Subscribe:

Ads 468x60px

19 سبتمبر، 2016

الحضور له شروط نفتقدها - المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 18 ذوالحجة 1437 – 20 سبتمبر 2016
الحضور له شروط نفتقدها – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

لن نستطيع أن نثبت حضورًا فى التاريخ إلا إذا استعدنا أسباب القوة وتخلصنا من إدمان البكائيات والعنتريات.

(1)

عشية سفر الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى نيويورك، صدر حكم محكمة جنايات القاهرة بتأييد مصادرة أموال مجموعة من أهم النشطاء المصريين المدافعين عن الحقوق والحريات.
 وهو الخبر الذى عمته منظمة العفو الدولية وانتقده وأدانه الاتحاد الأوروبى،

 فى اليوم ذاته تناقلت مواقع التواصل الاجتماعى نتائج دراسة مؤشر الديمقراطية التى أجريت فى جامعة كلاجنفورت النمساوية على ١١٣ دولة فى العالم، جاءت مصر فى ذيلها،
 إذ احتلت الترتيب ١٠٨، متقدمة قليلًا على سوريا (١١٢) واليمن فى آخر القائمة (١٠٣).
أما فى العالم العربى فقد جاءت تونس فى المركز الأول، فى حين احتلت مصر المركز السادس (بعد الكويت ولبنان والمغرب والبحرين).

الأزمة الاقتصادية تكمل صورة المشهد المصرى.
ومن أبرز ملامحها اللغط المثار حول جدوى ومخاطر اقتراض عدة مليارات من صندوق النقد الدولى، والإشارات إلى ودائع قادمة من بعض دول الخليج،

(جريدة «الشروق» تحدثت فى عدد ١٨/٩ عن بنوك حكومية مصرية تتفاوض مع مؤسسات عالمية وخليجية للحصول على قروض دولارية.
وأبرزت «المصرى اليوم» فى ١٧/٩ أن «ملف القروض» على أجندة السيسى فى نيويورك).

بشكل موازٍ سلطت بعض صحف القاهرة فى يوم سفر الرئيس الأضواء على وجه آخر للمشهد ظهرت فيه مصر فى دور «الضحية»، التى تستهدفها حملات التآمر والحصار الخارجى.

ذلك أن جريدة «الأهرام» نشرت تقريرًا على الصفحة الأولى تحدث عن تفاصيل خطة فرض حصار على مصر.
وورد فيه النص التالى:

 اشتدت فى الأيام الأخيرة معدلات التقارير الدولية التى تتناول الشأن المصرى فى عدد من الصحف والمجلات المعروفة فى الغرب،
 وجاءت فى معظمها تحمل لغة عنيفة، وتنقل عن مصادر تناصب السلطة فى مصر العداء، بهدف تشويه صدره الحكم وإشغال الحكومة المصرية بملاحقة الشائعات لتحقيق أهداف أخرى.

هذا الذى أجملته الأهرام يوم ١٨/٩ فصلت فيه جريدة «الوطن» قبل ذلك بثلاثة أيام.
إذ نشرت تقريرًا ورد فيه ما نصه:

وجهت ٦ صحف ووسائل إعلام عالمية، خلال يومين متتاليين هجومًا متزامنًا على نظام الحكم فى مصر،
 وزعمت أنه تسبب فى تدهور حالة الاقتصاد والوضع السياسى فى البلاد،

وقالت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، إن الحكومة لجأت خلال الأعوام الثلاثة الماضية إلى بناء عشرات السجون لاستيعاب كميات كبيرة من المعتقلين
 فيما قالت صحيفة «إندبندنت» البريطانية: إن «الرئيس السيسى أعلن أن عام ٢٠١٦ هو عام الشباب، فتحول إلى عام سجن واعتقال الشباب».

وقالت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية فى تحليل كتبه زافى بارئيل: «عند البحث عن أسباب الأزمة الاقتصادية فى مصر فلا يمكن إغفال الدور الكبير للجيش في الاقتصاد،

وادعت صحيفة «هافينجتون بوست» فى نسختها البريطانية، أن «بريطانيا وضعت نفسها فى موقف مقلق بسبب علاقاتها الوثيقة مع النظام فى مصر»،

 كما انتقدت شبكة «ايه بى سى نيوز» الاسترالية دعوة رئيس الوزراء الاسترالى مالكوم ترنبول، الرئيس السيسى إلى زيارة «سيدنى» بسبب ما وصفته بانتهاك الحريات».

(2)

ما سبق يمكن قراءته من زوايا عدة،

 أهمها فى السياق الذى نحن بصدده ما يتعلق بسمعة مصر فى الخارج، وصورتها التى سبقت زيارة الرئيس لنيويورك.
وهو ما ينعكس على وزنها وما تملكه من أوراق فى مخاطبة المجتمع الدولى.

 ومصر فى هذه الحالة لا تمثل نفسها فقط لكنها تعد أيضًا واجهة للعالم العربى، على الأقل بحكم ثقلها التاريخى ووضعها الجغرافى وحجمها السكانى،
 علما بأن الأوزان لا تحددها الخطب الرنانة ولا عبارات التمجيد والنفخ فى الذات،
 لكنها تقاس بمعايير قوتها على أرض الواقع، على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية.

ونفوذ أى دولة وحضورها فى مجرى التاريخ المعاصر مرهون بقدر نصيبها من تلك المعايير.

لسنا نبالغ إذا قلنا إن الوضع المصرى المتأزم سياسيًا واقتصاديًا يعكس بدرجة أو أخرى حال الأمة العربية، الذى يشبه فى تدهوره الراهن حال الإمبراطورية العثمانية فى بداية القرن العشرين،
 حين تهاون أركانها وتحللت حتى طمع فيها الطامعون من كل حدب، البريطانيون والفرنسيون والإيطاليون واليونانيون والأمريكان.

الفرق الأساسى بين ملابسات تفسخ الإمبراطورية العثمانية وانهيار النظام العربى،
 أن العثمانيين ظلوا طوال ستة قرون مصدر قلق لأوروبا،
 ولذلك تكالب عليهم الطامعون حين حل بها الضعف فمزقوا أطرافها، ووصلوا بقواتهم إلى الأستانة ذاتها، ولولا تدخل الجيش التركى وصموده لاختفت الدولة ذاتها.

 أما فى العالم العربى فإنه لم يعد يهدد أحدًا أو يزعجه فى الوقت الراهن،
 بل إن إسرائيل التى تعد أعدى أعدائها لم تعد قلقة من دول المنطقة
(الحاخام تيربن ارتسى أحد الحاخامات الشرقيين البارزين ألقى موعظة فى كنيسة بالقدس المحتلة يوم السبت ١٧/٩ دعا فيها بطول العمر لبعض الزعماء العرب.
 وزميله الحاخام يوئيل بن نون نشر مقاله فى صحيفة «ميكور ريشون» فى ٣/٩ وصف فيها التغير الذى حدث فى مصر بأنه «أهم معجزة حدثت لإسرائيل»).

وإذا كان بعض المتطرفين العرب يزعجون أوروبا، فمعروف أنهم يمثلون أنفسهم وليس دولهم.

فى أعقاب الحرب العالمية الأولى اقتسم الأوروبيون تركة «الرجل المريض» فى اتفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦،

أما العالم العربى فى الوقت الراهن فإن تحلله الداخلى لم يكن بفعل قوى الخارج، لأن الوهن الذى أصاب الأمة كان نتيجة للتفاعلات المحلية والتدخلات الإقليمية،
 الأمر الذى وفر على القوى الكبرى عناء تدخلها.

وإذا كان تقسيم الإمبراطورية قد تم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، فإن تمزق العالم العربى وانفراط عقده حدث بعد خروج مصر من الصف العربى وتوقيعها اتفاقية الصلح مع إسرائيل فى عام ١٩٧٩.

فمصر تراجعت أسهمها على النحو الذى رأيت.
والسودان صار بلدين
وفلسطين غرقت فى وحل التنسيق الأمنى مع إسرائيل
 والعراق دمر وكذلك سوريا وليبيا واليمن.

وانتهى الأمر بأن صار مستقبل العالم العربى بيد القوى الأخرى، أمريكا وروسيا وإيران وإسرائيل.

يشهد بذلك الاتفاق الأخير بين موسكو وواشنطن حول سوريا،
والدور الذى يقوم به المبعوثون الدوليون فى اليمن وليبيا.

فى الوقت ذاته وجدنا نفرًا من الخبراء والسياسيين الأجانب يتسلون بإعادة رسم الخرائط الجديدة للعالم العربى.
فسمعنا عن مشروع الشرق الأوسط الجديد ومشروع الفوضى الخلاقة،
وصولًا إلى الخرائط التى أعدها البعض ونشرتها الصحف الغربية (نيويورك تايمز) التى رشحت ٥ دول عربية للتقسيم بحيث تصبح ١٤ دويلة صغيرة.

(3)

الخلاصة أن العالم العربى ومصر على رأسه فقد أهميته الاستراتيجية،
ليس فقط بسبب تمزقه وضعفه السياسى واستقواء أنظمته على شعوبها،
ولكن أيضًا لأن العالم الغربى أصبح متجهًا مع باراك أوباما باتجاه الشرق الأقصى، حيث النمو الاقتصادى الهائل والسيولة النقدية الكبيرة.

 علما بأن العرب بما فيهم دول الثراء النفطى لا يمثلون أكثر من نسبة تتراوح بين واحد و٢ فى المائة من الاقتصاد العالمى.

ويبقى أن كل ما يريده العالم الغربى من العالم العربى ثلاثة أمور هى:
 مكافحة الإرهاب ومسايرة إسرائيل واستمرار تدفق النفط.
وهو ما يسهل تحقيقه دون مؤامرات ولا مغامرات إعادة ترسيم حدود قد تكلف الكثير.

الفقرة السابقة اقتبستها من مقالة للكاتب السورى ناصر الرباط نشرتها صحيفة «الحياة اللندنية» فى ١٦/٩ الحالى.

وقد نوه فيها إلى أننا «مازلنا نعيش عصر لعبة الأمم، على الرغم من أن العالم تجاوزها،
ورغم أننا بدأنا نفقد الكثير من مقوماتنا كأمم لتلعب لعبتهم (وها نحن) نرى الأمم الأخرى فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية قد نفضت عن نفسها الشعور بالغبن التاريخى ونمطية صورة الضحية، والاحتكام إلى نظرية المؤامرة فى تفسير أخطائها ومطباتها ومشكلاتها وهزائمها.
وأخذت واقعها وسياساتها ومصالحها واقتصاداتها ومخططاتها المستقبلية بيدها.

 أما العالم العربى فلا يزال مكبلًا بكل تلك القيود المؤامراتية الصحيح منها والمتخيل، ومحبطين نفسيًا وسياسيًا واجتماعيًا.
 لذلك لا مفر من الاعتراف بأنه بصورته تلك أصبح مفتقدًا لشروط النهضة والانخراط فى التاريخ.

(4)

أقرأ فى مصر هذه الأيام كتابات تتوزع بين البكائيات والعنتريات.

 الأولى لا تكف عن النواح والتنديد بالمؤامرات التى تحاك ضد نظامها فى الخارج،
وهى التى تتركز بالدرجة الأولى على أنشطة المعارضين المصريين.
 وفى المقدمة منهم التنظيم الدولى للإخوان، الذى يصور باعتباره قوة أخطبوطية عظمى تحرك سياسيين وإعلاميين ومؤسسات فى أوروبا وأمريكا، وتؤلبهم على مصر.

وقد رأينا نماذج من التقارير التى يوزعها الإعلام الأمنى تروج لذلك الادعاء، معتبرة كل من انتقد شيئًا فى مصر كارها ومتآمرًا ومستهدفًا كرامة الجيش وإسقاط الدولة.

أما العنتريات فهى تحلق فى الماضى متحدثة عن دور مصر القيادى فى الإقليم (الذى تخلت عنه)،
وعن قدرتها الكامنة التى تمكنها من تقديم المبادرات التى تعيد الانطلاق فى الداخل والاستقرار والأمان إلى ربوع الأمة العربية، من فلسطين إلى سوريا مرورًا باليمن وليبيا.

والطرفان، مروجو البكائيات والعنتريات، يسوقون الأوهام ويوزعون المخدرات السياسية التى تغيب العقل تارة وتضلله وتصرفه عن التفكير فى السعى لامتلاك أسباب القوة تارة أخرى.

أثارت انتباهى فى هذا الصدد فقرة وردت فى ختام التقرير الأمنى الذى سبقت الإشارة إليه ونشرته جريدة الأهرام عن خطة حصار مصر.
إذ جاء فيها ما نصه:

 إن القوى الخارجية لها مخاوفها من تثبيت القيادة السياسية المصرية مكانتها فى منطقة الشرق الأوسط.
(ذلك أن) تلك القوى تخشى من عودة الحالة الناصرية إلى الساحة العربية ممثلة فى القيادة المصرية الراهنة.

وهى فقرة أسجلها بلا تعليق، لأن حصيلتى من اللغة الفصحى لا تمكن من أن توفيها حقها.

.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar