Subscribe:

Ads 468x60px

09 نوفمبر، 2016

التنفيذية تراقب التشريعية

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 9 صفر 1438 – 9 نوفمبر 2016
التنفيذية تراقب التشريعية - فهمي هويدي

يبدو أن عدوى «الشموخ» أصابت القضاء الفلسطيني.
ذلك أن المحكمة الدستورية في رام الله منحت الرئيس محمود عباس سلطة رفع الحصانة عن عضو المجلس التشريعي.
 وهو قرار غير مسبوق أعطى رئيس السلطة التنفيذية سلطة فصل أي نائب منتخب،
 الأمر الذي يقنن إهدار مبدأ الفصل بين السلطات، ويجعل استمرار عضو البرلمان في موقعه مرهونا برضا الرئيس وأجهزته عنه.
من ثم فبدلا من أن يقوم المجلس التشريعي بدوره في مراقبة السلطة التنفيذية، فإن الوضع صار معكوسا بحيث أصبحت السلطة التنفيذية هي التي تراقب أداء السلطة التشريعية.

أدري أن الفصل بين السلطات ليس معمولا به في بلادنا،
وأن رئاسة السلطة التنفيذية هي مركز القوة الحقيقي،
وهي صاحبة القول الفصل في السياسة والاقتصاد وفي الحرب والسلم وفي غير ذلك.

كما أن تطويع البرلمان وضمان إلحاقه بالسلطة التنفيذية له أساليب عديدة،
 ناهيك عن أن هناك دساتير تجيز لرئيس الدولة أن يحل البرلمان في ظروف معينة.
إلا أننا لم نعرف نظاما أعطى رئيس الدولة «حق» فصل عضو البرلمان الذي لا يرضى عنه.

لذلك أستحي أن أقول إننا ألفنا مبدأ تحكم الرئيس في البرلمان، حتى لم نعد نستغربه،
وإنما ينصب استغرابنا على هبوط مستوى إخراج العملية بحيث تتم من خلال إرهاب الأعضاء، بما يمكن الرئيس من أن يفصل من يشاء ويبقي على من يشاء.

قرار المحكمة الدستورية يضيف فصلا جديدا إلى سجل أعاجيب القضاء في ظل السلطة الفلسطينية التي كان منها التلاعب الأخير بالانتخابات البلدية.
إذ قضى بإجرائها في الضفة الغربية وحجبها في قطاع غزة بحجة أنه غير شرعي في حين أن السبب الحقيقي هو الحيلولة دون فوز مرشحي حركة حماس من الفوز بإدارة بلديات القطاع.
وكانت تلك مقدمة لتأجيل الانتخابات كلها بعد ذلك.

وتكشف وجها آخر للعبث حين اختلف رئيس مجلس القضاء الأعلى مع رئيس المخابرات، فتم عزل الأول.
لكن صاحبنا لم يسكت فكشف عن فضيحة أخرى حين ذكر أنه عند تعيينه في منصبه الرفيع فإنه طلب منه التوقيع على كتاب غير مؤرخ بالاستقالة،
وهو ذات الكتاب الذي استخدم لإقصائه حين رفع الرضا عنه.
وقيل لي إن ذلك تقليد اتبعته السلطة مع كثيرين ممن يشغلون المواقع المؤثرة.

صدمة قرار المحكمة الدستورية الذي أطلق يد أبو مازن في رفع الحصانة عمن يشاء من أعضاء المجلس التشريعي أضافت بعدا جديدا للمشهد العبثي الفلسطيني.
ذلك أن شرعية الرئيس الفلسطيني ذاته محل شك لأن ولايته منتهية منذ عدة سنوات، حتى بعد التمديد له من جانب الجامعة العربية.

وفي ظل هذا الوضع فليس له أن يصدر القوانين. رغم ذلك فقد اغتصب سلطة المجلس التشريعي في تشكيل المحكمة الدستورية، التي أرادها واجهة قانونية لتغطية وتبرير ما يصدر عنه من قرارات.

وترتب على ذلك أننا صرنا بإزاء رئيس منتهي الولاية اتكأ على تشكيل قضائي غير قانوني. في تصفية حساباته الخاصة.
 ذلك أن القرار الأخير للمحكمة الدستورية استهدف في حقيقة الأمر إقصاء معارضي أبو مازن في المجلس التشريعي، وإضفاء الشرعية على قراره السابق برفع الحصانة عن النائب محمد دحلان إلى جانب فصله من اللجنة المركزية لحركة فتح في عام ٢٠١٢.

ليس معروفا ما إذا كان قرار المحكمة الدستورية ردا على ضغوط الرباعية العربية على أبو مازن لإلغاء قراره السابق بفصل دحلان وبعض أنصاره من مركزية فتح ومن المجلس التشريعي،
 أم أنه تمهيد لتمكين الرئيس الفلسطيني من ترتيب الوضع داخل حركة فتح قبل مؤتمرها السابع الذي يفترض أن يعقد قبل نهاية الشهر الحالي.
لكن الثابت أن القرار وجه ضربة قاضية لأمل الديمقراطية في ظل السلطة القائمة في رام الله.

لا يفاجئنا ذلك تماما، لأن القضاء في بعض الأقطار العربية ــ وفي مختلف الأنظمة الاستبدادية ــ صار أحد أدوات القمع الخبيث.
وهو الذي تصمم في ظله قوانين الاستبداد، ثم يطالب الجميع بعد ذلك باحترام «القانون».

كما أن القضاة يتم انتقاؤهم بمواصفات تطمئن المستبد وتكرس نظامه، في حين يعم على الملأ الادعاء بعدم جواز التعقيب على أحكام القضاة باعتبارها إعلانا عن الحقيقة.

 وإزاء شيوع الظاهرة فقد انفصل القضاء عن العدل ولم يعد سبيلا لإقامته بين الناس، حتى صار نصيرا للظلم في تلك الأقطار.

..................................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar