Subscribe:

Ads 468x60px

27 يونيو، 2016

الدولة ضد الأمة

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 22 رمضان 1437- 27 يونيو 2016
الدولة ضد الأمة - فهمي هويدي

من مفارقات زماننا وعجائبه أن استعدادنا للتواصل والتفاهم مع الأعداء صار أفضل منه مع الأشقاء.
كان ذلك تعليقي علي ما قرأت ما نشر بخصوص الإعلان الذي تم عن اتفاق الأتراك والإسرائيليين علي تطبيع العلاقات بينهما بعد قطيعة استمرت ست سنوات.

صحيفة «حريت» المعارضة التركية هي التي نشرت الخبر في عدد الثلاثاء ٢٦/ ٦، وذكرت أن مؤتمرا صحفيا سيعقد في أنقرة يوم الأحد (اليوم) لإعلان التوصل إلي اتفاق البلدين علي إنهاء الأزمة بينهما ومن ثم طي صفحتها والتطلع إلي صفحة جديدة للتعاون المشترك.

شعرت بالغيظ حين وقعت على الخبر، وتلبستني الغيرة. حين قرأت أن تخفيف الحصار علي قطاع غزة هو الذي أخر الاتفاق، ومد أجله لستة أشهر.

ذلك أن المشكلة بدأت باعتداء إسرائيلي علي سفينة الإغاثة «مافي مرمرة»، التي حاولت في عام ٢٠١٠ كسر الحصار علي القطاع. وكان عليها عدد من النشطاء،
 إلا أن إسرائيل تعرضت لها في عرض البحر وهاجمت ركابها، الذين قتل منهم عشرة بينهم تسعة من الأتراك.
وهو ما أجج الخلاف بين البلدين وأحدث قطيعة استمرت منذ ذلك الحين.

وأعلنت أنقرة آنذاك أنها لن تعيد العلاقات مع إسرائيل إلا إذا استجابت لثلاثة شروط.
 أولها الاعتذار عما بدر منها.
ثانيها دفع تعويضات مناسبة لأسر الضحايا.
أما الشرط الثالث فتمثل في رفع الحصار الظالم عن قطاع غزة.

وسواء تم ذلك بتدخل أمريكي أو بمبادرة إسرائيلية، فقد قدمت تل أبيب اعتذارها رسميا إلى أنقرة في عام ٢٠١٣ ثم دخلت في مفاوضات مطولة بخصوص موضوع تعويض أسر الضحايا، انتهت بالاتفاق على مبالغ التعويض مقابل سحب القضايا المرفوعة من الأتراك ضد الضباط والمسئولين الإسرائيليين أمام المحاكم التركية والدولية.

 أما ما تعلق بالموقف من حصار قطاع غزة فقد كان الملف الأكثر حساسية وتعقيدا الذي أجريت بشأنه مفاوضات مضنية واتصالات عديدة طوال السنوات الثلاث اللاحقة.

 ولأن الحصار أسهمت فيه إجراءات إسرائيلية وحسابات إقليمية فإن سقف المفاوضات لم يحتمل كسر الحصار بمعني رفعه تماما بما في ذلك إطلاق حرية الحركة التي تشمل معبر رفح.
 فقد تبين أن المفاوضات يمكن أن تحقق تقدمها على صعيد تخفيف الحصار وليس كسره أو رفعه تماما،
 خصوصا أن الأطراف الإقليمية العربية لم تكن بعيدة عن مناقشة حدود التخفيف الممكنة.

 ومن التقرير الذي نشرته الصحيفة التركية فإن الاتفاق في ذلك الجانب شمل النقاط التالية:
وافقت إسرائيل علي إنهاء إجراءات بناء مستشفي لخدمة الغزيين.
وأقرت بعدم وضع أيه عراقيل أمام وصول الأدوية والأجهزة والموظفين الأتراك العاملين في المشروع
وستتعاون ألمانيا مع تركيا في بناء محطة لإنتاج الكهرباء وحل مشكلة النقص الفادح في الطاقة الكهربائية بالقطاع
 ــ ستقوم تركيا ببناء محطة لتحلية المياه في غزة
 ــ وستمر جميع المساعدات دون أيه عراقيل عبر ميناء أشدود إلي القطاع.

قبل أن أسترسل ألفت الانتباه إلي أنني لست في وارد الحفاوة بأي تطبيع مع إسرائيل
وأعتبر أن مقاطعة نظامها الفاشي والاستيطاني هي الأصل
وإذا كانت تركيا قد تورطت في تلك العلاقة منذ عام 1949، حيث كانت ثاني دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بالكيان الصهيوني (إيران اعترفت بها عام 1948 وكانت الأولي)،

فإنني أزعم بأن العلاقة مع إسرائيل أصبحت «عاهة سياسية» اصيبت بها تركيا وينبغي أن تتخلص منها يوما ما.
وإزاء اللامعقول السياسي الحاصل في العالم العربي الذي انقلبت في ظله المعايير،
فإن التطبيع الذي يفيد قطاع غزة يظل أقل سوءا من التطبيع الذي يشدد الخناق عليه.
 وقبولنا المؤقت بهذا الوضع في الحالة التركية يعد من قبيل تفضيل العور علي العمي.

الاتفاق والتطبيع الذي أعلن يستدعي المفارقة التي أشرت إليها في السطر الأول، ويعبر عنها السؤال التالي:
لماذا تكلل التفاهم بين أنقرة وتل أبيب بالاتفاق، في حين استمرت القطيعة السياسية بين القاهرة وبين كل من أنقرة وطهران؟

 أدري أن هناك خلافا في السياسات، لكننا فشلنا في إدارة الخلاف وسمحنا له أن يتحول إلى قطيعة.
يتحمل كل طرف قسطا من المسئولية عنها.
 هل لأننا نستقوي على أشقائنا؟
 أم لأن حساسيتنا أشد إزاءهم بحكم العَشَم والوشائج المفترضة؟
 أم أن موقفنا متأثر بضغوط خارجية لنا مصلحة في التجاوب معها؟
أم أن حساباتنا شخصية مع الأشقاء وموضوعية مع الأعداء؟

 تعدد الأسئلة المثارة يعني أن الظاهرة تحتاج إلي مناقشة أوسع تفسِير وتصوب المسار وتعالج الخلل الذي يعتريه.
 وإلى أن يتحقق ذلك فإن استمرار المفارقة يظلل شهادة تدين العقل السياسي وتعلن فشل رؤيته الاستراتيجية، بدليل عجزه عن الحفاظ علي التواصل المفترض مع الأشقاء الذي نسجته الوشائج علي مدي التاريخ،
الأمر الذي يضعنا أمام خسارة مضاعفة.

ذلك أنا نضعف صفوفنا حين نخاصم الأشقاء ونقيم الجدران التي تفصلنا عنهم.

في الوقت ذاته نقوي صف الأعدء حين نمد جسور الوصل والتحالف معهم، بحيث تصبح الدولة ضد الأمة.

.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar