Subscribe:

Ads 468x60px

16 أبريل، 2016

مفارقة كاشفة

صحيفة السبيل الاردنيه الاحد 10 رجب 1437 – 17 أبريل 2016
مفارقة كاشفة - فهمي هويدي

أغلب الظن أنها محض مصادقة، أن تنشر الصحيفة العربية خبرا على ثلاثة أعمدة تحدث عن مواصلة الرئيس الفلسطيني إصدار قرارات تعزيز سيطرته على الساحة السياسية،
 وإلى جواره مباشرة عنوان آخر تحدث عن صدور قرار الحكومة الإسرائيلية بناء أكثر من مائتي وحدة سكنية في مستوطنات معزولة بالضفة الغربية.

وجدت في الخبرين المتجاورين تعبيرا ناطقا عما يجرى فى فلسطين الآن.
 فالرئيس الفلسطيني مشغول بتوسيع سلطاته في حين أن إسرائيل مشغولة بتوسيع مستوطناتها.

 الأول محوره شخصي ويحاول أن يبسط نفوذه،
 والثانية سلطة محتلة تسعى لتأمين مشروعها.

 في الأول تبرز الذات، وفي الثانية تتوارى الذات ويطرح الموضوع.

ولا تقف المفارقة عند ذلك الحد.
لأن الأول المشغــــــول بذاته هو صاحب الأرض والثاني مغتصبها!

المفارقة الكاشفة أوردتها صحيفة «الحياة» اللندنية في عدد الجمعة الماضية (١٥/٤) على الصفحة الرابعة،
 إذ استعرض التقرير الخاص بممارسات الرئيس محمود عباس الخطوات التي اتخذها الرجل خلال الآونة الأخيرة، التي استهدفت تصفية حساباته مع ناقديه وخصومه، إلى جانب تشديد قبضته وتوسيع نفوذه.

 كانت المناسبة أن أبو مازن أصدر قرارا بوقف المخصصات المالية لجبهة التحرير الديمقراطية (٤٠ ألف شيكل شهريا تعادل نحو عشرة آلاف دولار) التي يفترض أنها من مخصصات فصائل منظمة التحرير التي تصرف من الصندوق الوطني الفلسطيني.

وكان قبل ذلك قد أوقف مخصصات الجبهة الشعبية (نحو ٥٠ ألف شيكل).
وقبل القرارين انفرد بتشكيل المحكمة الدستورية العليا من تسعة أعضاء أغلبهم من عناصر حركة فتح الموالين له.
 الأمر الذي أدى إلى تحويلها إلى محكمة حزبية بالمخالفة لقانون إنشائها الذي صدر قبل عشر سنوات، ونص على ضرورة عدم انتماء أعضاء المحكمة لأي أحزاب.

هذه الإجراءات فسرها المراقبون السياسيون على أنها تستهدف إحكام قبضة أبو مازن على الحياة السياسية، وإسكات أصوات معارضيه وتصفية حساباته مع نقاده.

 وأشير في هذا الصدد إلى أشخاص مثل النائب محمد دحلان وإلى ياسر عبدربه الذي كان أحد أقرب معاونيه ورئيس وزرائه السابق سلام فياض.

في مقابل الصورة التي ظهر فيها الرئيس الفلسطيني مشغولا بسلطاته وإقصاء أو إسكات ناقديه، فإن التقرير المقابل سلط الضوء على ما يجري على أرض الوطن الذي بدا أبو مازن منشغلا عنه.

وخلاصته أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعالون طلبا من الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية الموافقة على خطط لبناء ٢٢٩ وحدة سكنية جديدة على الأقل في عدة مستوطات بالضفة.

 حدث ذلك في حين تتواصل بشكل حثيث جهود فصل القدس جغرافيا عن بقــــــية الأراضي الفلسطينية، من خلال الجدار والحواجز والأحياء السكنية الجديدة.
وهو ما يتم بشكل مواز مع بناء الكُنُس (أحدها فى ساحة البراق) واستمرار الحفريات تحت الأقصى وسحب الهويات من أبناء القدس.
 ذلك إلى جانب إقامة شرطة عربية مقدسية ترتبط ببلــــــدية الاحتلال ولا صلة لها بالسلطــــــة الفلسطينية.

لا تفاجئنا الممارسات الإسرائيلية. ذلك أن سجلها طوال نحو مائة عام حافل بمثلها وبما هو أكثر منها وأفدح.
لكن أداء أبومازن يدهشنا، ذلك أنه في عام ٢٠١٦ يبدو أضعف كثيرا مما كان عليه في السابق.

 صحيح أن مواقفه كانت معروفة إزاء المقاومة والانتفاضة، فضلا عن أن تورطه فيما سمى بالتنسيق الأمني الذي يظل وصمة تلاحقه إلى يوم الدين.

أقول إننا كنا نعرف كل ذلك وظللنا غير مصدقين له. إلا أنه أطل علينا هذا العام بوجه ذهب به بعيدا في الضعف والوهن.
 وهو ما لمسناه في الحوار الذي بثه له التليفزيون الإسرائيلي،
وأعلن فيه أن أجهزته الأمنية تفتش حقائب التلاميذ بحثا عن أي سلاح يمكن أن يستخدمه أحدهم لطعن الإسرائيليين،
ودلل على جديته في تأمين الإسرائيليين بقوله إن أجهزته الأمنية صادرت ٧٠ سكينا من حقائب التلايمذ في إحدى المـــــدارس.

وكان الرجل في السابق قد استقوى في بعض خطاباته، وعبر عن موقف متشدد من الناحية اللغوية على الأقل.
إذ قال إنه لا عودة للمفاوضات إلا بعد توافر عدة شروط، من بينها إطلاق الدفعة الأخيرة من الأسرى الذين اتفق على إخراجم فى وقت سابق،
إضافة إلى وقف الاستيطان ووضع جدول من جانب الدولة الراعية لتحقيق الانجاز المنشود.

هذه الشروط نسيها أبو مازن كلها حتى بدا وكأنه نسيها تماما،
وذكر في الحوار التليفزيوني أن بوسعه حل كل الخلافات مع إسرائيل في جلسة لقاء واحدة تجمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

لذلك كانت خلاصة انطباعنا عن اللقاء أن الرجل لم يعد لديه ما يقوله،
 وأنه أصبح عاجزا حتى عن التشدد اللغوي، وأصبح يراهن فقط على لقاء تمناه مع نتنياهو،
 وهو ما يدعونا إلى التساؤل:
هل يعد ذلك تعبيرا عن عجز الرجل وحده
أم أنه عكس العجز والوهن العربيين،
أم أن العاملين كانا وراء الصورة المحزنة التي ظهر بها؟

.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar