Subscribe:

Ads 468x60px

22 سبتمبر، 2016

في علاقة الدولة بالدين

صحيفة الشرق القطريه الخميس 20 ذوالحجه 1437- 22 سبتمبر 2016
في علاقة الدولة بالدين – فهمي هويدي

ليس صحيحا أننا نعاني تدخل الدين في السياسة، لأن العكس هو الصحيح في مصر على الأقل.

ذلك أن المؤسسات الدينية ــ وليس الكنائس وحدها ــ تراجعت قوتها وجرى إضعافها ضمن الضعف الذي أصاب جميع مؤسسات المجتمع وفاعلياته،
 لذلك فإنها تحولت إلى مجرد ديكور في المشهد السياسي.

وإذا استخدمنا مفردات النقد الرياضي فربما جاز لنا أن نقول إن السياسيين أو الذين يديرون السياسة ظلوا الفريق الأصلي طول الوقت. هم اللاعبون الحقيقيون الذين يقررون المصير ويسجلون الأهداف ويجنون ثمارها.

أما الرموز الدينية فقد خصصت لهم مقاعد «البدلاء» بشكل دائم، فظلوا متفرجين وبقوا مشجعين ومصفقين بالأساس. وسنِّيدة ومعاونين رهن الإشارة إذا لزم الأمر.

 لذلك أزعم بأن الكلام عن تدخل الدين في السياسة هو في حقيقة الأمر شعار مغلوط تماما.

تاريخيا في مصر، فإنه كلما قويت شوكة السلطة المركزية، بحيث بسطت سلطانها على المجتمع وتغولت فيه، ازدادت جرأتها على توظيف الدين لصالحها.
وكان ذلك التغول من سمات الدولة المصرية الحديثة التي شرع محمد علي باشا والى مصر في تأسيسها في بداية القرن التاسع عشر.

قبل ذلك التاريخ، كانت المؤسسة الدينية ممثلة في الأزهر قوة روحية وسياسية في الوقت ذاته.
 إذ كان الأزهر قلعة مقاومة الاحتلال الفرنسي في ثورتي القاهرة عامي ١٧٩٨ و١٨٠٠.

وظل سند المظلومين في مواجهة عسف أمراء المماليك.
 وحين استمرت المظالم وزادت الضرائب في عهد الوالي التركي خورشيد باشا، فإن علماء الأزهر هم من رفعوا شكايتهم إليه،
 وحين لم ينتصح فإنهم أعلنوا التمرد عليه وقادوا محاصرته في القلعة إلى أن استسلم.

وأرغم الخليفة العثماني على تولية محمد علي حكم مصر وخلع خورشيد باشا.
فقام نقيب الأشراف السيد عمر مكرم وشيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي بإلباسه خلعة الولاية في عام ١٨٠٥، بعدما اشترطوا عليه أن يحكم بالعدل وإلا تم عزله.

علماء الأزهر آنذاك لم يتصرفوا بحسبانهم وعاظا ولا سلطة دينية، ولكنهم كانوا جزءا من النخبة الوطنية التي تصدت للظلم وانحازت إلى الشعب واستقلاله، في بواكير الحركة الوطنية المصرية.

إلا أن محمد علي باشا الذي أدرك قوة المؤسسة الدينية لجأ إلى إضعاف الأزهر حين أراد الانفراد بالسلطة.
ولجأ في ذلك إلى التفنن في السيطرة عليه بوسائل عدة فصَّلتها الدكتورة ماجدة علي صالح ربيع في رسالتها للدكتوراه وكتابها الذي صدر في عام ١٩٩٢ بعنوان «الدور السياسي للأزهر».

رصدت الدراسة السابقة أطوار سيطرة السلطة على الأزهر. التي انتهت بتأميمه وتحويله إلى مؤسسة تتولى «تعبئة الأفراد لتأييد سياسة الحاكم»،
وهي العبارة التي ختمت بها الدكتورة ماجدة الفصل الخاص بالقضاء على استقلال الأزهر،
 وهي للمصادفة ذات العبارة التي انتقد فيها المثقفون الأقباط أخيرا موقف الكنائس إزاء رحلة الرئيس السيسي للأمم المتحدة وقيامها بدور «الشحن والتعبئة لتأييد النظام القائم».

لقد أثبتت التجربة فشل فكرة الفصل بين الدين والدولة، ناهيك عن تعذر ذلك الفصل من الناحية العملية، خصوصا في المجتمعات التي يتجذر فيها الشعور الإيماني،
 لذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية صياغة تلك العلاقة بصورة متوازنة تحول دون طغيان كل طرف على الآخر.
بحيث لا توظف الدولة الدين لصالحها، ولا تتحكم المؤسسات الدينية في سياسة الدولة.

والصيغة المطروحة للحفاظ على ذلك التوازن تقوم على عنصرين،
أولهما التمييز بين الدين والسياسة واحترام حدود كل منهما من ناحية،
وثانيهما الالتزام بقيم الديمقراطية والحرية التي تحمي المواطنة وتضمن المشاركة وتقوي حضور المجتمع بمختلف مؤسساته المدنية والدينية، بما يحول دون تغول السلطة واستبدادها.

والشرط الواجب توافره في كل ذلك يتمثل في السؤال التالي:
هل هناك رغبة حقيقية ومخلصة في العيش المشترك أم لا؟

................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar