Subscribe:

Ads 468x60px

30 أبريل، 2016

إنذار وليس رسالة

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 23 رجب 1437 – 30 أبريل 2016
إنذار وليس رسالة - فهمي هويدي

المتظاهرون مخربون وإخوانجية، والشرطة تصرفت بصورة حضارية والتزمت بضبط النفس.

هذه هي الرسالة التي وجهها الإعلام الأمني للمجتمع المصري في أعقاب تظاهرات ٢٥ أبريل، التي خرجت احتجاجا على موضوع الجزيرتين.
وبهذا المنطوق فإن المتظاهرين يصبحون أشرارا وقعوا في الغلط،
أما رجال الشرطة فهم الأبرار الذين عدَّاهم العيب.

رغم أن التظاهرات لم تستغرق سوى ساعات معدودة، ولم تحدث حالة عنف أو تخريب واحدة من جانب المتظاهرين الذين كانوا من تمسك بالسلمية والأداء المتحضر والقانوني،
 ولم ير للإخوان حضور لا في لافتة أو هتاف،

 في الوقت ذاته فإن «ضبط النفس» الوحيد الذي مارسته الشرطة مشكورة أنها لم تطلق الرصاص على المتظاهرين،
واكتفت بإطلاق قنابل الغاز عليهم واستخدام خراطيم المياه،
 ثم إنها تولت القبض على من طالته أيديهم، وألقت بالجميع في السيارات التي كانت مجهزة لاستقبالهم، في حين قام «احتياطي» البلطجية بواجب تأديبهم.

وبعد تكديسهم في أقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي قامت بتلبيس البعض قائمة الاتهامات المقررة، التي تتراوح بين التحريض على التظاهر واستخدام القوة لقلب نظام الحكم وصولا إلى الانضمام إلى جماعة إرهابية والإضرار بالسلم الاجتماعي، مرورا بمهاجمة أقسام الشرطة ومنع السلطات من مواصلة عملها.

 أما الذين تم إخلاء سبيلهم فقد عوقبوا بغرامات تراوحت بين٥٠٠ وألف جنيه،
 وقرأت أن المحبوسين في أحد أقسام الشرطة وقعت عليهم غرامات تجاوزت ٤٢ ألف جنيه.

يوم الأربعاء ٢٧/٤ ــ بعد يومين من التظاهرات ــ نشرت صحيفة «الأهرام» عنوانا عريضا على صفحتها الأولى كان نصه:
المصريون يرفضون التخريب ويفضحون الحجم الحقيقي للإرهابية،

 والتقرير المنشور تحت العنوان وردت فيه العبارات التالية:
فشلت جماعة الإخوان الإرهابية في تعكير صفو احتفالات المصريين بذكرى تحرير سيناء.. مستغلة حماس بعض القوى السياسية في مسألة جزيرتي تيران وصنافير.. في محاولة لإثارة الشباب، لكن الشعب أحبط المحاولة إدراكا منه أنها ترمى إلى هدم الوطن ووقف مسيرته.

وتجلى هذا في الاستجابة الضعيفة لمثل هذه الدعوات.
وبرز توجه التيار العريض من الشعب في احتشاد الآلاف في عدد كبير من الميادين بالقاهرة والمحافظات حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، احتفاء بتضحيات رجال القوات المسلحة المخلصين وحرصهم الشديد وحمايتهم لتراب الوطن وعدم التفريط في حبة رمل واحدة منه.

هذا الكلام الذي لا هو خبر ولا تحليل ولكنه تقرير أمنى ركيك وساذج نشر بعد يومين من الحدث في إطار الإلحاح على شيطنة المتظاهرين وتشويههم.

 وثمة كتابات أخرى أكثر فجاجة جرى ضخها لتأكيد الشيطنة، بعضها أقرب إلى العبارات التي تكتب على جدران المراحيض العمومية،

 أما مسألة ضبط النفس التي تحلت بها الشرطة فقد وردت على لسان رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب محمد أنور السادات، في الحوار الذي أجرته معه جريدة «الشروق» ونشر في ٢٨/٧

ــ ومن المفارقات الطريفة أن المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي هو حكومي بامتياز وبياناته حافلة بمجاملة السلطة والتستر على انتهاكاتها لم يستطع أن يغطى على الممارسات «الحضارية» للشرطة،
 فأصدر بيانا نشرت «المصري اليوم» خلاصة له، انتقد القبض العشوائي على المواطنين وتوسيع دائرة الاشتباه في احتجازهم بالمخالفة للدستور.
 كما انتقد محاصرة الشرطة لنقابتي الصحفيين والأطباء ومحاصرة مقر كل من حزبي الكرامة والدستور.

 في الوقت ذاته نشرت «الشروق» خلاصة بيان مجلس نقابة الصحفيين الذي أدان الانتهاكات «المشينة» للشرطة بالاعتداءات التي تعرض لها الصحفيون أثناء تأدية عملهم في تغطية التظاهرات،
 كما انتقد البيان محاولات «قطعان البلطجية» الذي تجمعوا أمام مقر النقابة وحاولوا اقتحامها.

في مقابل ممارسات «الأبرار» من رجال الشرطة، فإن المتظاهرين «الأشرار» لم يجدوا وسيلة للتعبير عن معاناتهم وفضح ما جرى لهم سوى المدونات التي حفلت بها وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي،
 ومنها ما صدر عن بعض المحامين الشجعان الذين تحملوا الكثير لمحاولة الدفاع عن الشبان المحتجزين وحماية حقوقهم.

المفارقة المهمة في المشهد أن الإعلام الأمني الذي أراد أن يشير بأصابع الاتهام إلى مؤامرات الإخوان لتخريب البلد وإسقاط نظامها، حرص على أن يذكر أن أولئك الأشرار استغلوا الشباب النقي والطاهر لتحقيق أهدافهم.
ولكن ما حدث أن المحبوسين لم يكن بينهم أحد من الإخوان.
أما الذين تقرر احتجازهم وتمديد الحبس لهم كانوا أولئك الشباب «الطاهر والنقي» الذين تحدثت التسريبات الأمنية عن براءتهم.

خلاصة الرسالة التي لا يكف الإعلام الأمني عن الإلحاح عليها هذه الأيام هي أن كل متظاهر إما أنه مخرب ومتآمر وإما أنه مغيب وملعوب في رأسه.
وبهذا المنطق فليس بين المتظاهرين مخلص لوطنه وغيور عليه وغاضب لما أصابه.
 وهى ليست رسالة فحسب، ولكنها إنذار مبطن لكل من تسول له نفسه أن يغضب لوطنه أو يغار عليه.

 فهؤلاء لا مكان لهم في الميادين، ولكن سجن طرة جاهز لاستقبالهم وتلقينهم الدرس الذي لم يتعلموه.

.........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar