Subscribe:

Ads 468x60px

28 مايو، 2016

صورة طبق الأصل

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 21 شعبان 1437 28 مايو 2016
صورة طبق الأصل – فهمي هويدي

غضب المصريين لما جرى فى محافظة المنيا فرض عين يأثم كل من قصر فى التعبير عنه.
إذ ليس معقولا ولا مقبولا أن تتسبب شائعة عن علاقة عاطفية بين قبطى ومسلمة متزوجة فى هتك عرض أم الأول وإحراق ٧ منازل لمواطنين من الأقباط.

 أتحدث عن الفتنة التى أطلت برأسها فى قرية الكرم التابعة لمحافظة المنيا، وهزت وقائعها ضمائر المصريين،
خصوصا ما تعلق منها بما أصاب الأم المسنة التى جردت من ثيابها وفضحت أمام الملأ جراء ما نسب لابنها.

وهى الجريمة التى تعددت أصداؤها المستحقة والمشروعة.
إلا أننا ينبغى ألا نكتفى بتسجيل الغضب أو إشهاره بأعلى صوت، لأن الخلفيات والدلالات فيما جرى تستحق رصدا وانتباها.

صحيح أن ضبط النفس مطلوب كما ذكر الأنبا تواضروس بطريرك الكنيسة الأرثوذوكسية،
إلا أن تلك الرسالة موجهة إلى الأطراف المباشرين، فى حين أن الباحثين وأهل النظر لهم دورهم فى تعميق النظر وترشيد الغضب،

 فى الوقت ذاته فإننى لا أوافق محافظ المنيا الذى هون من الأمر واعتبره أزمة عارضة، سيرا على نهج وزارة الداخلية التى دأبت على وصف انتهاكات المنتسبين إليها باعتبارها حالات فردية.

لقد استبق المدونون الجميع، وملأوا مواقع التواصل الاجتماعى بالتعليقات الذكية والغاضبة،
 فمن قائل إن ضبط النفس لا يكفى لأن ضبط الجناة مطلوب أيضا،
 وقائل إن الشرطة تقاعست عن إطفاء نار الفتنة،
 ولو كان الغاضبون قد هتفوا ضد الرئيس السيسى لسارعت إلى قمعهم وردعهم.

كما تعددت كتابات «المغردين» الذين ذكروا أن هتك عرض الأم المسنة ليس مفاجئا ولا مستغربا، لأن الشرطة وجناح البلطجية التابع لها اعطوا المجتمع دروسا عديدة فى التحرش وهتك أعراض النساء، سواء ممن اشتركن فى المظاهرات أو كن من زوجات المتهمين فى بعض القضايا السياسية.

وذكرنا آخر بالمقولة التى انتقدت المبالغة فى الغيرة على عرض المرأة فى مجتمعاتنا العربية مع السكوت وعدم الاكتراث بما يصيب عرض الأوطان من انتهاكات.. إلخ.

لا تخلو تعليقات المغردين من وجاهة وصواب، وهو ما يشجعنى على إضافة بعض الملاحظات

أولها أن ما جرى ينبغى أن يكون شأن الدولة وليس شأن الكنيسة،
 أعنى أن للكنيسة أن تتضامن مع رعاياها، لكن السلطة هى التى ينبغى أن تدافع عن مواطنيها بقوة القانون وحزمه،

 ثانية الملاحظات أننا يجب ألا ندفن رءوسنا فى الرمال، وندعى تارة بأن ما جرى جزء من المؤامرة الكونية ضدنا، أو أن الإخوان هم الذين اشعلوا نار الفتنة،
 لأن ثمة مشكلة مجتمعية يتعين الاعتراف بها والتعامل معها،
فنحن الجناة ونحن المجنى عليهم،

 وذلك يقودنا إلى الملاحظة الثالثة والأهم التى خلاصتها أن قيام مجموعة من الناس بتوقيع العقاب على آخرين تأديبا لهم أو انتقاما منهم يكشف عن ظاهرة مؤرقة تحتاج إلى دراسة وعلاج

ولأنها تكررت سواء بالنسبة للأقباط أو رموز الشيعة المصريين، كما أنها تمثلت فى حالات قيام الأهالى بقتل أو صلب بعض اللصوص فأزعم بأنه لا تفسير لها سوى أنها تعكس تراجعا ملحوظا فى احترام القانون والثقة فى جدواه،

 وهذه الظاهرة من الخطورة بمكان لأنها تنذر بإشاعة الفوضى وتتنبأ بانحسار دور السلطة،
 إذ حين يتصور البعض بأن بوسعهم أن يحصلوا على حقوقهم بأيديهم فإن ذلك يلغى دور القانون والسلطة بصورة تدريجية، وإهدار قيمة القانون لا ينال من هيبة الدولة فحسب،
 وإنما هو خطوة باتجاه تفكيكها.

ومن المفارقات أننا نكثر من توجيه تهمة إهانة المؤسسات والرموز والعمل على إسقاط الدولة للناقدين والمعارضين، دون أن تنتبه إلى أن إهانة الإنسان والعبث بالقانون هو ما ينال من هيبة الدولة ويهدد بإسقاطها، معنويا وأخلاقيا على الأقل،

 وحين قال بعض المغردين إن التحرش بالنساء وهتك أعراضهن من بين الانتهاكات التى سمحت بها الشرطة ومارستها،
 وكان ذلك من الدروس التى تلقاها المجتمع خلال السنوات الأخيرة، فإنهم وضعوا أيديهم على بعض جذور الأزمة التى نواجهها،

ذلك أن من يتابع تقارير المنظمات الحقوقية المستقلة يدرك أن ما حدث فى المنيا للمرأة المسكينة وجيرانها هو صورة طبق الأصل لممارسات بعض رجال الشرطة مع الأهالى.

كنت قد تطرقت إلى هذه المسألة فى كتاب لى صدر قبل نحو ثلاثة عقود عن «التدين المنقوص».

أفردت فيه فصلا كان عنوانه «الحكومة وأخلاق الناس» خلصت فيه إلى أنك «إن وجدت بين الناس فضائل شاعت، أو رذائل ومعايب تفشت وذاعت، ففتش عن الحكومة ودقق فيما تقول وتفعل، حتما ستجد ذلك الحبل السرى الذى يربط فيما بين الاثنين، حتى يتخيل إليك أنك بإزاء نهر واحد.
 السلطة منبعه والناس مصبه،
 وقد تقول مع من قال بأن المحكومين مرآة الحاكمين، وأن الناس بأمرائهم اشبه منهم بآبائهم.

أرجو ألا أكون بحاجة للتنبيه إلى أننى لست بصدد تبرير ما جرى فى المنيا، لكننى فقط أحاول تفسيره، إلى جانب التسليم بضرورة محاسبة الفاعلين وردعهم،

ولا أعرف كيف نسترضى الأم التى تعرضت لما تعرضت له، حيث لا يكفى أن نقدم لها اعتذارا، وأن يتناوب تقبيل رأسها التسعين مليون مصرى، وذلك بعض حقها علينا ونحن ندعو الله ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

........................

1 التعليقات:

Iman Hussein يقول...

ربنا يهدينا جميعا لما يحب ويرضى

Delete this element to display blogger navbar