Subscribe:

Ads 468x60px

02 يونيو، 2016

قليل من السياسة مطلوب

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 26 شعبان 1437 – 2 يونيو 2016
قليل من السياسة مطلوب - فهمي هويدي

في الآونة الأخيرة صرنا نتلقي دروسا منتظمة في فنون فض الأنصار واستعداء المؤيدين.

 الأمر الذي يجعلنا نستحضر في كل مرة قصة الدبة التي قتلت صاحبها وهي تحميه من الذباب الذي يزعجه.
ذلك أن ممارسة تلك الفنون تتم بدعوى التأمين والحماية والذود عن حياض السلطة والحفاظ على هيبتها.

 خذ مثلا ما حدث مع نقابة الصحفيين التي اقتحمت الشرطة مقرها في بداية شهر مايو لأول مرة في تاريخها،
وفي نهاية الشهر تم احتجاز نقيب الصحفيين وسكرتير النقابة ووكيلها في أحد أقسام الشرطة بعد توجيه الاتهام إليهم وتغريم كل منهم عشرة آلاف جنيه، أيضا لأول مرة في تاريخ النقابة.

 وبين التاريخين مارست السلطة من خلال أبواقها ألاعيب عدة كانت نتيجتها عكسية لأنها عبأت الرأي العام الصحفي ضد النظام.
 إذ أدرك الصحفيون أن السلطة تسعى إلى إذلالهم وإهانتهم وتعمل على شق صفوفهم.
إلى جانب سعيها لإحداث انقلاب داخل النقابة يسقط مجلسها الحالي ويأتي بمجلس جديد من «الشرفاء» الموالين.

يحدث ذلك في حين أن مجلس النقابة وجموع الصحفيين لم يكونوا يوما ما من معارضي السلطة وإنما كانوا من مؤيديها،
 لكن مشكلتهم الوحيدة أنهم دافعوا عن استقلال النقابة وكرامة الصحفيين.
 كما دافعوا عن حق الصحفيين في الاختلاف وممارسة حرية الرأي.

اقتحام مبنى النقابة كان صادما ومهينا في الوقت ذاته.
 ليس فقط لأنه حدث لأول مرة منذ أنشئت النقابة قبل ٧٤ عاما، ولكن لأنه استهدف إلقاء القبض على زميلين احتميا بالنقابة بعد أن لاحقتهما الشرطة في الوقت الذي كان نقيب الصحفيين يتفاوض مع الداخلية لترتيب أمر تسليمهما.
 لكن جهة ما لم يعجبها التفاوض لحل الإشكال، وفضلت استخدام القوة الذي تم بشكل غير قانوني لأن ذلك ما كان له أن يحدث إلا بحضور النقيب.

ولم يكن هناك تفسير بريء لرفض التفاهم وتفضيل الاقتحام واستعراض القوة. لأن الرسالة هنا كانت واضحة وفيها من الحرص على الإخضاع أكثر مما فيها من احترام رمزية المكان أو الالتزام بالقانون.

كانت تلك بداية تفجير الاحتكاك والتحرش بالصحفيين الذي كنا في غنى عنه.

 بعد ذلك تتابعت حلقات التحرش التي عمقت الفجوة بين السلطة والجماعة الصحفية.
 إذ عمدت بعض الأبواق الإعلامية إلي تشويه مجلس النقابة والادعاء بأنه عمد إلي تسييسها ودعت إحدي الصحف القومية إلي مؤتمر لمناهضة المجلس طالب المتحدثون فيه بإسقاطه من خلال إجراء انتخابات جديدة.

 وأقحم مجلس النواب في الموضوع لتكثيف الهجوم على المجلس والنقابة.
وأخيرا دعي النقيب ومساعداه للإدلاء بأقوالهم في موضوع الزميلين اللذين كانا قد احتميا بالنقابة.

وحين توجهوا إلى مقر النيابة اكتشفوا أنهم تحولوا إلى متهمين نسب إليهم إذاعة أخبار كاذبة عن اقتحام النقابة وإيواء مطلوبين للعدالة.
وبعد سماع أقوالهم أخلت النيابة سبيلهم بكفالة عشرة آلاف جنيه لكل منهم.
وحين رفضوا دفع الكفالة تعقد الموضوع وذاع الخبر في المحيط الصحفي، فهرعت أعداد منهم للتضامن معهم.
وكاد الأمر يتحول إلى أزمة لولا تدخل أطراف دفعت الكفالة وأنقذت الموقف.
الأمر الذي سمح للنقيب ومساعديه بالعودة إلى بيوتهم بعدما تقرر النظر في قضيتهم يوم السبت المقبل.

في الموضوع تفصيلات كثيرة، خلاصتها أن السلطة أصرت على التنكيل بالنقيب وممثلي مجلس النقابة وكسر إرادة الصحفيين الذين رفضوا الخضوع لابتزاز الداخلية وضمهم إلى «بيت الطاعة».

حين يدقق المرء في حلقات المسلسل يجد أن الأمر كان يمكن أن يحل بقليل من السياسة وببعض الكياسة. التي كان يمكن أن تحفظ للصحفيين كرامتهم وللسلطة هيبتها، خصوصا أنه لم تكن هناك جريمة بالمعنى القانوني.

 ذلك أن النقيب ومجلس النقابة لم يتحدوا السلطة، ولكنها هي بادرت إلي إهانتهم باقتحام النقابة فيما كانت الاتصالات جارية لحل الإشكال سلميا.

وحين حدث ذلك فلم يكن أمام النقيب والمجلس سوى أن يدافعوا عن كرامتهم وكرامة النقابة والجماعة الصحفية.
 إن شئت فقل إن الإجراء المهين الذي لجأت إليه الداخلية هو الذي أحدث الشرخ مع الصحفيين،
وحين استمرت الداخلية على موقفها فإن الشرخ تحول إلى فجوة اتسعت بمضي الوقت.

موقف التحدي وإيثار استخدام قوة السلطة ورفض الحلول السياسة والسلمية، ظل حاكما لعلاقة السلطة مع العديد من مكونات المجتمع بدءا من نقابتي الأطباء والمحامين والمنظمات الأهلية وعمال المصانع وحملة الدكتوراه ووصولا إلى الشباب الذين قيل لنا قبل عدة أشهر إن هذا عامهم الذي سيلقون فيه عناية مميزة وغير مسبوقة.

 لكننا شهدنا تنكيلا مثيرا للدهشة بأعدادهم التي خرجت في مظاهرات احتجت علي ضم الجزيرتين تيران وصنافير إلي السعودية.

ورغم أن تلك المظاهرات لم تكن معادية وكانت سلمية في طابعهما، فإن أولئك الشبان حكم عليهم بالسجن ما بين عامين وخمسة أعوام.
 وعند الاستئناف ألغي الحبس وحكم على كل واحد منهم كفالة ١٠٠ ألف جنيه، لمخالفتهم قانون التظاهر.
وشاءت المقادير أن يتزامن ذلك مع الحكم على راقصة أجنبية خالفت القانون بكفالة خمسة آلاف جنيه.
 ولك أن تتصور تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي على تلك المفارقة.

في هذه الحالة أيضا كان يمكن بقليل من السياسة والكياسة أن يعم احترام وامتصاص مشاعر الشباب ومن ثم كسبهم إلى صف النظام الذي لم يكونوا ضده.
 ولكن السلطة آثرت الردع والقمع الذي نستطيع أن نتصور النتائج المعاكسة التي تترتب عليهما.

لا أعرف من يتبني هذه اللا سياسة التي تنفر المؤيدين وتسحب من رصيد النظام.
لكن الذي أعرفه أن الصدور تضيق في دوائر السلطة حينا بعد حين، وأن الخلاف لم يعد يبقى على مجال للود، وأن مصطلح التسامح ومفردات السياسة سقطت من قاموس المرحلة.

........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar