Subscribe:

Ads 468x60px

16 يونيو، 2016

عن مسلسل المراجعات

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 11 رمضان 1437 – 16 يونيو 2016
عن مسلسل المراجعات - فهمي هويدي

أرجح أنها محض مصادفة أن تتنافس القنوات التليفزيونية المصرية في عرض المسلسلات خلال شهر رمضان، في حين يفتتح موسم عرض مسلسل المراجعات الفقهية داخل السجون.

وإذ يبدو البعد شاسعا بين ما يعرض علي جمهور المشاهدين في بيوتهم وبين ما يعرض على النزلاء في سجونهم، إلا أن القاسم المشترك بين نوعي المسلسلات نجده في أنها كلها تمثيليات يختلف فيها السيناريو وأغلبها يتعذر أخذه على محمل الجد.

لا أتابع مسلسلات التليفزيون، لكنني قرأت في عدد جريدة «الشروق» الصادر يوم الثلاثاء 14/6 خبر مسلسل المراجعات الفقهية مشفوعا ببعض التفاصيل، التي ليس بمقدوري أن أتثبت من مدي صحتها،
 إلا أنني أزعم بأنها إذا صحت فإننا سنكون بإزاء مسلسل منافس، لا يعيبه إلا شيء وحيد هو أنه قديم وسبق عرضه.

مشاهد المسلسل الذي تحدثت عنه «الشروق» كالتالي:
 أعد أعتى السجون وأسوؤها سمعة (سجن العقرب) ليكون المسرح الذي تجري عليه الأحداث.

البطل في الرواية هو أحد العلماء الذي قدم بحسبانه مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية.
الكومبارس مجموعة تضم مئات المسجونين الذين كلفوا بالاستماع إلى ما يقوله مستشار الرئيس في نقض أفكار جماعة الإخوان وتعاليم تنظيم «داعش».

بعد كلام «البطل» المستدعى يظهر ضباط أمن الدولة على المسرح لكي يتولوا مهمة قياس مدى التغير أو التطور الذي طرأ على أفكار السامعين بعد كل موعظة.
 وإذا جاءت النتيجة إيجابية، فإن ذلك يفتح الباب لإدراج أسماء المسجونين «الإيجابيين» ضمن المرشحين للعفو الرئاسي.

المسلسل سبق عرضه في السجون المصرية قبل ربع قرن تقريبا وكان من جزءين أحدهما رتبته وزارة الداخلية حين نظمت من جانبها لقاءات مماثلة بين بعض العلماء وبين مسجوني الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في تسعينيات القرن الماضي.

أما الجزء الثاني فإن الداخلية ممثلة في رجال «أمن الدولة» لم تظهر في الصورة بشكل مباشر،
ولكنها لم تكن بعيدة عن أجوائه. لأنها من وفر ظروف الحوار بين قيادات الجماعة الإسلامية والتفاعل بين القيادات وبين قواعد الجماعة في السجون المختلفة.

 وكان الجزء الثاني أكثر نجاحا من الأول الذي بدا تمهيدا ولم تظهر له آثار ملموسة في حينه،
 ذلك أن ما سمي بكتب «المراجعات» التي صوب فيها رموز الجماعة الإسلامية أفكارهم صدرت تباعا في آخر التسعينيات وبداية القرن الجديد. أي بعد انتهاء الجزء الثاني.

 وأثبتت هذه التجربة أن الحوار الداخلي بين قيادات وأعضاء الجماعة ــ إذا ما توافرت ظروفه ــ أجدى وأكثر إيجابية مما يمكن أن نسميه بالحوار التلقيني الذي تولي أمره العلماء الذين استدعتهم الداخلية لمخاطبة المسجونين.

ثمة تجربة ثانية حدثت في المملكة السعودية في بدايات القرن الحالي، في ظل وزير الداخلية الراحل الأمير محمد بن نايف (والد ولي العهد الحالي) التي حملت اسم «المناصحة والرعاية» ونفذت ضمن برنامج وصف بأنه «للأمن الفكري».

وكانت كلها أقرب إلي المرحلة الأولي من المسلسل الذي سبق عرضه في مصر، ورغم إشارة التقارير إلي أن ثلاثة آلاف من المتطرفين السعوديين خضعوا لحملة المناصحة، إلا أننا لا نعرف أن ذلك أحدث تغيرا ملموسا في أفكارهم.

ملاحظاتي على تجديد عرض المسلسل في مصر الآن تتمثل فيما يلي:

<
إن فكرة وعظ المسجونين بدعوى ترشيدهم فيها من سد لخانة بأكثر مما فيها من الفاعلية.
وأزعم أنها لا تخلو من سذاجة وتبسيط، لأن وعظ السجين المقهور الذي عاني من التنكيل والتعذيب تبدو محاولة مكشوفة لابتزازه واستغلال ضعفه.
 وهو ما يشكك كثيرا في إمكانية تأثير ذلك على أفكاره.

<
إن وضع جميع الإسلاميين المسجونين في سلة واحدة من علامات التبسيط وسوء التقدير. لأن الصراع مع الإخوان الذين يشكلون أغلبية المسجونين كان ولا يزال سياسيا وليس فكريا أو فقهيا،
من ثم فإن ترشيح بعض الفقهاء للحوار معهم في أفكارهم يصبح أقرب إلى استدعاء مهندس لعلاج مريض.

<
إن قلق الأجهزة الأمنية من تحول بعض الشبان والتحاقهم بتنظيم داعش الذي بدا مبررا لإنتاج المسلسل يحتاج إلى دراسة أكثر عمقا وجدية،
والمتابعون لذلك المسار يعرفون جيدا أن دواعش سيناء تضاعفت أعدادهم بعد اشتداد الحملة الأمنية في مصر التي واكبت التحول في نظامها،
 وهو ما أقنع بعض الشباب بعدم جدوي المشاركة السياسية والحلول السلمية، حتى بدا لهم أن داعش هي الحل!

<
إن التجربة أثبتت أن المراجعات الفكرية حتى إذا اتسمت بالجدية تصبح بلا قيمة في ظل الصراع السياسي،
الدليل على ذلك أن قادة المراجعات التي أجرتها الجماعة الإسلامية في التسعينيات أغلبهم في السجون أو ملاحقون الآن، رغم أنهم شكلوا حزبا مدنيا (البناء والتنمية) وأصبحوا أكثر اعتدالا وفي مقدمة دعاة الحلول السلمية والتوافق الوطني.
وفي مقدمة هؤلاء عبود الزمر والدكتور صفوت عبدالغني وعصام دربالة الذي مات في السجن بسبب الإهمال الطبي.

إننا بصدد حالة تحل بالمراجعات السياسية وليس بالمراجعات الفقهية والفكرية،
 وحين يستدعي الفقهاء للتصدي لها فإننا نعالجها بالطبيب الغلط والدواء غير المجدي.

ولن نستطيع أن نلوم الطبيب إذا فشل في مهمته، لأن اللوم ينبغي أن يوجه إلى من ظلمه حين رشحه للقيام بالدور.

......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar