Subscribe:

Ads 468x60px

07 أكتوبر، 2016

تشويه بدعوى التطوير

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 7 المحرم 1438 8 أكتوبر 2016
تشويه بدعوى التطوير – فهمي هويدي

تطوير المناهج الدراسية المصرية خطوة تستحق الترحيب لا ريب، لكنها فى الأجواء الراهنة ينبغى أن تستقبل بقدر من الحذر.

 ذلك أن الروائح التى نشمها تشير إلى أن المسألة ليست بريئة تماما، فلا هى لوجه الله ولا هى استهدفت فقط الارتقاء بالتعليم أو تخفيف العبء على التلاميذ، وإنما كان لريح السياسة وملاءماتها دخلها فى الموضوع.

وذلك ليس مجرد افتراض أو سوء ظن، لأن ما أعلن أخيرا فى القاهرة بخصوص الموضوع فى بيانات وزارة التربية والتعليم، قرأنا عنه منذ عدة أشهر فى الصحافة الإسرائيلية التى أفسدت فرحتنا بالتطوير المرتجى.

إذ أحبطتنا وأصابتنا بالغم حين ذكرت ان المناهج الجديدة فى مراحل التعليم المصرية قطعت شوطا متقدما فى تحسين صورة إسرائيل والتمهيد للتطبيع معها،
ولم يكن ذلك «كلام جرايد» كما نقول، ولكنه كان معلومات وثقتها دراسة صدرت فى شهر مايو الماضى عن معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى التابع لجامعة تل أبيب.

الموضوع أثاره وزير التربية والتعليم فى التصريحات التى نشرتها له جريدة الأهرام (عدد ١٩/٩) بمناسبة بدء العام الدراسى الجديد، وهى التى بشرنا فيها بالانجاز الذى حققته وزارته حين أدخلت العديد من التعديلات على المناهج بالكتب المدرسية لجميع المراحل التعليمية.
وانصب كلامه على نسب التعديل والحذف والتنقية، حيث فهمنا أن الحذف فى بعض المواد تراوح بين ٢٠و ٦٠٪
أما التعديل والتنقية فقد تمت بنسبة ٧٠٪.

ورغم أنه ضرب مثلا ببعض النصوص التى تم حذفها مثل نص:
«انزل يا قمر نلعب تحت الشجر» الذى كان مقررا على الصف الرابع الابتدائى،
 إلا أنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى التطوير الذى تم استلهاما للرؤية السياسية والاستراتيجية بعد «تطويرها» فى الوقت الراهن.

هذا النوع من «التطوير» احتفت به وسائل الإعلام الإسرائيلية، حيث تعدد التعليقات التى سجلته وأشادت به،

 أبرز ما كتب فى هذا الصدد الدراسة التى سبقت الإشارة إليها وحملت عنوان:
 «السلام مع إسرائيل فى الكتب الدراسية المصرية، ما الذى تغير بين عهدى مبارك والسيسى».

وقد أعدها الباحث أوفير فاينتز.
 إذ ضرب الرجل مثلا بما طرأ من تعديل على كتاب «جغرافيا العالم وتاريخ مصر الحديث» المقرر على الصف الثالث الإعدادى للعام الدراسى ٢٠١٥/ ٢٠١٦.

النقطة الجوهرية التى رصدها الباحث فى المنهج المصرى الجديد أنه قدم إسرائيل باعتبارها بلدا صديقا وليست بلدا عدوا. وتمثل لك فيما يلى:

<
تقديم اتفاقية كامب ديفيد باعتبارها ضرورية لتحسين الوضع الاقتصادى، من خلال إبراز المزايا الاقتصادية للسلام مع إسرائيل بعد انتهاء الحروب وتوفير الاستقرار اللازم لتحقيق التنمية.

<
يصف المنهج الجديد إسرائيل بأنها ترتبط مع مصر بعلاقة صداقة ويركز على شرعيتها كدولة شريكة فى عملية السلام.

<
لم يتطرق المنهج الجديد لا لحروب مصر ضد إسرائيل ولا للقضية الفلسطينية.
 وذكر الباحث فى هذا الصدد أن كتاب عام ٢٠٠٢ كان يضم ٣٢ صفحة عن الحروب العربية الإسرائيلية و٣ صفحات للسلام مع إسرائيل.
 أما المنهج الجديد فإنه خصص ١٢ صفحة فقط للحروب العربية الإسرائيلية و٤ صفحات للسلام مع إسرائيل.

<
حذف المنهج الجديد أهم بنود معاهدة السلام المرتبطة بالقضية الفلسطينية، مثل الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى ومفاوضات تقرير المصير.
بالمقابل فإن المنهج عرض محادثات مدريد واتفاقية أوسلو وكأنها نجاحات عظيمة.
ولم يذكر المنهج ما كانت تردده الكتب السابقة عن محورية دور مصر الملتزم بمساعدة الفلسطينيين لتأسيس دولتهم المسقلة.

<
اختفت من المنهج مصطلحات مثل «ثقافة الصراع» التى حلت محلها «ثقافة السلام» وجرى التركيز على دروس الحرب والسلام والأهمية الاستراتيجية للسلام.

لا يفاجئنا ذلك التحول، الذى يعكس الاتجاه صوب ما سمى بالسلام الدافئ مع إسرائيل، ويعبر عن التحولات الاستراتيجية الحاصلة فى السياسة المصرية إزاء «العدو» الصهيونى.

ولم تكن تلك هى التحولات الوحيدة لأن «السياسة» مارست ضغوطها أيضا فى مجالات أخرى شملت دروس التاريخ العربى والإسلامى، والنصوص الشرعية المتعلقة بالجهاد وبنظرة القرآن إلى بنى إسرائيل.

كثيرة هى الأسئلة التى يثيرها ملف تعديل المناهج الدراسية بدعوى تطويرها التى لم تخل من التشويه والتغليط.
وفى غيبة الشفافية فإن فلسفة التعديل ومقاصده تفتح الباب واسعا لتكهنات وإساءة الظن، ليس بمحتوى التعديلات ولكن بمحاور الرؤية الاستراتيجية وآفاقها.

.....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar