Subscribe:

Ads 468x60px

17 أبريل، 2016

الإعلام في بيت الطاعة

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 11 رجب 1437 18 أبريل 2016
الإعلام في بيت الطاعة - فهمي هويدي

صرنا في موسم الهجوم الرسمي على الإعلام في مصر، الذي أرجو ألا يكون تمهيدا لما هو أسوأ.

ورغم أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال في نقد وسائل الإعلام من النواحي المهنية والأخلاقية.
 إلا أن الهجوم الرسمي له أسباب أخرى جديرة بالرصد.

ذلك أن مشكلته من هذه الزاوية الأخيرة تكمن في أن ذوبانه في السلطة لم يتحقق بالدرجة المطلوبة.
فلا هو نجح في التستر على أخطائها ولا استطاع تبريرها ولا هو وفق في تجميلها،
 ثم أنه لم يتمكن من صد سهام النقد التي وجهت إليها،

وبسبب موت السياسة في البلد وانهيار بعض مؤسساتها وفقدان الثقة في البعض الآخر. فإن النظام القائم اعتمد على مصدرين للقوة تمثلا في الجيش والشرطة من ناحية والإعلام من ناحية أخرى.
 دور الأولين مفهوم ومعلوم،
 أما دور الإعلام فهو المكشوف أمام الجميع والمراهنة عليه كبيرة في توجيه الرأي العام وتصفية الحسابات السياسية في الداخل والخارج.

أفرق هنا بين الإعلام القومي والرسمي وبين إعلام المؤسسات الخاصة (إعلام الأحزاب خارج المعادلة لأنه يعبر عن تجمعات سياسية لا وزن لها).

الإعلام الرسمي ملتزم بموقف السلطة سواء بتوجيهات أو دون الحاجة إلى توجيهات.
 والإعلام الخاص ملتزم بنسبة ٩٠٪ على الأقل، وهو مضطر لأن يسمح بهامش من حرية الحركة لا يتجاوز ١٠٪.
وهذه النسبة المتواضعة تتيح هامشا من التنفيس الذي يسمح للرأي الآخر بالتعبير عن نفسه في حدود معينة،
فضلا عن أنه يضطر إلى ذلك لأسباب متعلقة بالتوزيع والمنافسة مع الصحف الأخرى

(لمسنا ذلك في تغطية مظاهرات يوم الجمعة التي تجاهلها الإعلام الرسمي والقومي ثم وصف بعضها المتظاهرين بأنهم عملاء في حين اهتم بها الإعلام الخاص واعتبر المتظاهرين وطنيين غاضبين).

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول بأن الإعلام المكتوب والمرئي أيضا هو تحت السيطرة بوجه عام وأن الهامش المتاح للتعبير في منابر الإعلام الخاصة هو الذي يزعج السلطة ويؤرقها. إضافة إلى مظاهر الضعف أو العجز التي سبقت الإشارة إليها.

أفرق أيضا في الإعلام بين الأخبار وبين التعليقات أو التحليلات.
ولا حيلة لوسائل الإعلام في الأخبار لأنها تتلقاها من مصادر في داخل البلاد أو في العالم الخارجي،

وبعض ما يرد في الداخل ملعوب فيه من جانب أجهزة السلطة التي كثيرا ما تسرب أخبارا بذاتها لحسابات معينة،
بعضها ينسب إلى الإعلاميين أنفسهم وبعضها ينقل عن «المصادر السيادية»

وما يرد من الخارج مجال اللعب فيه محدود ويتراوح بين ابتسارها أو حجبها بالكامل أو إبراز أجزاء منها وطمس أجزاء أخرى.

أما التعليقات أو التحليلات فيفترض أن تنسب إلى أصحابها، لكن مسؤول التحرير قد يحاسب عليها أيضا (بالغرامة المالية في الغالب)
 وذلك لكي يظل يقوم بدور الرقيب الذي يراعي الخطوط الحمراء ويضبط إيقاع النشر.

إذا كان الإعلام في مصر تحت السيطرة الكلية أو النسبية فلماذا هجوم السلطة وأبواقها عليه إذن؟
ولماذا تشير إليه أصابع الاتهام ويصبح شريكا في المسؤولية عن تفاقم الأزمات التي واجهتها مصر في الآونة الأخيرة.
 بدءا من قضية سد النهضة وانتهاء بحكاية جزيرتي تيران وصنافير
ومرورا بملفات تفجير الطائرة الروسية والباحث الإيطالي ريجيني وانتهاكات حقوق الإنسان التي انتقدها البرلمان الأوروبي.

إذ كل ما فعله الإعلام أنه قام بنشر الأخبار المتعلقة بتلك الأزمات خصوصا تلك التي صدرت عن الحكومة المصرية إضافة إشارته لأصداء تلك الأخبار في العالم الخارجي.

كما أن منابر الإعلام الخاص تحركت في هامش الرأي المتاح واحتملت بعض الآراء المغايرة والناقدة للموقف الرسمي.

ولكي تكتمل الصورة لا تفوتنا ملاحظة أن أصحاب الآراء الأخرى تعرضوا طول الوقت للقصف والتجريح الذي تراوح بين نعتهم بالمزايدة والاتهام بالعمالة.

وإذا كانت الصدور قد ضاقت بالانتقادات الهادئة التي نشرتها بعض الصحف أو ترددت على شاشة التليفزيون فإن الغضب الأكبر كان من نصيب مواقع التواصل الاجتماعي التي وجد فيها كثيرون منبرا أوسع وأرحب احتمل مختلف درجات النقد والشطط.

الملاحظة المهمة التي نستخلصها مما سبق أن الصداع الذي أصاب السلطة وأزعجها لم يكن مصدره الإعلام وإنما كان سوء أداء مؤسسات السلطة وأخطاؤها كانت المصدر الحقيقي للصدمة والبلبلة.

مع ذلك فإننا لم نسمع أن مواجهة شجاعة لمصدر الأزمات التي حدثت.
ولم يملك البرلمان المنتخب شجاعة محاسبة السلطة التنفيذية على أخطائها.
وكانت النتيجة إننا صرنا إزاء مشهد عبثي وجهت فيه أصابع الاتهام للناقل وليس الفاعل.

الملاحظة الأهم أن تعدد الأخطاء في ملفات بتلك الأهمية موزعة على مجالات عدة أمنية وإدارية وسياسية يعطي انطباعا بجسامة الخلل وانتشاره في العديد من خلايا جسم النظام،

الأمر الذي يتطلب إجراء جراحة كبرى لا أعرف إذا كان الجسم يتحملها أم لا.

وحين يصبح الأمر على ذلك النحو فسوف يدهشنا أن يتم تجاهل المشكلة الحقيقية وتنصب اللعنات وتوجيه الاتهام إلى الإعلام في دعوة ضمنية إلى صلبه تكفيرا عن أخطاء الآخرين.

......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar