمة وزير التعليم وزعيم «البيت اليهودى» نفتالى بينيت الذى قال إن إسرائيل فقدت عنصر المبادرة فى السنوات الأخيرة وباتت تنجر وراء الأحداث والأطراف المحيطة بها.
ذلك أنها رغم تطورها الفكرى وتقدمها العسكرى تعانى من تحجر العقل السياسى. فهى لاتزال تستعد لحروب الماضى بينما يستعد أعداؤها للحروب المقبلة، ويواصل الجيران تطوير أنفسهم.

ومما ذكره فى هذا الصدد أن طائرات «إف ٣٥» المتطورة لم تعد قادرة على إخضاع ٥٠ مقاتلا من حماس.

(2)

هذه اللقطات من المؤتمر الإسرائيلى عرضها تقرير نشرته صحيفة العربى «الجديد» فى ٢٠/١ أعدته مراسلتها فى الأرض المحتلة. وهى تقدم نموذجا لتشكيل الرؤية فى بلد يعيش لحظة نادرة من الاسترخاء الاستراتيجى.
إذ اطمأن إلى أن جريمته فى فلسطين لم تعد تشغل العالم العربى، الذى بات غارقا فى مشاكله إلى حد الانكفاء على ذاته مع فقدان بوصلة النظر إلى المستقبل.
وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأن أنظمة العالم العربى أصبحت تحارب فى الداخل بأكثر مما تحارب فى الخارج.
 كما أنها أصبحت مشغولة بالحاضر بأكثر من انشغالها بالمستقبل.

ورغم أن تحديات كبرى أصبحت تتزاحم فى الأفق، بحيث ما عادت تخطئها عين، فإننا لا نعرف أن الموضوع طرح للمناقشة على مستوى المسئولين العرب بحيث سمعت فيه مختلف الآراء وطرحت فيه التصورات والحلول.
وهو ما يجعلنا نقرر بأسى شديد أن العالم العربى لم يعد له عقل يديره ويرشده، الأمر الذى جعل مصائره تصنع فى خارجه.
تشهد بذلك الجهود التى تبذلها القوى الكبرى لحل المشكلات المعقدة فى كل من ليبيا وسوريا واليمن.

عبرت عن ذلك صحيفة القدس العربى حين ذكر فى ١٨/١ أن اللاعبين فى المنطقة الآن هم:
الإسرائيليون والروس والأمريكان والإيرانيون.
ولم يكن ذلك تقديرا مبالغا فيه لأن القامات والأوزان العربية تراجعت بحيث أصبحت قاصرة عن الإسهام بشكل فاعل فى صناعة المصير.

لقد شاءت المقادير أن يمر العالم العربى بأسوأ مراحله السياسية وأن يواجه فى الوقت ذاته أكبر تحدياته المصيرية.
 إزاء ذلك فإنه لم يعد يستحق فقط أن يوصف بأنه العربى المريض، على غرار وصف رجل أوروبا المريض الذى أطلق على الدولة العثمانية فى زمن انحطاطها وقبل اندثارها، ولكنه أيضا صار المبتلى والممتحن.
فالحروب الأهلية صارت سمة للدولة العربية فى مشرقها ومغربها،
 والذين نجوا من الحروب الأهلية روعهم انهيار أسعار النفط وبات بعضهم يتحدث الآن عن ترتيبات ما بعد البرميل الأخير.

وفى هذه الأجواء انتعشت أحلام إسرائيل الاستيطانية،
ودخلت إيران إلى الساحة متحللة من قيود الحظر، وقد مدت أذرعها فى أربعة أقطار عربية
وقرأنا لأحد الكتاب الإسرائيليين قوله إن حضورها فى اليمن منذ عام ٢٠١٥ يعادل الحضور المصرى هناك فى عام ١٩٦٢.

يقبل عرب ٢٠١٦ على العام الجديد وبعضهم ذاهل ومصدوم من جراء انهيار أسعار النفط،
والبعض الآخر قلق من تمدد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)أو متحسب للعمليات الإرهابية والغارات الروسية.
وحائر فى كيفية التعامل مع إيران وما إذا كان ذلك التعامل يواجه التطلعات التوسعية، أم التغول المذهبى أم النزعات الفارسية.

يحدث ذلك فى حين يستمر نزيف الدم ويتواصل قتل البشر فى سوريا والعراق واليمن وليبيا، وتتفاعل عوامل الغليان والانفجار فى بقية أنحاء الوطن الكبير.

(3)

المشهد فى مصر ليس بعيدا عن تلك الأجواء، ولكنه جزء منها وإن اختلفت العناوين.
ذلك أننى لا أعرف أن جهة ما فى مصر أجرت حوارا مفتوحا مع الخبراء وأهل الاختصاص حول التحديات التى يواجهها البلد فى العام الجديد.

 ولا يعالج تلك الثغرة أن تكون تلك المناقشات قد جرت فى غرف مغلقة وبين نفر من أهل الثقة أو الأجهزة الأمنية.
ولذلك يظل نظرنا إلى الموضوع فى حدود التخمين والاجتهاد.

 فى هذا الصدد أزعم أن التحدى الأكبر يتمثل فى سد النهضة الإثيوبى الذى يفترض أن ينتهى بناؤه فى العام القادم.
ذلك أنه يثير مخاوف مكتومة تتجاوز بكثير الآثار المترتبة على انهيار أسعار النفط.

 فالسد يهدد الوجود أما هبوط أسعار النفط فإنه يهدد الرفاه. فضلا عن أن آثاره ليست عاجلة.

فى ذات الوقت فإن خطط التقشف المطروحة فى دول الخليج لها انعكاساتها المباشرة على المعونات التى تقدم إلى مصر، المعول عليها فى استقرار الأوضاع الاقتصادية.
إضافة إلى أثرها على مصائر آلاف المصريين العاملين فى دول الخليج الذين أصبحوا مهددين بالرحيل فى أى وقت.

وما عاد سرا أن مستقبل الوضع الاقتصادى الذى يلوح فيه شبح الأزمة لا يؤرق الإدارة السياسية المصرية فحسب، لكن له صداه المحسوس أيضا فى رسائل بعض الدول الغربية والولايات المتحدة فى المقدمة منها.
وهو ما يعنى أن مصر فى العام الجديد ستظل مستقرة للتعامل مع الأمن المائى، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية فضلا عن الأزمة السياسية المتمثلة فى الانقسام الأهلى وانفراط عقد القوى الوطنية.

ولئن تراجعت العمليات الإرهابية إلى حد كبير. وهو ما عبر عنه الرئيس عبدالفتاح السيسى حين أعلن أن مصر تحارب الإرهاب فى واحد بالمائة من مساحة شبه جزيرة سيناء، إلا أن استمرار السياسة الأمنية يظل مصدرا آخرا للتوتر يؤثر على الاستقرار المنشود.
 وهو أكثر ما يتجلى فى انتهاكات حقوق الإنسان التى أصبحت وصمة يتسع نطاقها حينا بعد حين.

وقد كان الظن أن السياسة سيرد لها الاعتبار فى الآونة الأخيرة، إلا أن التدخلات الأمنية فى الانتخابات التشريعية الأخيرة والصورة التى تابعناها فى أداء مجلس النواب بددت ذلك الأمل، حتى عدنا إلى المراهنة على المستقبل البعيد وليس القريب.

(4)

يبدو كئيبا هذا العام الجديد. تدل على ذلك القرائن التى أشرت إلى بعضها، وغيرها كثيرا مما لا يتسع له المقام أو المجال.

قد نختلف فى تقدير نسبة الكآبة فى الكوب، سواء مثلت ربعه أو نصفه أو غير ذلك، إلا أنها موجودة ولا نستطيع أن نتجاهلها.

لكن أخوف ما أخافه أن يدفعنا ذلك إلى اليأس. والانضمام إلى حملة ملاعنة الربيع العربى وسنينه أو الحنين إلى زمن تزوير الانتخابات والديكتاتورية المقنعة والفساد المستور.

استوقفتنى فى هذا الصدد مقالة نشرتها صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية فى ١٤/١ كتبها فرانسوا هيزبورج أحد خبراء الشئون الاستراتيجية تطرق فيها إلى الأوضاع السائدة فى العالم العربى فى الوقت الراهن وقارنها بالخبرة التاريخية الأوروبية.

 إذ تحدث عما شهدته أوروبا خلال حرب الثلاثين عاما فى بداية القرن السابع عشر (بين عامى ١٦١٨ و١٦٤٨)التى أشاعت الاقتتال والخراب والمجاعات فى أوروبا.
إذ بدأت حربا بين البروتستانت والكاثوليك (السنة والشيعة؟)
وانتهت صراعا سياسيا على الحدود والنفوذ اشترك فيه الفرنسيون والألمان والإيطاليون والسويديون والإسبان وغيرهم
 (هبط خلالها سكان ألمانيا من عشرين مليونا إلى ثلاثة عشر مليونا ونصف المليون)
ـ وبعدما غرقت أوروبا فى الدماء خرجت من أنقاض الحرب الأمَتان الألمانية والفرنسية.

أشار الكاتب إلى أن الرياح التى هبت على العالم العربى فى عام ٢٠١١ كانت متوقعة لأن التقارير التى تحدثت عن التنمية فيه والفجوة المتسعة بينه وبين العالم الخارجى على كل المستويات بينت أن أوضاعه السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن تستمر على حالها.
وهو ما يهدم مزاعم البعض الذين تبنوا سيناريو «المؤامرة» لتشويه انتفاضة العالم العربى خصوصا فى مصر.

لقد حرص الكاتب على أن يحذر من التعجل فى تقييم الوضع فى العالم العربى تأثرا بالخيبات والصراعات التى عانت منها بعض أقطاره.
ودعا إلى قراءة المشهد العربى من خلال استدعاء تلك الخبرة الأوروبية التى شهدتها القارة فى القرن السابع عشر،
 وهو ما أؤيده وأشدد عليه، لكننى تمنيت ألا نستنسخ فظائع وقائع تلك الحرب،
كما أننى استشعرت استياء من مدة الثلاثين عاما، لأن أمثالى لن يقدر لهم أن يشهدوا بزوغ حلم الأحياء. وأرجو أن يلمس الأحفاد بعض ثماره.

.......................

24 يناير، 2016

من أسرار العشرية السوداء

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 15 ربيع آخر 1437 25 يناير 2016
من أسرار العشرية السوداء - فهمي هويدي

تشهد الجزائر هذه الأيام تفاعلات مثيرة للاهتمام، لا تتعلق فقط بخيارات المستقبل بعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يعاني من مشكلات صحية، لكنها تتعلق أيضا بملفات الماضي وحساباته.

ولا أستبعد أن يكون الصراع على المستقبل هو الذي استدعى ملفات الماضي. باعتبار أن خلفيات الأشخاص عنصر مهم في تحديد أدوارهم في السيناريوهات القادمة.

وإذ لا جديد يذكر في الصراع الحالي على السلطة.
ولكن الجديد يظل فيما استدعاه ذلك من أحداث شهدتها البلاد منذ ربع قرن.

فنحن نتابع منذ أكثر من عام أخبار لجوء الرئيس بوتفليقة إلى تفكيك المؤسسة الأمنية المهيمنة.
والتفكيك الذي أعنيه لا يقصد به إلغاء دور العسكر في السياسة الجزائرية. فذلك أمر مستبعد في الأجل المنظور.
 ولكنه ينصرف إلى إحداث تغييرات في هياكل تلك المؤسسة وتخفيف قبضة العناصر المتحكمة فيها منذ عدة عقود.

الجديد في المشهد الجزائري كشف عنه تقرير مهم لموقع «موند أفريك» الفرنسي عرضه «عربي ٢١» يوم ١٨/١.
إذ تطرق إلى العواصف السياسية التي تضرب الساحة الجزائرية في الوقت الراهن جراء فتح ملفات «العشرية السوداء» التي تمثلت في صراع العسكر والمخابرات مع الإسلاميين بعد فوزهم في الانتخابات عام ١٩٩١.

ذكر التقرير أن الملفات فتحت بعدما أطاح الرئيس بوتفليقة في شهر سبتمبر من العام الماضي بالجنرال توفيق الرجل الأقوى في الجزائر. الذي رأس جهاز المخابرات منذ عام ١٩٩٠.
إذ في أعقاب إجباره على الاستقالة وجد بعض المسؤولين في دولة المخابرات أنفسهم في وضع حرج. فقد بدأت أسرار العشرية السوداء تتكشف، بعدما قام أحد رجالها، العقيد السابق محمد طاهر عبد السلام الذي كان مكلفا في جهاز المخابرات بملفات الشرق الأوسط والمعارضين في الخارج بالإدلاء بشهادته حول أحداث«العشرية السوداء».

ذلك أنه بعدما فقد الجنرال توفيق سيطرته على الصحف والقنوات التليفزيونية فإن وسائل الإعلام المحلية تنافست على كشف المعلومات المتعلقة بإجهاض المسار الديمقراطي في سنوات التسعينيات.
وهو ما تم من خلال دعوة بعض رجال تلك المرحلة إلى الحديث عما جرى خلالها.

 فقامت قناة «خبر» المحلية ببث حوار استمر ساعتين مع العقيد محمد طاهر عبد السلام تحدث فيه عن ملابسات تصفية الجنرال فضيل سعيدي المسئول عن العمليات الخارجية في جهاز المخابرات في عام ١٩٩٦.

 إذ ذكر أن حادث السيارة الذي قتل فيها كان مدبرا، وأن الناجي الوحيد من الحادث. الذي عولج آنذاك في إحدى مستشفيات باريس أكد على ذلك.
 حيث أفاد بأن السيارة لم تتعرض لحادث سير كما قيل، ولكنها انفجرت مما أدى إلى قتل الرجل.
وطبقا لما ذكره فإن سبب التصفية راجع إلى أن الرئيس السابق الجنرال لمين زروال كان قد قرر تعيين الجنرال فضيل على رأس جهاز المخابرات.
وهو ما رفضه الجنرال توفيق ومساعدوه. لذلك فإنهم تخلصوا من الرجل بهذه الطريقة.

تحدث العقيد عبد الهادى أيضا عن انقلاب العسكر على المسار الديمقراطي من خلال قطع الطريق على الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
فقال إنه بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي تمت عام ١٩٩١ وأظهرت تقدما واضحا للجبهة تم إقصاء الرئيس شاذلى بن جديد وتسلم العسكر الاستئصاليون مقاليد الدولة.

وقد شرع هؤلاء في تنفيذ مخططهم لإفشال الإسلاميين عبر إغراق البلاد بشكل متعمد في العنف والإرهاب.

في هذا الصدد ذكر رجل المخابرات السابق أنه سمع بنفسه قادة المخابرات وهم يتحدثون عن قبولهم بوصول الرئيس الأسبق أحمد بن بلة للحكم إذا اختاره الجزائريون، إلا أنهم لن يسمحوا لعناصر الجبهة الإسلامية بتولي السلطة حتى إذا فازوا في الانتخابات.

من الملاحظات المهمة التي سجلها تقرير «موند أفريك» أن الجنرال توفيق وبقية قيادات الجيش والمخابرات الذين قادوا المؤامرة يوصفون في الأوساط الشعبية الجزائرية بأنهم «جنرالات فرنسا».
ذلك أنهم حاربوا إلى جوارها ضد الثوار الجزائريين في حرب الاستقلال. ثم انضموا إلى صف الثورة في اللحظات الأخيرة قبل خروج فرنسا من الجزائر.
وظلوا منذ تلك الحقبة يسيطرون على مقاليد السلطة في البلاد ويخدمون مصالح المحتل بصورة غير مباشرة.

أورد التقرير قصة أخرى تتعلق بالشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في تونس، الذي كان ملاحقا من النظام الحاكم.
 إذ حين اضطر للهرب إلى الجزائر فإن الجنرال زين العابدين بن على قرر ملاحقته، فتوجه إلى لوزان السويسرية وطلب من بن بلة الذي كان مقيما هناك العمل على ترحيل الغنوشي إلى تونس. وهو ما أثار استياء بن بلة واستنكاره، فاتصل برئيس الوزراء الجزائري آنذاك أحمد غزالي (بين عامي ١٩٩١ و١٩٩٢)
وقال له: لقد أوصلتم الجزائر للحضيض حتى أن شخصا تافها مثل بن على جاء يصدر إلينا الأوامر، ويحذرنا من أنه سيفضح الجزائر في أوروبا إذا لم نسلمهم راشد الغنوشي.

إن فضائح عالم المخابرات تتسرب حينا بعد حين إلى وسائل الإعلام الأمر الذي يصدم الرأي العام من خلال إطلاعه على خبايا ذلك العالم السري الذي ظل يهيمن على الجزائر منذ استقلالها في عام ١٩٦٢. إذ إنها ليست حافلة بالملفات المثيرة فحسب ولكنها أيضا حافلة بالدروس والعبر.

......................

Delete this element to display blogger navbar