Subscribe:

Ads 468x60px

03 سبتمبر، 2016

رائحة الشوامخ

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 2 ذوالحجة 1437 – 4 سبتمبر 2016
رائحة الشوامخ – فهمي هويدي

هذه لقطة تركية تذكرنا بزمن «الشوامخ» فى مصر.
ذلك أن الرئيس رجب طيب أردوغان أقام فى المقر الرئاسى احتفالا بمناسبة افتتاح السنة القضائية الجديدة.
 وحضر الاحتفال أعضاء السلك القضائى فى محاكم الاستئناف، الذين استقبلوا الرئيس بالتصفيق وقوفا.

 وإذ يبدو ذلك خبرا عاديا فى بلادنا إلا أن المشهد لم يمر فى الساحة التركية، فقد امتنع عن حضور الحفل رئيس حزب الشعب الجمهورى كيلجدار أوغلو ورئيس اتحاد المحامين متين فيز أوغلو،
باعتبار أنه ليس لرئيس الدولة أن يدعو القضاة إلى مقر الرئاسة، لأن فى ذلك شبهة تنال من صورة القضاء المستقل.

كما أن رئيس حزب الشعب انتقد وقوف القضاة للرئيس وتصفيقهم له،
 وقال فى هذا الصدد إن القاضى الذى اعتدنا عليه لا يقف للرئيس حتى إذا كان ذلك على سبيل المجاملة وتعبيرا عن الاحترام له،
 ثم إن تصفيقه ينتقص من قدره ويجرح استقلاله.

وذكر أن القاضى المستقل ليس مضطرا لمجاملة أى أحد من رجال السلطة.
وأن انقلابيى عام ١٩٨٠ (الأسوأ فى التاريخ التركى المعاصر) لم يطلبوا من القضاة التصفيق لهم أو الوقوف لهم،
 كما لم يجبروهم على الاحتفال بالسنة الجديدة فى قصر الحاكم.

 إزاء ذلك اضطر الرئيس أردوغان إلى الرد قائلا إن الذين قاطعوا الاحتفال عليهم احترام روح المصالحة التى سادت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.
 وأكد أن رعايته لاجتماعات القضاة لا تمس نزاهتهم خصوصا أنه هو من عينهم فى مناصبهم.

المشهد يذكرنا بما نسيناه عن زمن القضاء الشامخ فى مصر، وعن ثقافة القضاء المستقل فى الخبرة الإسلامية،
 يوم كان عبدالعزيز باشا فهمى رئيس النقض متجها بسيارته إلى مكتبه، فقرأ مقالة انتقدت راتبه الشهرى (الذى كان متواضعا)
فغير طريقه وذهب إلى القصر الملكى لكى يقدم استقالته، معبرا عن غضبه لمجرد الشك فى أن الحكومة تجامله فى الأجر.
 ولم يرجع عن استقالته إلا بعد اعتذار الملك له، واعتذار كاتب المقالة.

ويوم زار وزير العدل فى حكومة السعديين مرسى بدر محكمة النقض وبعد عودته إلى مكتبه وجه خطاب شكر إلى رئيس النقض أحمد باشا حسن،
فما كان من الأخير إلا أن رد له خطابه قائلا إنه يرفضه لأن من يملك الشكر والمديح يملك الذم، وكلاهما مرفوض من جانبه

 ويوم عرض على المستشار البشرى الأب أن توفر له الحكومة حرسا وسيارة أثناء نظره قضية مقتل الخازندار.
فرفض قائلا إنه لا يستطيع أن يذهب إلى محكمة الجنابات فى حراسة الحكومة وسيارتها،
 وهو القاضى المستقل الذى لا يقبل مجاملة من السلطة التنفيذية.

هذه التقاليد المتشددة فى النزاهة واستقلال القاضى عن السلطة من ثمار الرصيد الكبير الذى وفرته الثقافة الإسلامية لضبط تلك العلاقة،

فقد روى عن النبى عليه الصلاة والسلام نهيه عن غشيان أبواب السلاطين.
ومشهورة مقولة «شر العلماء أقربهم من الأمراء».

وحين احتكم أمير المؤمنين على بن أبى طالب فى قضية له مع آخر،
فإن القاضى قال له: قم يا أبا الحسن وقف أمام خصمك، ليتساوى الاثنان أمامه.
فإن أبن أبى طالب رد القاضى قائلا: لقد ناديتنى بكنيتى وناديته باسمه،
 بما يعنى أن فى ذلك شبهة مجاملة لأمير المؤمنين، الأمر الذى يخل بنزاهة القاضى وإنصافه.

وقد أفرد الإمام أبوحامد الغزالى فصلا خاصا فى كتابه إحياء علوم الدين عن حرمة الدخول على السلاطين، «حتى ليدخل القاضى على السلطان ومعه دينه، ويخرج وما معه دينه».

ولابن مفلح المقدسى حديث مفصل فى «انقباض العلماء المتقين فى إتيان الأمراء والسلاطين».

وقال إن الدخول عليهم له ثلاثة أحوال: شرَّها أن يدخل عليهم ــ ودونها أن يدخلوا عليه، والأسلم ان يعتزلهم فلا يراهم ولا يرونه... إلخ.

إننا نشم رائحة الشوامخ فى الكتب والمصنفات، بعدما صاروا أطيافا نوارنية تلوح فى الفضاء، حتى صرنا نتلهف على رؤيتهم يمشون بيننا على الأرض.

.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar