Subscribe:

Ads 468x60px

15 مايو، 2016

عن لوم الضحية

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 8 شعبان 1437 15 مايو 2016
عن لوم الضحية - فهمي هويدي

في أعقاب كارثة احتراق نحو ٢٥٠ محلا تجاريا في القاهرة القديمة هرع إلى المكان القائم بأعمال محافظ العاصمة ونقلت عنه صحف ٩/٥ التصريح التالي:
 إن الأبنية والمحلات التي طالتها النيران عقارات سكنية ارتكب أصحابها ثلاث مخالفات جسيمة وخطيرة هي:
أنها تحولت إلى أماكن تجارية تم تخزين مواد سريعة الاشتعال في بعضها،
 ثم إن أصحابها لم يراعوا أبسط قواعد الحماية المدنية.
لذلك فإنه سيتم التعامل جنائيا معهم.

بعد ذلك بيومين (في ١١/٥) نقلت جريدة «الشروق» على لسان مدير إدارة الإنقاذ بمحافظة القاهرة قوله:
 إن الإدارة العامة للحماية المدنية أصدرت منذ عشر سنوات تقارير حذرت من وجود ما وصفه بالقنبلة الموقوتة في عدة مناطق بالقاهرة القديمة.

 أضاف مدير الحماية المدنية أن جهازه وجه تقاريره إلى محافظة القاهرة ومجلس الوزراء بخصوص تلك المناطق الخطيرة، بعد اندلاع حرائق بحارة اليهود على مدى عامين متتاليين. ولكن تحذيره لم يجد آذانا صاغية.

أول ما يلاحظه قارئ تلك التصريحات أن نائب المحافظ وجه اللوم إلى الضحية، وقال إن الناس هم الذين تسببوا في الكارثة مضيفا أنهم سوف يحاسبون جنائيا على ذلك.

 أما مدير الإنقاذ فإنه ألقى بالكرة في مرمي المحافظة ومجلس الوزراء، وتذرع بأنه قام بما عليه وحذر الآخرين منذ عشر سنوات.

وهو ما يعني أن كلا منهما أخلى مسؤوليته عما جرى وحملها لغيره.

 لا استبعد أن يكون ما قالاه صحيحا.
 فأصحاب المحلات ارتكبوا المخالفات التي أشار إليها نائب المحافظ،
 كما أن مدير الإنقاذ اكتفى بلفت انتباه غيره إلى مكمن الخطر.

لكن ما ينبغي أن نستغربه أن تكون المحافظة على علم بالأخطاء الجسيمة ثم تقف متفرجة ولا يتحرك في أجهزتها شيء،
أو أن يكون مدير الإنقاذ مدركا خطورة الموقف منذ عشر سنوات ثم يظل واقفا بدوره في مقاعد المتفرجين.

لا أبرئ أصحاب المحلات والعقارات، فإهمال تأمينها وغض الطرف عن الالتزام بشروط السلامة المهنية تقصير من جانبهم لا ريب،
 لكن السؤال الكبير هو:
 لماذا قصرت أجهزة المحافظة في واجبها الذي يفرض عليها حماية النظام العام من خلال رعاية تنفيذ القانون وإلزام المواطنين باحترامه
وهو ما يقتضي التدقيق في توافر شروط الحماية المدنية للمحلات التجارية، ومحاسبة مخالفي تلك الشروط،

 ذلك أن الحرائق الكبيرة التي عصفت بالمنطقة دلت على أن مسؤولي المحافظة أغمضوا أعينهم طول الوقت عما يجري،
 الأمر الذي أدى إلى استشراء الفوضى، وتمادي أصحاب العقارات والمحلات في غيهم؛ مما أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه.

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول بأن أصحاب المحلات والعقارات أهملوا وقصروا،
 وفي الوقت ذاته، فإن المسؤولين المعنيين في المحافظة أجرموا وكان إهمالهم فادحا وجسيما، على نحو جعله يرقى إلى مستوى العمد كما يقول القانونيون،

وفي هذه الحالة فإن المحاسبة الجنائية يجب ألا تكون مقصورة على الأهالي وحدهم،
وإنما ينبغي أن تشمل المسؤولين المعنيين في المحافظة قبلهم.

 ذلك أنهم يتلقون أجورهم من أموال دافعي الضرائب لا لكي يجلسوا على المكاتب الوثيرة والحجرات المكيفة فحسب، ولكن لكي يؤدوا واجبهم في خدمة المجتمع ورعاية مصالحه،
 وحين يمتنعون عن أداء ذلك الواجب أو يقصرون فيه فإنهم يجب أن يحاسبوا، لا أن يتهربوا من مسؤوليتهم ثم يشيروا بأصابع الاتهام إلى ضحاياهم.

المشهد يثير ثلاث قضايا جديرة بأن تأخذ حقها من المناقشة والتحليل،

 أولها وأهمها أن احترام القانون قيمة تراجعت كثيرا في الواقع المصري
 الأمر الذي يتطلب تحقيقا يتحرى الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما إذا كان ذلك راجعا لممارسات من جانب السلطة أو من جانب المجتمع.

 القضية الثانية أن كفاءة السلطة لا تقاس فقط بمقدار إعمالها للقانون وإطلاق الأوامر والنواهي ولكنها تقاس أيضا بمقدار نجاحها في توفير البدائل التي تحل للناس مشاكلهم الحياتية.

 والقضية التي نحن بصددها تختبر ذلك التحدي، فإذا صح ما ذكرته وزارتا التنمية المحلية والتخطيط من أن في مصر ١٩٩٩ سوقا عشوائية تنتشر في ٢٣٠ مدينة وأغلبها معرض لمثل الكارثة التي وقعت في القاهرة،
 فالإشكال لا يحل بإزالة تلك الأسواق وقطع أرزاق العاملين بها، ولكن ينبغي أن يسبق ذلك تدبير يستوعب تلك الأسواق بما يوفر لشاغليها أسباب الرزق وللمجتمع أسباب الأمن.

القضية الثالثة تتمثل في أننا لا نستطيع أن نغفل حجم الفساد المستشري في المحليات، الذي بمقتضاه يستطيع أي شخص أن يخالف القانون إذا دفع للموظفين ما جعلهم يغمضون أعينهم عن أي مخالفة مهما كانت جسامتها،
وذلك مرض قديم شاع أمره ولكن أحدا لم يحاول علاجه.

وحول بيتي في مصر الجديد مأساة تجسد ذلك الفساد إذ صار بوسع أي شخص أن يهتك حرمة المناطق السكنية الهادئة بمقهى أو مطعم يقيمه في أي بناية متاحة، مستدعيا الصخب ومكامن الخطر وضاربا عرض الحائط بضوابط القانون، طالما أنه دفع المعلوم لطابور الموظفين.

يحدث ذلك في حين أن المسؤولين قابعون في مكاتبهم ولا يكلف أحدهم نفسه مشقة المرور في الحي لكي يرى أو يتابع الخطايا التي ترتكب فيه كل يوم.

وبعدما بحت أصوات السكان من الشكوي والاستغاثة، فإنهم أدركوا أن سطوة المال أقوى من أصواتهم، حتى إشعار آخر على الأقل.

........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar