Subscribe:

Ads 468x60px

05 يونيو، 2016

المتشائل

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 29 شعبان 1437 5 يونيو 2016
المتشائل- فهمي هويدي

الجهد الذي يبذل في مصر لإنجاز المشروعات مرصود ومحمود، لكننا لا نكاد نرى أثرا لتلك الهمة على صعيد الحريات.

 آية ذلك أننا إذا قارنا بين نصيب كل منهما من الاهتمام سنجد أن مؤشر الأول في صعود يبعث على التفاؤل النسبي، في حين أن مؤشر الحريات متجه إلى هبوط يثير القلق والخوف.
 الأمر الذي يفتح الباب واسعا للحيرة التي تجعل المرء في وضع «المتشائل» (إذا استعرنا المصطلح إلي صكه الأديب الفلسطيني إميل حبيبي) .
فلا هو يستطيع أن يركن إلى التفاؤل ويعول عليه، ولا يستطيع أن يصد غوائل التشاؤم.

حين يطالع المرء صحف الصباح فإنه يلحظ هذه الأيام حماسا لإبراز الإنجازات والمشروعات على الصفحات الأولى، خصوصا ما تعلق منها بشق الطرق ومحطات الكهرباء وإقامة العمارات البديلة للعشوائيات،
 إضافة إلى لقاءات الرئيس مع رؤساء الشركات الصناعية الكبرى التي تعد بضخ المليارات للاستثمار في مصر. إلى غير ذلك من الخطوات وثيقة الصلة بالتنمية وتحسين الأحوال الاقتصادية والمعيشية.

 ثم حين يقلب القارئ صفحات الجرائد، فإن عينه تقع في الصفحات الداخلية على عناوين المحاكمات العسكرية وجلسات الطعن أمام القضاء وأخبار الاعتقالات والمصادرات وشكاوى التعذيب والاختفاء القسري وأقوال النشطاء المحالين إلى النيابات... إلخ.

ولا تفوت المرء ملاحظة ما ينشر عن جهود القوات المسلحة في مجالات الإعمار وتوفير السلع الاستهلاكية من خلال منافذها وعرباتها المتنقلة، جنبا إلى جنب مع أخبار المحاكمات العسكرية وأحكامها المشددة، التي صارت الإعدامات والمؤبدات من سماتها المميزة.

في منتصف شهر مايو افتتح الرئيس عبدالفتاح السيسي ٣٠ مشروعا في مجالات الإسكان والتنمية العمرانية والطرق.
 ونشرت الصحف في المناسبة أن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة تنفذ في المرحلة الحالية ١٥٠٠ مشروع، تم إنجاز ٥٠٪ منها، بالإضافة إلى نحو ٢٠٠ مشروع قومي في مجالات تنموية مختلفة.

 وفي أوائل مايو عرضت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في تقريرها عن المسار الديمقراطي خلال شهر أبريل تضمن المعلومات التالية:
 على مدى الشهر تمت ١٨٧ فعالية للقوي السياسية، تعرضت ١١٦ فعالية منها للاعتداء من جانب الأجهزة الأمنية
 ــ وقع ٥٨ اعتداء متنوعا ضد حرية الرأي والتعبير والحريات الإعلامية
 ــ عن شهر مايو ذكر مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف في تقريره «أرشيف القهر» أنه وقعت ٢١٢ حالة قتل
 ــ ١١ وفاة في أماكن الاحتجاز
 ــ ١٠٣ حالات تعذيب وسوء معاملة
 ــ ٩٣ حالة اختفاء قسري
 ــ ٨١ حالة ظهور بعد اختفاء.
 أما موقع «البداية» ــ فقد سجل خلال مايو ١٢٥٨ حكما بالإعدام والحبس أصدرتها المحاكم العسكرية بحق المدنيين الذين كان أغلبهم من محافظات الصعيد.

المقارنة بين المشروعات والحريات تظل لصالح الأولى وخصما من الثانية،
الأمر الذي يضعنا في خانة «التشاؤل» الذي أشرت إليه.
 الأهم من ذلك أن هذا التباين ليس مصادفة ولكنه يعكس خللا في الرؤية الاستراتيجية يعطي الأولوية للتنمية الاقتصادية ويرحل أولوية الحرية والديمقراطية.
 وقبل الاثنين ــ فوقهما إن شئت الدقة ــ يتربع الأمن كأولوية قصوى.

هذه الملاحظة سبق أن سجلها الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء الأسبق في تعليقه على بيان الحكومة في مقال نشرته له جريدة «الشروق» في الخامس من شهر أبريل الماضي.

 إذ لاحظ أن البرنامج الذي قدم إلى مجلس النواب في ٢٠٠ صفحة كان محوره البرامج الاقتصادية والاجتماعية والمشروعات القومية والاجتماعية المزمع تنفيذها، التي احتلت ١٥٠ صفحة.

 أما موضوعات الأمن القومي والديمقراطية فقد شغلت ثلاث صفحات فقط «يغلب عليها الطابع الإنشائي» على حد تعبيره ــ وتفسير الملاحظة الأخيرة أن الأمن القومي شأن السلطة ولا علاقة للمجتمع به،
 أما الديمقراطية فموضوع مرحل وليس ضمن الأولويات.

 وقد علق الدكتور زياد علي هذه الملاحظة بقوله إنها «تعبير عن أن الحكومة لم تعد معنية إلا بالإدارة الاقتصادية وتقديم الخدمات وتنفيذ المشروعات وليس بمجمل السياسة العامة.
وهي رؤية تنطلق من اعتبار الاقتصاد مسألة فنية لا شأن لها بالوضع السياسي.
وختم ملاحظته بقوله إن الخروج من أزمة البلد الاقتصادية لا سبيل إلى تحقيقه بمعزل عن توفير الإطار السياسي السليم.

إذا وسعنا الدائرة وتلفتنا حولنا فسنجد أن الحاصل في مصر نموذج شائع في الإقليم، يعلي كثيرا من شأن التنمية والخدمات ويعتبرها معيارا للرفاهية والسعادة، لكنه يوصد الباب أمام كل ما يتعلق بالحريات العامة. وتلك مدرسة شعارها «وكل وتدلل ولا تتكلم».
وهي حالة عبر عنها الشاعر مريد البرغوثي في قصيدة قال فيها: في زماننا سمحوا بالركض للكل
ــ ونادانا المنادي: اركضوا بالسرعة القصوي كما شئتم.. ولكن في القفص.

إن كثيرين ينسون أن «القفص» الذي أشار إليه الشاعر هو جوهر المشكلة، وطالما لم يرفع فإن أي جهد يبذل في مجالي الأمن والاقتصاد سيظل قاصرا ومنقوصا، من ثم فما لم تصحح المعادلة بحيث توضع الحريات ضمن الأولويات فإن الأمن لن يستقر ولن تكتب لعجلة الاقتصاد أن تدور بالكفاءة المرجوة؛ لأن أي عاقل لن يستثمر أمواله في بلد غير مستقر.

إن النهوض بالمجتمع لا يتحقق بالمشروعات وحدها، لأن كفالة الحريات وحدها هي التي تتيح له أن يتحرك بساقين وليس بساق واحدة.
 وأرجو ألا أكون بحاجة لشرح المخاطر التي يتعرض لها كل من يصر علي المغامرة بالسير بساق واحدة.
 ذلك أن تقدمه مشكوك فيه وعثراته مقطوع بها.

....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar