Subscribe:

Ads 468x60px

18 أكتوبر، 2016

تحييد الصراع هو الحل

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 18 المحرم 1438 – 19 أكتوبر 2016
تحييد الصراع هو الحل - فهمي هويدي

موضوع الخلاف بين مصر والمملكة العربية السعودية يثير أكثر من قضية بحاجة إلى تحرير.
 ذلك أننا نتحدث عن بلدين مهمين في المنطقة، الاختلاف بينهما يضر بهما معا، في حين أن التوافق والتفاهم بينهما في مصلحة المنطقة كلها.

وثمة قرائن تدل على أن الخلاف الأخير ليس جديدا، حيث تمتد خلفياته إلى عدة أشهر سابقة.
وحين كتب أحد وثيقي الصلة بالسلطة في مصر أن التهديد السعودي بوقف شحن البترول تكرر ثلاث مرات في غضون الأشهر الثمانية الماضية،
فذلك يعني أن العلاقات بين البلدين اعترضتها ثلاث أزمات على الأقل خلال تلك الفترة،
وهو ما ينبهنا على المسألة الأولى التي أزعم بأنها بحاجة إلى تحرير،
وهي أنه لا يوجد بين الدول اتفاق بنسبة ١٠٠٪ حول مختلف القضايا.

ذلك أن الاختلاف في الرؤى والحسابات والسياسات أمر طبيعي في العلاقات الدولية، حتى إذا كانت تلك العلاقات بين «شقيقتين».
 لذلك فإن المشكلة لا تكمن في وجود خلافات، ولكنها تنشأ حين يفشل الطرفان في إدارة تلك الخلافات بصورة ايجابية.
 وهذه الإدارة تتأثر كثيرا بموازين القوي.
إذ يصبح الأمر ميسورا للغاية في حالة ندية الطرفين، ويغدو أكثر صعوبة إذا ما اختل الميزان لصالح طرف دون آخر، لأن الطرف الأقوى يتطلع لأن تكون حصته معادلة لقوته.

وأرجح أن تلك تمثل إحدى عقد العلاقات المصرية ــ السعودية، لأن الأخيرة تعد ضمن الداعمين الرئيسيين للاقتصاد المصري في الوقت الراهن.
وهو ما أتصور أنه رفع من مستوى «الطموح» لدى الرياض.
 لذلك يبقى السؤال المهم هو:
هل هذا الطموح في الحدود المشروعة والمعقولة أم أنه متجاوز لتلك الحدود؟

المسألة الثانية التي ينبغي الانتباه إليها أن البلدين آثرا الالتزام بالصمت على الصعيد الرسمي، وتركا الساحة للإعلام وللمدونين،
 وفي حين أن الصمت أضفى غموضا على الموقف وحير كثيرين، فإن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي فتحت الباب واسعا للتهديد والانفعال ولمختلف مستويات التعبير الهابط والرصين،

وللأسف فإن ذلك أسهم في تعكير الأجواء وتبديد الصفاء المنشود بين الشقيقين،
وبسبب أزمة المجتمع المدني في البلدين فإن أصوات العقلاء لم تسمع، بعدما حجبها ضجيج أصوات عوام المشاغبين وحمقاهم.
وحين صمت الرسميون ولم يضعوا الأمر في إطاره المسؤول والرصين، فإن المزايدين تصدروا المشهد وأصبحت أصواتهم أعلا ومهاتراتهم أشد ضررا.

المسألة الثالثة التي أتمنى أن تتوافق عليها تتمثل في أهمية وضع حد لتغول السياسة على المجالات الأخري، بحيث لا يؤدي الخلاف السياسي إلى قطع مختلف الجسور الممتدة بين البلدين،
وذلك لا يتحقق إلا بالاتفاق على تحييد مجالات التعاون وإخراجها من حلبة الصراع.

المراد بذلك أن يعالج الخلاف السياسي في نطاقه بين الرسميين في البلدين، في حين تستمر العلاقات الأخرى الثقافية والاقتصادية والرياضية والفنية وغيرها في مجراها الطبيعي بمنأى عن الخلاف. باعتبار أن الخلاف بين الحكومات لا ينبغي له أن يفسد العلاقات أو يؤجج الخصومات بين الشعوب،

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في العالم العربي، حيث ترتبط الشعوب بوشائج قوية وعميقة،
وهذه يتعين الحفاظ عليها لأن تمزيقها يضعف الجميع ويُحدث جراحا قد يصعب علاجها في المستقبل.

وللأسف فإن العالم العربي لايزال يدير علاقاته بمنطق القبيلة وليس الدولة.
 بمعنى أن الخلاف مع الشقيق يستثير القبيلة كلها بحيث يجعل كل مكوناتها مشتبكة مع الطرف الآخر.

في حين أن الدولة العصرية التي تتعدد فيها المؤسسات والسلطات بمقدورها أن تحصر الخلاف أيا كان موضوعه في حدوده؛ بحيث لا يؤدي وقوعه إلى الانتشار والتغول الذي يقحم دوائر أخري بعيدة عنه.

فتلقي السياسة بظلالها السلبية على الاقتصاد والثقافة والرياضة وغيرها.
 أدري أن للقبيلة فضائلها، ولكن مثل ذلك الاستنفار في لحظات الخلاف رذيلة يجب التخلص منها.

...........................

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

(منطق القبيلة) أصبت كبد الحقيقة أستاذنا هويدي وتلك المقولة هي إجابة كافية لكل ما نعانيه حاضرا ومستقبلا. نحن لم نصير بعد دول لكن قبائل شتى

Delete this element to display blogger navbar