Subscribe:

Ads 468x60px

19 يونيو، 2016

ترحيب حذر

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 14 رمضان 1437 19 يونيو 2016
ترحيب حذر - فهمي هويدي

ما إن أعلنت الحكومة المصرية عن نيتها تغيير قانون التظاهر حتى سارع كثيرون إلى امتداح الفكرة والحفاوة بالتصريحات التي حملتها وعبر عنها وزير الشؤون القانونية المستشار مجدي العجاتي.

 ولا بأس من ذلك بطبيعة الحال، شريطة ألا ننسى أن ما بلغنا مجرد إعلان نوايا، العبرة فيه ليست فقط بالتنفيذ ولكن أيضا بالشكل الذي ينتهي إليه القانون بعد التعديل،

 أقول ذلك لأننا ورثنا تقليدا في البيروقراطية المصرية يستعيض بالكلام عن الفعل وبتحرير الاستمارة عن انجاز المعاملة.

أدري ان ثمة توجيها دعا إلي التركيز علي الإيجابيات وإبراز الإنجازات، بوجه أخص مع حلول ذكري انتفاضة ٣٠ يونيو.
 لكنني أفهم أن يكون المقصود به هو الأفعال التي تتم وليس التصريحات التي تطلق في الفضاء الإعلامي.

 ولكي لا يساء فهم كلامي فأرجو أن يكون معلوما أنني لا أدعو إلي التشكيك في التصريحات المتعلقة بالموضوع، لكنني فقط أدعو إلي استقبالها بترحيب حذر.

رغم أن المسألة لاتزال في حدود الوعد والنية، فذلك وحده يعد سببا كافيا لتأييد الحذر الذي أدعو إليه،
إلا أنني لدي أسباب أخري تعزز فكرة التريث وانتظار الأفعال،
في مقدمة تلك الأسباب ما يلي:

<
أنه منذ صدور قانون التظاهر في فترة الرئيس السابق عدلي منصور (عام ٢٠١٣) والشكوي المرة منه والارتياب فيه يتردد علي ألسنة كل الحقوقيين وغيرهم من الوطنيين المهتمين بالشأن العام.

 وتصورنا في لحظة تفاؤل أن البرلمان الذي يفترض أنه انتخاب المجتمع سيحمل تلك الشكاوي وسيفتح الملف، إلا أنه بعد انتخابه وطوال الأشهر الستة الماضية علي الأقل لم يتطرق للموضوع من أي باب.

 وحين اقنعتنا ممارسات البرلمان بأنه يمثل الحكومة بأكثر مما يمثل المجتمع، فإن الرسالة التي تلقيناها من ذلك التجاهل والصمت هي أن المجلس سكت لأن الحكومة لا تريد.

 أما لماذا غيرت الحكومة رأيها في الوقت الحالي فعلم ذلك عند الله.
لكن ما تجدر ملاحظته أن الأجهزة التي كانت وراء إصداره ليست بعيدة عن الدعوة إلي تعديله، بعدما تبين أن الضرر من وجوده أكبر في الداخل والخارج.

<
السبب الثاني أن قانون التظاهر يحتاج لأكثر من مجرد التعديل، لأنه حافل بالألغام والمخالفات الدستورية سواء في مصادرته لحق التظاهر السلمي أو في تعسفه الذي قيد بمقتضاه حق التجمع وحرية التعبير أو في العقوبة التي يقررها
(تصل إلي خمس سنوات حبسا و١٠ آلاف جنيه غرامة).

 ثغرات بهذه الجسامة لا يعالجها مجرد التعديل لأن القانون إذا صدقت النية في علاج آثاره إما أنه يحتاج إلي إلغاء أو أنه ينبغي أن تعاد كتابته من جديد بروح مختلفة.

وأظن أن الأجواء الراهنة لا تحتمل أيا من الخيارين.
الأمر الذي يعني أن الكلام عن التعديل قد لا يتجاوز نقاط لا تمس عيوبه الجوهرية.

<
السبب الثالث أن القانون يعبر عن سياسة للنظام القائم، وليس معزولا عن السياق العام ولا عن القوانين الأخري المقيدة للحريات المعمول بها.

ولأنه كذلك فلا سبيل إلي إجراء تغيير حقيقي عليه يعالج ثغراته ويخلصه في سوءاته إلا إذا تغيرت السياسة الداخلية، وأعطي الأمن حجمه الحقيقي في إدارة الشأن العام.

ولأننا فيما هو معلن علي الأقل لا نكاد نلمس تغييرا يذكر في توجهات السياسة الداخلية يمكن أن يقنعنا بأن ثمة انفراجا ديمقراطيا وحقوقيا قادما في الطريق.
فإن السؤال المنطقي والمشروع يصبح كالتالي:
لماذا نتوقع أن تعالج ثغرات قانون التظاهر وتخفف قيوده ويرفع تعارضه مع الدستور، في حين أن التشدد قائم في مجالات أخري.

وهو ما نلمسه مثلا في النزوع إلي قمع منظمات المجتمع المدني من خلال القانون المعيب الذي بات يعرف بقانون «الأشياء الأخري».
 كما أن ذلك قائم في نصوص قانون الإرهاب الفضفاضة التي تلاحق أي ناشط، وفي محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية...إلخ.

ما أريد أن أقوله إن قانون التظاهر جزء من حزمة قوانين شكلت عدوانا وتقييدا سافرين علي الحريات العامة،
 الأمر الذي أرسي واقعا يختلف بصورة جذرية عن ذلك الذي تطلعت إليه الجماهير التي خرجت في ٢٥ يناير ٢٠١١، بل بدا صادما لكثيرين من الوطنيين الذي خرجوا في انتفاضة ٣٠ يونيو ٢٠١٣.

إذا صح ذلك التحليل فإنه ينبهنا إلي أننا بصدد حالة أكبر بكثير من قانون المظاهرات، وإن القضية الأساسية تكمن في طبيعة الرؤية السياسية والموقف من الحريات العامة،
 أي في حسم الاختيار بين دولة الحق والعدل ودولة الأمن.

وما لم يتم ذلك الاختيار لصالح الأولي. فأي كلام عن تعديلات سيظل من قبيل تجميل الواجهة وتغيير الطلاء وتحسين شروط البقاء في داخل القفص،
وذلك لن يحل الإشكال الأساسي الذي مصدره القفص ذاته.

..........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar