Subscribe:

Ads 468x60px

18 يوليو، 2016

اختبار علاقات القاهرة بأنقرة

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 13 شوال 1437 – 18 يوليو 2016
اختبار علاقات القاهرة بأنقرة - فهمي هويدي

من مفارقات الأقدار وسخرياتها، ومن عجائب السياسة العربية في ذات الوقت، أن تختصر المسافات بين القاهرة وتل أبيب في حين يظل التباعد قائما والتلاسن مستمرا بين القاهرة وأنقرة.

أحدث شاهد على ذلك أن الصحف القومية المصرية التزمت الصمت حين زار وزير الخارجية تل أبيب في خطوة مفاجئة لم نشهد لها مثيلا منذ تسع سنوات.

وفى الوقت نفسه تعالت أصوات البعض منددة بالدعوة التركية لمد الجسور مع مصر ورافعة شعار «لا تصالح».

وعند هؤلاء فإن التطبيع مع إسرائيل قفزا فوق بحور الدم العربي صار حلالا مباحا،
 أما التطبيع مع الأشقاء الذين اختلفنا معهم في السياسات فقد اعتبره البعض مكروها وصنفه آخرون ضمن المحرمات.

تفسير ذلك الخلل يحتاج إلى تحليل نفس وسياسي يفهمنا لماذا صرنا نستأسد على الأشقاء ونستعلي عليهم في حين نصبح حملانا وديعة مع الأعداء الذين يخفون أنيابهم ويتجاهلون تاريخهم معنا الغارق في الدماء والمسكون بالإذلال والكراهية.

وإذ أرجو أن يتصدى لتلك المهمة من هو أهل لها يوما ما، وهو ما تمنيته في وقت سابق، فإن تلك العلاقة الملتبسة تمر هذه الأيام بظروف إيجابية تستحق أن نتفاعل معها بنفس الروح.

 أتحدث عن الرسائل التي تكرر توجيهها من جانب المسئولين الأتراك.
 وهو ما عبرت عنه تصريحات رئيس الوزراء بن على يلدريم ووزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو. حيث أبدى الرجلان رغبة الحكومة التركية الجديدة في تحسين العلاقات مع مصر، وطي صفحة الخلافات والتلاسن معها.

هذا الكلام جاء صريحا في سياق الحديث عن التحولات التي طرأت على السياسة الخارجية التركية، وفى ظلها تمت المصالحة مع إسرائيل وعاد تطبيع العلاقات مع روسيا إلى سابق عهده، قبل الأزمة التي تسببت في قطيعة بين البلدين جراء إسقاط أنقرة لطائرة سوخوي الروسية التي انتهكت المجال الجوى التركي.

كنت قد أشرت إلى تحولات السياسة الخارجية في مقالي «تقرير من تركيا» الذي نشر في ١٤/٦ الماضي،
وذكرت فيه أن محاور تلك السياسة محل مراجعة في أنقرة، ظهرت آثارها فيما بعد.
ولا يزال التحرك باتجاه التهدئة والمصالحة يمضى في هدوء، سواء فيما يتعلق بالأكراد أو بالملف السوري.

 أما فيما خص مصر فإن الأمر مقصور على رسائل بعثت بها أنقرة عبر وسائل الإعلام لكن صداها لم يتبلور بعد في القاهرة.

ومعلوماتي أن البلدين تبادلا في وقت سابق زيارة رئيسي جهاز المخابرات لدى كل منهما، إلا أن الزيارتين كانتا للاستكشاف ولم تسفرا عن أي تقدم ايجابي في علاقات البلدين.

 لذلك لم استغرب ما قيل عن أن أوان المصالحة وتطبيع العلاقات بين البلدين لم يحن بعد.
 وقد ورد ذلك المعنى في عنوان ومحتوى مقالة للأكاديمي والمعلق السياسي التركي الدكتور سمير صالحة (نشرت يوم ١١/٧)
 وكان العنوان كالتالي: تركيا ومصر: مصالحة صعبة لم يحن وقتها.

وقد لاحظت أن المقالة التي نشرتها صحيفة «العربي الجديد» اللندنية، أعاد نشرها موقع «ترك برس» وثيق الصلة بالسلطة في أنقرة.

أثارت انتباهي في مقالة الدكتور صالحة ثلاث ملاحظات.

الأولى إشارته إلى أن وفدا تركيا سيزور القاهرة لبحث القضايا العالقة بين البلدين.
وقد نسب هذه المعلومة إلى نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم شعبان دشلى.
ولم يوضح ما إذا كان الوفد سيمثل الحزب أم أنه سيمثل الدولة.

الملاحظة الثانية أنه نقل عن المصادر الإعلامية الإسرائيلية قولها إن المصالحة التركية مع إسرائيل ستفتح باب المصالحة مع مصر،
علما بأن إسرائيل قامت بتلك المهمة في تحقيق المصالحة بين تركيا وروسيا.

الملاحظة الثالثة تمثلت في قوله إن مصالحة إسرائيلية تركية ومصالحة تركية مصرية سوف تشكل كتلة من أربع دول قوية بينها السعودية، يمكنها التعاون معا كحلف ضد إيران يحاول وقف تمدد نفوذها في العالم العربي.

ما عاد سرا أن ملف الإخوان يمثل جوهر الأزمة بين القاهرة وأنقرة.
وهو ما تجلى في الانتقادات العلنية التي عبر عنها الرئيس أردوغان.
كما تجلى في إيواء عناصر الجماعة الذين خرجوا من مصر وتوافرت لهم منصات إعلامية دأبت على انتقاد نظام ما بعد ٣٠ يونيو.

وهو ما ردت عليه القاهرة بإجراءات عدة عبر عنها الهجوم الإعلامي وتمثلت في إبعاد السفير التركي وإلغاء اتفاقية الخط الملاحى (الرورو) التي كانت تسمح بنقل الصادرات التركية إلى الموانئ المصرية ومنها إلى دول الخليج.

كما تمثلت في معارضة الحضور التركي في بعض المحافل الدولية.
والاصطفاف إلى جانب قبرص واليونان في مواجهة تركيا.
وصولا إلى الموقف المخاصم لأنقرة في ملف مذابح الأرمن.
وفى القضية الكردية
 (الدكتور صالحة تحدث عن تقارير استحباراتية تركية أشارت إلى زيارة وفد يمثل الأكراد للقاهرة لبحث التنسيق معها في الساحتين التركية والسورية).

من خبرة المراجعات الإستراتيجية التي أجرتها تركيا أخيرا للتصالح مع الجيران، لن نستبعد مراجعة موقفها إزاء موضوع الإخوان.
إذ إلى جانب تجفيف لهجة الخطاب الرسمي. فقد يسمح للإخوان بالتواجد دون ممارسة نشاطهم الإعلامي المضاد للنظام المصري (وهو الحاصل في إنجلترا مثلا).

 وإذا ما تم ذلك فإن الكرة تصبح في مرمى القاهرة.
وهو ما لا تسمح ظروف عدة بالتنبؤ بنتائجه، خصوصا أننا لا نعرف شيئا عن آلية صنع القرار في مصر.

(هذا العمود كتب قبل محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا)

.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar