Subscribe:

Ads 468x60px

09 يونيو، 2016

درس في البديهيات

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 4 رمضان 1437 – 9 يونيو 2016
درس في البديهيات - فهمي هويدي

صرنا بحاجة للتذكير ببعض البديهيات المنسية في الجدل الحاصل حول الإعلام في مصر.
 أقنعتني بذلك الحوارات الجارية التي تحدثت عن انفلات حاصل فيه وعن حاجة الإعلام إلى قيادة أو «مايسترو»
 وتلك التي أثارت جدلاً حول قانون الإعلام الموحد وميثاق الشرف الصحفي وهيكلة المؤسسات الإعلامية.. إلخ.
وتلك عناوين قد تكون مهمة، لكنني أزعم أنها لن تحل شيئا من أزمة الإعلام وجذورها الحقيقية. فضلاً عن أنها تظل أمورا فرعية، تتقدمها «أصول» واجبة النظر والاعتبار.

القضية المفتاح فيما أدعيه تتمثل في البيئة السياسية المحيطة ومناخ الحريات العامة المتاح فيها.
ذلك أنني منذ سنوات أدعو إلى النظر في حالة الديمقراطية في المجتمع قبل محاكمة الإعلام واتهامه، رغم اقتناعي بأن فيه الكثير الذي يستحق المؤاخذة.

إذ لم يعد سرا أن فنون الاستبداد تطورت بحيث لم يعد يمارس فقط من خلال مؤسسات القمع وهراوة الأمن وإنما صار الإعلام أحد أذرعه القوية.

 وإذا كان لينين ــ الزعيم والمنظر السوفييتي ــ قد شدد على أهمية الجريدة في تشكيل الإدراك وإذكاء الوعي في عشرينيات القرن الماضي،

 وأبرز جورج أورويل في روايته ١٩٨٤ الدور الخطير لوزارة «الحقيقة» التي تغطي النظام وتتحكم في وسائل الإعلام.

فما بالك به في زماننا الذي حققت فيه وسائل الاتصالات والإعلام قفزاتها الكبري وتأثيراتها العظيمة.

لا وجود لإعلام قوي وحر في مجتمع هش وناقص الحرية أو معدومها.
 إذ في الدول الديمقراطية يصبح الإعلام صوت المجتمع وعينه،
كما أنه منصة التعبير عن أشواق ناسه.
 أما حين يتغير شمس الديمقراطية فإن الإعلام يصبح صوت السلطة وسوطها وأداتها للعبث بالوعي وتزييفه.

إن شئت الدقة فقل إن الإعلام مرآة للواقع. فإن وجدت فيه خللا أو قبحا فلا تلومن المرآة.
 وإنما عليك أن تتفرس في سمات الواقع وخرائطه أولا كي تضع يدك على مواطن الخلل ومظان القبح وموارده.

البديهية الثانية أن العوج في الإعلام لا يصلحه ميثاق الشرف الصحفي، الذي لا أري فيه سوى وسيلة للتجمل وخداع للذات يوهم بأن الشرف قد تمت صيانته والمهنة قد تطهرت بعد الانتهاء من تدبيج الميثاق وحشوه بأقوى العبارات والصيغ البلاغية التي تحقق المراد.

حتى مفهوم الشرف نفسه بات بحاجة إلى تحرير، خصوصا بعدما صار بعضنا يشيرون إلي صحفيي الموالاة ونظرائهم من الأمنجية؛ باعتبارهم الصحفيين الشرفاء ورموز الصحافة الإيجابية المعنية بالتصفيق والتهليل.

شرف المهنة يا سادة ليس اختراعا حديثا، ولا هو نص يوضع في إطار يتصدر واجهات النقابة.
ولكنها مجموعة من القيم والتقاليد التي تحرسها النقابة
 وقد يكون إلى جوارها مجلس مستقل يمثل فيه شيوخ المهنة وبعض العقول الكبيرة.

وذلك كله ينبغي أن يتم في إطار القانون وبعيدا عن سلطة الدولة ونفوذها.
لكن تلك القيم والتقاليد لن تحفظ للمهنة شرفها إلا في مناخ تحترم فيه الحريات العامة،
 الأمر الذي يحفظ للمجتمع حضوره وعافيته، بما يمكنه من صد تغول السلطة ورفض هيمنتها.

البديهية الثالثة تتعلق بدور الإعلام ورسالته.
 ولا أخفي أنني تصورت أن مفهوم ذلك الدور استقر، ولم يعد بحاجة إلى تحرير،
 إلا أنني تراجعت عن ذلك الظن حين قرأت قول المسؤول الكبير الذي اعتبر أن رفع الروح المعنوية هو مهمة الإعلام.

 وذكرت أمس أن ذلك ينطبق على إدارات التوجيه المعنوي التابعة لجهات الأمن والمؤسسة العسكرية. الأمر الذي يختلف تماما عن دور الإعلام، حتى أزعم أن تلك الإدارات تباشر الإعلان عن أنشطة الجهات التي أنشأتها.
وإزاء ذلك يصبح رفع الروح المعنوية هدفا مفهوما ومشروعا لها.

أما الإعلام فدوره مختلف حيث يفترض أنه في الدول الديمقراطية مستقل عن السلطة وليس تابعا لها.
وهو مرآة المجتمع الذي يعكس واقعه، ويعبر عن آراء مختلف توجهاته. ثم إنه عين المجتمع أيضا في مراقبة السلطة.

وفي التعريفات الكلاسيكية أنه يقوم بمهام ثلاثة، هي:
 الإخبار والتثقيف والترويح.

أما إذا أريد للإعلام أن يقوم بدور رافعة الروح المعنوية، فذلك يدل على خلط مسكون بالتغليط.
 لكنه يصبح خطرا إذا خرج من دائرة القرار السياسي،
إذ إنه في هذه الحالة يعيد إلى الأذهان ذكريات مرحلة تأميم الصحف المصرية الذي وصف تأدبا بأنه «تنظيم» لها.
 وهي ذات الحيلة التي تم بها الالتفات على الهزيمة في يونيو عام ١٩٦٧، ووصفها مجرد نكسة.

إن أزمة الصحافة جزء من أزمة الوطن وفرع عنه.
ولن ينصلح حال الفرع إلا إذا استعاد الوطن عافيته وخرج من أزمته.
ليتنا ننشغل بالأصل قبل الفرع.

....................

1 التعليقات:

ناصر عبد الله يقول...

لما قرأت كلمة الاستكبار وهجومك على من تسميهم القادة العرب المعتدلين علمت أنك مازلت تدور في الفلك الإيراني وتصدق تلك الشعارات التي أسكرتكم، استيقظ يا رجل فللصبا وقت أفل.

Delete this element to display blogger navbar