Subscribe:

Ads 468x60px

29 يوليو، 2016

من فعلها ولماذا؟

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 25 شوال 1437 30 يوليو 2016
من فعلها ولماذا؟ - فهمي هويدي

نحتاج إلى تقصى حقائق ما جرى فى محافظة المنيا، وأدى إلى تعدد الاشتباكات بين المسلمين والأقباط.
لست صاحب الاقتراح لكنى أؤيده، وأضم صوتى إلى صوت الأنبا بولا الذى دعا إليه.

وكانت جريدة «الشروق» قد نشرت فى عدد الثلاثاء ٢٦/٧ تقريرا عن صدى أحداث المنيا بمناسبة مناقشة الموضوع فى لقاء البابا تواضروس الثانى مع أعضاء اللجنة الدينية فى مجلس النواب.

وكان اقتراح الأنبا بولا أسقف طنطا المسئول عن صياغة قانونى الأحوال الشخصية وبناء الكنائس ضمن ما ذكر فى هذا السياق.
إذ ورد على لسانه قوله إن ما جرى فى المنيا ينبغى أن تتولى لجنة تقصى الحقائق دراسته للتعرف على السبب الحقيقى وراء الاحتقان الذى أدى إلى توتير العلاقة بين المسلمين والأقباط وتفجيرها بين الحين والآخر.

وهو ما اعتبره مدخلا صحيحا ورصينا للتعامل مع الملف، خصوصا أن وسائل الإعلام المصرية حفلت بسيل من التعليقات التى تناولت أعراض الداء. ولم تنل جذوره وأصوله العناية التى تستحقانها.

لى ثلاث ملاحظات على اقتراح الأنبا بولا،

 الأولى أننى أتمنى أن تشمل مهمة تقصى الحقائق محاولة توفير الإجابة عن أسئلة هى:
هل الاحتقان مقصور على محافظة المنيا وحدها أم أن الظاهرة متكررة فى محافظات أخرى؟
 ثم، ما هى الأسباب الكامنة وراء ذلك الاحتقان،
هل هو التعصب الدينى أم أنها الثأرات والصراعات القبلية والشخصية،
 وهل للدس والوقيعة دور فى ذلك؟
 أم أنها مجمل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التى يعانى منها الجميع،
 أم أن هناك أسبابا أخرى.

الملاحظة الثانية أن السعى ينبغى ألا يكتفى بمحاولة الإجابة عن السؤال «لماذا» على أهميته، لأنه من الأهمية بمكان أن يبذل جهد للإجابة أيضا عن السؤال «من»؟

 ــ أعنى أننا نريد أن نتعرف على الفاعل والمحرض، هل هو فرد أم مجموعة أم أفراد؟
 وما هى هوياتهم؟
وإذا كانوا ينتمون إلى جماعات فإن جهدا ينبغى أن يتواصل لتحديد ماهية تلك الجماعات.

وإذا كان الإعلام المصرى قد دأب على وصف الفاعلين بأنهم متعصبون أو إرهابيون دون أى تحديد أو تخصيص، فإن ذلك ربما خدم الأجواء السياسية والصراعات الداخلية،
إلا أنه لم يخدم الحقيقة، لأن العناوين الفضفاضة توزع التهم بالمجان وقد تضلل، فتصرف الانتباه عن الفاعلين وتثير الشبهات حول الأبرياء.

الملاحظة الثالثة تتلخص فى أن تقصى الحقائق ينبغى أن يشمل كل الأطراف المعنية، لأن بين المسلمين متعصبون ومتشنجون حقا، لكن هؤلاء لهم نظائرهم بين الأقباط أيضا.

ثم إننى لم أفهم الغمز فى دور الشرطة التى كثيرا ما تتهم بالتراخى فى القيام بما عليها، وهو ما أشك فيه.

وإذا تصورنا من الناحية النظرية أن يكون ذلك موقف فرد فمن الظلم أن يعمم الأمر على الجهاز.
ذلك أن الصراع الحاصل يحفز الشرطة لمحاصرة العنف واستئصال جذوره، وليس للتساهل معه أو تشجيعه.

لدى ملاحظة رابعة على الفكرة لا أستطيع أن اكتمها، ذلك أن تقصى الحقائق لا يحقق المراد منه بمجرد تشكيل لجنة أو عدة لجان من الخبراء والمختصين،
 لكنه أيضا بحاجة إلى بيئة سياسية ومجتمعية تشجع على ذلك وترحب بالنتائج أيا كانت.

وفى بعض المجتمعات غير الديمقراطية فإن التشكيل ذاته يخضع لتدخلات السلطة وتحيزاتها، بما قد يسحب من رصيد الثقة فى عملية التقصى المنشود.

وإذا توافرت للجان التقصى ضمانات الاستقلال والحرية، فإن مصير تقاريرها يصبح محفوفا بالمخاطر التى يصبح التجاهل حدا أدنى لها.

وذلك ليس استنتاجا ولكنه من دروس خبرتنا فى مصر.
إذ ليس غائبا عن الأذهان مصير محاولتى تقصى حقائق ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ أو مرحلة حكم المجلس العسكرى فى ٢٠١٢.
وقد شكلت لكل منهما لجنة رأسها أحد كبار القضاة، وضمت عددا من المتخصصين والخبراء المستقلين،
 ولكن التقريرين لم يوافقا الهوى السياسى فتم استبعادهما،
 وأعيدت صياغة «حقائق» المرحلتين على نحو جديد وافق الريح السياسية المستجدة، بحيث صار للمرحلتين تاريخان أحدهما أهلى مستقل والثانى حكومى «معدل».

ولم يكن ذلك مسلكا استثنائيا لأن الغموض لايزال يحيط بقائمة طويلة من الأحداث والعمليات الإرهابية التى تلاحقت بعد ذلك. وبقيت حقائقها خاضعة للصياغة الحكومية والأمنية،
وهو ما تعلمنا منه أن لجان تقصى الحقائق لا تستطيع أن تؤدى مهمتها على النحو المرتجى إلا فى ظل مناخ يضمن لها الاستقلال والحرية والنزاهة.

وهى العناصر التى توافرت فى بريطانيا مثلا لإصدار تقرير السير جون شيلكوت ومساعديه الذين تقصوا حقائق ملابسات اشتراك بريطانيا فى غزو العراق.
وهو ما استغرق سبع سنوات وتكلف نحو ١٥ مليون دولار.

لست أدعو إلى استبعاد خيار تقصى حقائق تجاذب النزاعات الطائفية بواسطة لجنة خاصة،
 لكنى أذكر بأن ثمة شروطا لنجاح مهمتها ومن ثم التعويل على صدقية تقريرها.

........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar