Subscribe:

Ads 468x60px

19 أبريل، 2016

مستقبل غامض للتحول الديمقراطى فى مصر – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 12 رجب 1437 19 أبريل 2016
مستقبل غامض للتحول الديمقراطى فى مصر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

حينا بعد حين تتضاعف الأسئلة الحائرة المثارة حول مستقبل الديمقراطية فى مصر.

(1)

حين وجهت النائبة الإسبانية، ارنيست مارجال عضو البرلمان الأوروبى سؤالا إلى الوفد المصرى حول وضع التحول الديمقراطى فى مصر، كانت خلاصة الرد أن العملية تستغرق ما بين خمس إلى عشر سنوات.

هذه المعلومة أبرزتها الصحف المصرية الصادرة يوم الجمعة الماضى (١٥/٤) فى سياق استعراضها لما حققته زيارة الوفد البرلمانى المصرى لمقر البرلمان الأوروبى فى بروكسل، لاحتواء آثار البيان الذى أصدره البرلمان المذكور وانتقد فيه انتهاكات حقوق الإنسان فى مصر.

لم نتعرف على الأساس الذى بنى عليه أعضاء الوفد المصرى تقديرهم للفترة اللازمة لإنجاز التحول الديمقراطى،
 لكن الملاحظ أن المدة اختلفت عن تلك التى سبق أن أعلنها الرئيس عبدالفتاح السيسى.

ذلك أنه ذكر فى الحوار الذى أجرته معه مجلة «جون افريك» الفرنسية (فى ١٤ فبراير الماضى) أن الديمقراطية عملية مستمرة يتطلب تحقيقها فى مصر فترة تتراوح بين ٢٠ إلى ٢٥ سنة.

وعندما ألقى عليه نفس السؤال فى اجتماعه مع رئيس مجلس النواب الأمريكى والوفد المرافق له (فى ٧/٤) كان رده أن العملية الديمقراطية مستمرة ولا يمكن تحقيقها بين عشية وضحاها.

هذه الخلفية تسلط الضوء على عدة ملاحظات هى:

<
إن ثمة قلقا أوروبيا وأمريكيا على الحالة الديمقراطية فى مصر.

< إن الاتفاق منعقد على أن الوضع الحالى ليس ديمقراطيا، وهو ما لم يختلف عليه المصريون مع الأوروبيين أو الأمريكيين.

<
إن السؤال لم يعد مثارا حول ما إذا كانت فى مصر ديمقراطية أم لا، ولكنه أصبح ينصب على الأجل الذى يمكن أن يتحقق فيه التحول المنشود.

<
إنه ليس هناك معيار واضح يمكن أن تقاس به جدارة مصر بالاستحقاق الديمقراطى،
 كما أن أجل توفير ذلك الاستحقاق مفتوح.
آية ذلك أن الوفد البرلمانى قدره بما يتراوح بين ٥ وعشر سنوات، فى حين وصل به الرئيس السيسى إلى ما بين ٢٠ و٢٥ سنة.

<
فى كل الأحوال فإن التحول الديمقراطى يظل حلما مؤجلا وليس حالا.


(2)

هذه الخلاصة تبدو محيرة فى بلد عرف الحياة الحزبية منذ أكثر من قرن من الزمان.

 ذلك أن أغلب المؤرخين المصريين يتفقون على أن «حزب الأمة» الذى تشكل فى شهر سبتمبر عام ١٩٠٧ هو أول الأحزاب المصرية التى تكونت بشكل رسمى.

 ورغم أن عدة مجموعات سياسية ظهرت قبل ذلك وقدمت نفسها باعتبارها أحزابا إلا أنها كانت مجرد تيارات نهضت لمقاومة الاحتلال البريطانى.
غير أن الأحزاب المصرية تبلورت بصورة أوضح وأكثر فعالية مع ثورة ١٩١٩، وانتعشت فى ظل دستور ١٩٢٣، الذى أسس لما سمى «بالمرحلة الليبرالية» التى استمرت حتى عام ١٩٥٢.

وخلال تلك الفترة كان حزب الوفد هو ممثل الأمة، كما أنها شهدت تداولا للسلطة مع حزب الأحرار الدستوريين والحزب الوطنى وغيرهما من أحزاب الأقلية.

خلال تلك المرحلة الليبرالية، شهدت مصر صراعا بين ثلاث قوى هى:
الملك والاحتلال وحزب الوفد.

 ويشهد المؤرخون بأنها اتسمت بحيوية سياسية نسبية، ساعد عليها أمران،
 أولهما إن الدستور أرسى أساس الحكومة الدستورية والحكم الملكى المقيد،
 كما أرسى الأساس لدولة القانون التى تقوم على الفصل بين السلطات، ووضع حدودا عامة لسلطات الملك والحكومة والبرلمان.
الأمر الثانى أن وجود الاحتلال البريطانى أعطى للجماعة الوطنية هدفا واضحا يبرر الاحتشاد حوله.

إزاء ذلك بوسعنا أن نقول إنه فى ظل دستور ١٩٢٣، وطوال ثلاثين عاما تقريبا (حتى قامت ثورة يوليو عام ١٩٥٢) خطت مصر خطوات عدة على طريق الممارسة الديمقراطية فكان للمجتمع حضوره المعتبر ممثلا فى الأحزاب السياسية وفى مجلس الشيوخ والنواب،

وعرفت تلك المرحلة تداول السلطة بين أحزاب الأغلبية كما عرفت الصراع بين تلك الأحزاب وبين الوفد وبين كل من الملك وسلطة الاحتلال،
 إلا أن المسيرة الديمقراطية توقفت مع سقوط الملكية وقيام الضباط الأحرار بثورة ١٩٥٢،
الأمر الذى أدى إلى وقف العمل بالدستور وإلغاء الأحزاب، وتولى مجلس قيادة الثورة إدارة دفة الأمور فى البلاد.

فى ظل النظام الناصرى تم تجميد المسيرة الديمقراطية لأسباب يمكن تبريرها، يتعلق بعضها بإزالة آثار النظام القديم ويتعلق البعض الآخر بتغيير أولويات النظام الجديد الذى شغل بالدفاع عن استقلال مصر ومساندة حركات التحرر الوطنى، وتحدى قوى الهيمنة فى ذلك الزمان،
 وهو ما عرض مصر للعدوان مرتين (فى عامى ١٩٥٦ و١٩٦٧)

ورغم زوال تلك الأسباب فى مرحلة السادات فإن تعطيل المسيرة الديمقراطية لم يستمر فقط.
ولكنه تعرض للتشويه فى ظل التعددية المصطنعة التى سمح خلالها بإقامة ثلاثة منابر لليمين واليسار والوسط فى عام ١٩٧٦.
وكان السادات هو من قوضها باعتقالات سبتمبر 1981.

وحين جاء مبارك فإنه أبقى على الأنقاض السياسية التى خلفها السادات كما هى، فى حين ظلت مراهنته الأساسية على جهاز أمن الدولة الذى أصبح حزبه الحقيقى.

 وخلال سنوات حكمه الثلاثين ظلت المسيرة الديمقراطية محاصرة فى غرفة الإنعاش، إلى أن ماتت السياسة بمضى الوقت، ولم تبعث إلا على وقع ثورة ٢٠١١.

وحين أطلق دستور2012 تشكيل الأحزاب فإن قصر التجربة لم يسمح لها بأن تنمو ولا أتاح للبرلمان المنتخب أن يثبت حضوره. إلى أن سقط حكم الإخوان فى عام ٢٠١٣،
وقادت القوات المسلحة التحول الذى أفضى إلى ما نحن بصدده.

وبعد صدور دستور المرحلة الجديدة فى عام 2014 أشرفت الأجهزة الأمنية على انتخابات مجلس النواب فى عام ٢٠١٥.
وبه أصبح لدينا برلمان بلا معارضة وأحزاب بلا فاعلية.
 الأمر الذى أعاد المسيرة الديمقراطية إلى نقطة الصفر.


(3)

فى ظل الوضع المستجد أصبح التحول الديمقراطى قضية مؤجلة، وتراجعت أولوية السياسة لصالح إنقاذ الاقتصاد.

وفى ترتيب أولويات المرحلة دأب الخطاب السياسى والإعلامى على الحديث عن الإرهاب تارة واستهداف مصر ومحاولات إسقاط نظامها تارة أخرى،

من ثم احتلت الحرب على هاتين الجبهتين أولوية قصوى. سوغت تعطيل مسار التحول الديمقراطى وتبرير الإجراءات الاستثنائية والانتهاكات التى وقعت لمواجهة احتمالات الخطر المفترضة، الكامنة فى الداخل أو تلك التى تهب رياحها من الخارج.
إلا أن ذلك الخطاب يبدو ذرائعيا ولا يصمد كثيرا أمام التفكيك والتحليل.. لماذا؟

لأن الإرهاب فى وضعها الراهن محاط بغموض كبير ولا وجود له على الأرض إلا فى شبه جزيرة سيناء،
وما أصاب بقية أنحاء مصر منه إما أنه كان من أصداء ما يجرى فى سيناء (تفجير بعض مديريات الأمن مثلا أو استهداف كمائن الشرطة)،
أو أنه تمثل فى حوادث محددة من أصداء الصراع السياسى الذى ترتب على عزل الرئيس الأسبق وإسقاط نظامه.

ورغم أننا لا نعرف حقيقة ما يحدث فى سيناء، إلا من خلال وجهة نظر واحدة فإن محاسبة المسئولين عن كل حوادث العنف ليست محل خلاف.
 إلا أن الخلاف يثور حين يتعلق الأمر بالحجم الحقيقى للظاهرة خارج سيناء وإلى أى مدى تعتبر إرهابا يهدد بإسقاط النظام وليس مجرد المشاغبة عليه والتنفيس عن الغضب إزاءه.

ناهيك عن أننا لا نعرف على وجه الدقة هوية الفاعلين ودوافعهم إلى ذلك.

ولأن تاريخ المرحلة كلها تكتبه الأجهزة الأمنية وإدارات التوجيه المعنوى وتروجه وسائل الإعلام، فإن وصف ما يجرى فى مصر بأنه خطر للإرهاب يظل قرارا سياسيا وليس تشخيصا موضوعيا للواقع،
 علما بأن السلطة تعترف بذلك علانية حين تدعو المستثمرين وتغريهم بالقدوم إلى مصر،
وما كان لها أن تفعل ذلك لولا أنها تدرك جيدا أن موضوع الإرهاب ليس بالخطورة التى يسوقها الإعلام.

المبالغة والإدعاء فى مسألة التآمر الخارجى لإسقاط الدولة فى مصر أكثر وضوحا.

ذلك أن التآمر حدث فى المرحلة الناصرية حين كانت مصر مؤثرة ومهددة لمصالح بعض الدول الكبرى فى المنطقة العربية والعالم الثالث.
إلا أن مصر الراهنة فقدت تأثيرها ولم تعد تغضب الدول المحيطة، بما فى ذلك إسرائيل عدوها الاستراتيجى والتاريخى،
وبالتالى لم يعد هناك أى مبرر للتآمر عليها.

وإذا كان لها بعض المعارضين الذين ينشطون فى الخارج، أو يستثمرون أجواء حرية التعبير هناك لانتقاد نظامها أو التواصل مع السياسيين الغربيين. فإن ذلك مما يتعذر وصفه بأنه تآمر لإسقاط الدولة،
 لأن العبرة فى النهاية بمواقف العواصم الغربية وقرارها السياسى وليست بتصريحات بعض الساسة فيها.

إذا صح ذلك التحليل فهو يعنى أن الحديث عن مخاطر إسقاط الدولة بالإرهاب أو بمؤامرات الخارج لا يستند إلى حقائق موضوعية،
وإنما هو من قبيل التهويل السياسى الذى يحاول إذكاء الشعور بالخطر والحاجة إلى الاحتماء بسلطة الدولة وعضلاتها.
وفى الوقت ذاته يبرر الإجراءات الاستثنائية وتشديد القبضة الأمنية، بما يؤدى تلقائيا إلى ترحيل الإصلاح السياسى بدعوى إن الوطن فى خطر وهناك ما هو أهم منه.


(4)

التحول الديمقراطى ليست له «روشتة» واحدة، وفى الكتاب الذى أصدرته المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (نشرت دار الشروق ترجمته العربية فى العام الماضى) دراسة متميزة لتجارب تسع دول نجحت فى إنجاز التحول المنشود.

وقدمت الدراسة من خلال حوارات مباشرة أجراها فريق من الخبراء والمتخصصين مع الرموز التى حققت الإنجاز.

ورغم اختلاف ظروف البلاد التسعة إلا أن الحوارات خلصت إلى ضرورة توفر عوامل عدة لإنجاز التحول الديمقراطى فى المقدمة منها ما يلى:
حيوية الحركات الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدنى صاحبة المصلحة فى التغيير
 ــ وضوح الرؤية لدى القوى السياسية والاجتماعية وتوحدها مع التركيز على ما يوحد الجماهير ولا يفرقها
 ــ إحكام السيطرة المدنية على الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات مع ضرورة الفصل بين الشرطة ومهام الجيش
 ــ الالتفاف حول القيادات التى ينعقد من حولها الإجماع الوطنى
ــ تحقيق العدالة الانتقالية بالتوازى مع استمرار القطيعة مع النظام السابق (الاستبدادى).

الخبرات التى عرضها المؤلفون فى نحو ٧٠٠ صفحة تضمنت دروسا نفيسة سلطت أضواء كاشفة على التجارب المختلفة التى مرت بها الدول التسع.
وقد أقنعتنى مطالعة الكتاب بأن مصر لم تبدأ بعد رحلة الإقلاع نحو التحول الديمقراطى.

وهو ما يؤيد وجهة النظر غير المتفائلة، التى لا تتحدث عن أجل بعيد فحسب، وإنما نرى بأننا صرنا بعيدين حتى عن نقطة البداية.
وأن الأثمان الباهظة التى دفعها ثوار ٢٥ يناير إذا كانت قد وضعت مصر على بداية الطريق، فإن ما آلت إليه الأمور بعد ذلك كان بمثابة تراجع عن تلك البداية.

وذلك ليس مفاجئا تماما، لأن خبرات التاريخ علمتنا أن انتكاسة الثورات قاعدة وليست استثناء،
وان نجاحها لا يتحقق إلا بالإصرار على مواصلة الطريق أيا كانت تكلفته

وتلك رسالة نحن أشد ما نكون فى حاجة إلى قراءتها واستيعاب مضمونها.

.......................

1 التعليقات:

ayman badawy يقول...

كلام منطقي، ولكن اذا وافقنا على أن الغاء ثورة 1952 للأحزاب وتعطيلها للمسيرة الديمقرادية واعتبرنا ان ذلك له ما يبرره طبقا لرأي الأستاذ هويدي فلقد رضينا بالمبدأ من الأساس ولا يحق لنا بعدها أن ننتقد من جاء بعد عبد الناصر اذا رأى أن له مبرراته أيضا أيا ما كانت

Delete this element to display blogger navbar