Subscribe:

Ads 468x60px

12 أبريل، 2016

أن تصبح النخبة أضعف حلقات المشهد السياسي – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 5 رجب 1437 12 أبريل 2016
أن تصبح النخبة أضعف حلقات المشهد السياسي - فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

لا مفر من الاعتراف بأن عناصر النخبة أصبحت عبئا على الديمقراطية حتى غدت تمثل الحلقة الأضعف في الفضاء السياسي المصري.

(1)

يوم السبت الماضي احتفل حزب التجمع بمرور أربعين عاما على تأسيسه (عام ١٩٧٦) باعتباره منبرا لليسار وصياغة منقحة للحزب الشيوعي الذي بدأ نشاطه في مصر عام ١٩٢٠، في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

وكانت المناسبة فرصة للاطلاع على مسيرة الحزب الذي يمثل بنائب واحد في مجلس النواب الحالي.
ولأن ضمور الحزب وتراجع شعبيته خصوصا في الأوساط العمالية والكادحة التي يفترض أن تمثل جمهوره الأصلي، فإن تفسير ذلك التراجع ظل شاغلا لبعض قياداته ومعهم رموز تحالف القوى اليسارية.

وقد عرضت جريدة «المصري اليوم» في عدد الأحد ١٠/ ٤ لآراء نفر منهم في هذا الصدد.
وأثار انتباهي ما ذكره حسين عبد الرازق عضو المكتب السياسي لحزب التجمع حين أرجع أزمة الحزب إلى عوامل عدة منها الضربات الموجعة التي وجهتها إليه السلطة، وتماهي قيادة الحزب مع السلطة بعد عام ٢٠٠٨.

مدحت الزاهد القائم بأعمال رئيس حزب التحالف الشعبي أشار إلى دور القبضة الأمنية، وشدد على فكرة افتقاد التجمع لبوصلة الخط السياسي، عندما قام بمهادنة السلطة والتخلي عن الحريات وحقوق الإنسان مقابل الانخراط في محاربة الإرهاب.

صلاح عدلي الأمين العام للحزب الشيوعي أرجع الأزمة إلى الأسباب ذاتها مضيفا نقطتين،
الأولى أن أحزاب اليسار اختلفت في تحديد الخصم الذي تواجهه.
فحزب التجمع اعتبر أن الإسلاميين هم الخصم الوحيد (متبنيا موقف السلطة)،
وثمة تيار آخر اعتبر أن السلطة هي الخصم الوحيد
 في حين أن تيارا ثالثا ارتأى أن معركة اليسار ضد الاثنين ولا مفر من النضال ضدهما.
النقطة الثانية أن الرجل نبه إلى أن الضعف ليس من نصيب اليسار وحده لأن جميع القوى السياسية في مصر تعاني منها بدرجة أو أخرى.

(2)

النقطة الأخيرة قد تكون أكثر دقة إذا قلنا إن التشخيص ينطبق بدرجات متفاوتة على جميع أحزاب التيار المدني التي تتصدر المشهد السياسي الآن.

وأفرق هنا بين أن تقود تلك الأحزاب أو تشارك في القرار السياسي.
وبين أن تجلس في الصف الأول لمقاعد المتفرجين على المشهد السياسي.
 والصدارة التي أعنيها تنصب على الحالة الأولى دون الثانية.
 ذلك أن التماهي مع السلطة وفقدان البوصلة والتخلي عن القيم الأساسية المتعلقة بالحرية والتعددية وحقوق الإنسان وغير ذلك مما نعتبره ثوابت للمسار الديمقراطي وركائز للمجتمع المدني،

ذلك كله تراجع في أولويات تلك الأحزاب بدعوى الانخراط في مكافحة الإرهاب والتفرغ لإنجاز تلك المهمة المصيرية
 ولأن الإرهاب صار عنوانا للإسلام السياسي الذي رفع شعار الإسلام هو الحل فإن فصائل التيار المدني شكلت ائتلافا تحالفت فيه مع القوات المسلحة والشرطة ورفعت شعار «الإسلاميون هم المشكلة»
 وتقدمت مسيرة ذلك التحالف ابتداء من ٣٠ يونيو عام 2013 على النحو الذي يعرفه الجميع ووصف لاحقا بأنه «ثورة»، قال البعض إنها مكملة لثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، في حين قال آخرون إنها نسخت تلك الثورة وصوبت مسارها.

تحالف الأحزاب المدنية مع المؤسستين العسكرية والأمنية انخرط فيه إلى جانب اليسار مجموعات القوميين والليبراليين والناصريين وكل من رفض التيار الإسلامي أو خاصمه.

وأنبه هنا إلى أنه ظهر بين هؤلاء جميعا أفراد لم يتخلوا عن مبادئهم رغم معارضتهم للإسلام السياسي أو خصومتهم مع الإخوان.
وظل هؤلاء يمثلون استثناء خفيض الصوت وعديم التأثير في مسار ومواقف القوى المدنية.

ثمة ملاحظتان يجدر الانتباه إليهما في هذا الصدد.
الأولى أن ثورة ٢٥ يناير تراجع فيها دور النخبة فضلا عن أنها كانت بغير قيادة.
 أما ائتلاف ٣٠ يونيو فقد تصدرته النخبة التي ظهرت بعد الثورة وسلمت قيادها للمؤسستين العسكرية والأمنية.

الثانية أن ثورة يناير رفعت شعارات اختزلت أشواق الجماهير في العيش والحرية والكرامة الإنسانية.
أما ائتلاف يونيو فإنه أعطى الأولوية لهدف الخلاص من حكم الإخوان وقدمه على أى أهداف أخرى.

لذلك اعتبرت الأولى ثورة الجماعة الوطنية في حين صار الائتلاف المذكور تعبيرا عن حسابات الجماعة السياسية المدنية المتحالفة مع المؤسستين العسكرية والأمنية.

(3)

الصراع ضد الإسلام السياسي ربما كان مفهوما ومحتملا لو أنه ظل في حدود التنافس الشرس بين القوى السياسية، بأساليبه المشروعه أو حتى غير المشروعة.
إلا أن الأمر اختلف والخسارة صارت أكبر وأفدح حين أصبح الصراع الشاغل الأساسى والقضية المركزية للقوى المدنية.

 ذلك أنه حين اتخذ منحى استئصاليا، عمدت في ظله تلك القوى إلى تصفية حساباتها التاريخية كما سعت إلى الانفراد بالساحة، فإنها لم تخسر نفسها فحسب وإنما صارت الخسارة الأكبر من نصيب الوطن وحلمه الذي ثار من أجله في ٢٥ يناير.

أشرت توا إلى أن تلك الأحزاب خسرت نفسها لأن التحالف الذي التحقت به واستقوت بمكوناته اضطرها إلى التماهي مع السلطة حينا ومع المؤسسة الأمنية في أحيان كثيرة.

وحين رضيت بموقع التابع (أو البوق) وليس الشريك، فإنها فقدت شرعيتها وألغت مبرر وجودها.
وهو ما أيدته شواهد الواقع حين وجدنا أن تلك الأحزاب تخلت عن شعاراتها ومبادئها المعلنة، وعصفت بها بمجرد أن لاحت لها فرصة التماهي مع السلطة وتصفية حساباتها مع تيار الإسلام السياسي.

وحين فعلتها الأحزاب المدنية فإنها عملت على إقامة ديمقراطية اللون الواحد. التي سوغت إقصاء «الأغيار» وإلغاءهم من الحياة السياسية والمجال العام.

وحين أقدمت على تلك الخطوة فإنها استلهمت وأحيت النموذج السوفيتي الذي اعتنى بتوفير هياكل الممارسة الديمقراطية، في حين فرغها جميعا من دورها ووظائفها.
فتشكلت الأحزاب وأجريت الانتخابات ونصبت البرلمانات وأقيمت مختلف المؤسسات «المستقلة»،
لكن كل ذلك تم برعاية وتحت عباءة السلطة والحزب الحاكم وهو ما لمسناه فيما تكشف عن دور الأجهزة الأمنية في الترشح لانتخابات مجلس النواب المصري وتشكيل الائتلافات التي تضمن السيطرة على الأغلبية البرلمانية.

الخسارة الأكبر التي لحقت بالوطن وأسهمت فيها الأحزاب المدنية تمثلت في إجهاض ثورته التي أطلقت في 25 يناير.
فلا تحققت الدولة المدنية الديمقراطية التي كانت حلما راود الجميع.
ولا احتفظت بموقعها الريادى في العالم العربي.

وحين تبدد حلم الدولة المنشودة بدعوى التصدى لإعصار الإرهاب، فلم يعد هناك محل للحديث عن تحديات الأمة. من قضية فلسطين إلى الوحدة العربية مرورا بالخروج من الهيمنة الغربية.

وهو ما فتح الأبواب واسعة لإزالة آثار الربيع العربي وحلول سلسلة من الكوارث التي ضربت المنطقة
وكان التشرذم الذي أدى إلى ظهور «داعش» أبرزها، والتمدد الاستيطاني الإسرائيلي في المقدمة منها وتنامي الصراع المذهبي من بينها.

(4)

للزعيم السوفيتي ومؤسس الحزب الشيوعي فلاديمير لينين مقولة شهيرة نبه فيها إلى أن المثقفين أقدر الناس على ارتكاب الخيانة، لأنهم أقدر الناس على تبريرها.

ورغم أن الخيانة كلمة شديدة أتردد في استخدامها. إلا أنني أفهم أنها ليست مقصورة على خيانة الوطن ولكنها تشكل أيضا خيانة المبادئ والعهود.

ورغم أن المقولة خطرت لي أثناء متابعة الموضوع وتقليب أوجهه. إلا أننى أفضل استخدام كلمة التراجع أو التخلي في وصف دور النخبة،
 الأمر الذي يدفعني إلى إعادة صياغة المقولة بحيث تعتبر المثقفين أجرأ الناس على التخلي عن المبادئ لأنهم أقدر الناس على تبرير مسلكهم،

وقد تابعنا تلك الجرأة في المشهد السياسي المصري، حيث طرحت فكرة «الضرورة» لتبرير ما لا ينبغي القبول به وتبريره،
وحين جرى تمرير الاستثناءات التي أدت إلى تكبيل الحريات العامة بدعوى أن الأوضاع الاستثنائية تتطلب اللجوء إلى إجراءات استثنائية،
وحين قبل البعض بتكميم الأفواه وإسكات أصوات النقد بدعوى أن مصر تخوض حربا دفاعا عن وجودها ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
وحين استخدم مصطلح الإرهاب لتبرير انتهاكات حقوق الإنسان
 وحين.. وحين.. وحين.. إلخ.

الأمثلة كثيرة وأحدثها تنافس بعض عناصر النخبة في الدفاع عن موقف وزارة الداخلية في موضوع الباحث الإيطالى جوليو ريجينى الذي عذب وقتل بعد اختطافه في 25 يناير الماضي.

فسمعنا الأكاديمي الليبرالي الذي نفى ضلوع الداخلية في الحادث لأنها تقوم بتعذيب المصريين فقط ولا تتعرض للأجانب،
 وأتحفنا القيادى اليسارى برأى آخر ادعى فيه أن الإيطالى جاسوس لأجهزة بلاده وأن الإخوان ربما كانوا وراء اختطافه وتعذيبه من خلال اختراقهم لبعض الأجهزة المصرية.

رغم أن ثمة بوادر للصحوة لاحت في الآونة الأخيرة بين عدد من مثقفي التيار العلماني والمدني، إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة الدور السلبي الذي قامت به أغلبيتهم فيما آلت إليه الأمور

وحين يكتب تاريخ مرحلة ما بعد 30 يونيو، فأغلب الظن أن تداعيات تحالف التيار المدني مع المؤسستين العسكرية والأمنية سوف يحتل أحد أهم فصوله.

 أما انكشاف النخبة ورسوب الأغلبية الساحقة في اختبار الدفاع عن ضمير المجتمع وأحلامه فسيكون له فصل آخر صادم ومثير،

 أما نخبة التيار الديني فلي معها كلام آخر، لم أجد من الإنصاف أو المروءة الخوص فيه الآن، لأن الآلاف منهم في السجون والمعتقلات الأمر الذي يصادر حقهم في مناقشة ما ينسب إليهم أو رده.

......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar