Subscribe:

Ads 468x60px

15 مارس، 2016

أجراس الداخل إذ تقرع بانتظار من يسمع – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 6 جمادى الآخر 1437 – 15 مارس 2016
أجراس الداخل إذ تقرع بانتظار من يسمع – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

كثيرة هي أصوات التنبيه والتحذير التي علت في مصر خلال الأسابيع الأخيرة،
 وهي ظاهرة صحية تحقق مرادها إذا وجدت من يسمعها ويتفاعل إيجابيا معها. 

(1)

في حين يدوي في الفضاء الخارجي بيان البرلمان الأوروبي الذي انتقد انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، فإن خطابنا الرسمي ظل على موقفه في إنكار وجود تلك الانتهاكات.

أما الأبواق الإعلامية ذات الصلة فإنها لجأت إلى التشكيك في نزاهة الأغلبية البرلمانية التي أيدت إصداره،
 حتى إن جريدة الأهرام نشرت يوم الأحد ١٣/٣ تقريرا مطولا كان عنوانه:
البرلمان الأوروبي وقع في فخ التنظيم الدولي للإخوان.

وتنافست بعض القنوات في الترويج للرسالة، فاستضافت واحدة لواء سابقا صار عضوا بمجلس النواب قُدم باعتباره قياديا في ائتلاف «دعم مصر»،

قال صراحة إن أعضاء البرلمان الأوروبي ليسوا منحازين إلى الإخوان فحسب ولكنهم «قبضوا» منهم (الذين أيدوا البيان ٥٨٨ عضوا)،

 إلا أن أحد الإعلاميين في قناة أخرى استكثر أن يتم الدفع لذلك العدد الكبير من أعضاء البرلمان الأوروبي،
فقال إن الذي كتب البيان هو الذي قبض، رغم أنه لم يفسر السبب الذي دعا الأغلبية الكاسحة إلى تأييده (الذين اعترضوا على البيان عشرة أعضاء فقط) . 

المفارقة أن معلومات البيان الأوروبي لم تختلف في شيء عن مضمون بيانات المنظمات الحقوقية المستقلة في مصر، التي تتبنى موقفا سياسيا مناهضا للإخوان،
ولا يستطيع أحد أن يدعي أنها منحازة أو «قابضة» منهم، لكنها أقامت حاجزا بين ما هو سياسي وما هو إنساني، فضلا عن أن الانتهاكات لم تعد تستهدف الإخوان وحدهم، لكنها أصبحت قاعدة في التعامل مع مختلف القوى الوطنية والسياسية المعارضة، بل مع المهنيين والمواطنين العاديين. 

الملاحظة الأهم أن لهجة بيان البرلمان الأوروبي التي اتسمت بشدة غير مألوفة تزامنت مع دعوات المراجعة وتصاعد مؤشرات النقد والتحذير في داخل مصر،
 وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأن صوت الأجراس أصبح عاليا ليس في الخارج فحسب وإنما في الداخل أيضا. 

(2)

خلال الأسابيع الأخيرة ظهرت في الفضاء المصري مبادرات عدة، لمجموعات وأشخاص،
 جاء بعضها معبرا عن التحفظ والقلق، في حين علت لدى البعض الآخر نبرة النقد، الذي تجاوز الخطوط الحمراء في بعض الحالات.

فحين أطلقت قبل أشهر قليلة دعوات تعديل الدستور إثر ملاحظة أبداها الرئيس السيسي وذكر فيها أنه كتب «بحسن نية»،
فإن ذلك دعا مجموعات الموالاة التي مثلت في البرلمان إلى تبني فكرة التعديل،

 إلا أن بعض عناصر النخبة المصرية استنفرت وقررت أن تتحدى ذلك التوجه من خلال مبادرتين،
إحداهما تبناها الدكتور سمير عليش حملت اسم «منتدى الحياة الدستورية والعدالة للجميع»،
والثانية قادها السيد عمرو موسى باسم «المؤسسة المصرية لحماية الدستور»،
 بالتوازي مع ذلك طرح السيد حمدين صباحي مؤسس التيار الشعبي مبادرة أخرى دعت إلى توحيد القوى المدنية لتقديم ما أسماه «البديل المدني» للسياسات وليس للأشخاص،
واقترح الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح مؤسس حزب مصر القوية محاولة تجاوز الأزمة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة،
واقترح الدكتور سعد الدين إبراهيم إجراء مصالحة بين السلطة والإخوان، تقوم على اعتذار الأخيرين وتفهم نبذ العنف.
وأصدر الاشتراكيون الثوريون بيانا دعوا فيه إلى اصطفاف وطني يشمل الإخوان والتيارات الإسلامية لمواجهة الثورة المضادة وتحدي آلة القمع. 

ثمة أصوات أخرى برزت داعية إلى بعض المراجعات ومعبرة عن القلق، فقد دعا زميلنا عماد الدين حسين رئيس تحرير الشروق إلى تجميد فكرة العاصمة الإدارية،
ونقل عن أحد الخبراء وصفه لها بأنها بمثابة «انتحار اقتصادي».

وانتقد الدكتور سامح العطوي الاستعجال في حفر تفريعة قناة السويس قائلا إن مصر ستدفع فوائد بنسبة ١٢٪ على أصل ٦٠ مليار جنيه تكلفتها بسبب ذلك الاستعجال.
 أي أكثر من ٧٠٠ مليار في السنة بمعدل أكثر من ٦٠٠ مليون جنيه في الشهر، تعني ٢٠ مليونا في اليوم الواحد،
وهي تكلفة تعني الكثير لو أنها أنفقت على مشروعات إنتاجية يمكن أن تنقذ الاقتصاد المصري.

يوم ١٢/٣ نشرت صحيفة «المصري اليوم» مقالة للخبير الإعلامي ياسر عبدالعزيز عنوانها: «تقرير لن يقرأه الرئيس»
 أراد به أن يضم صوته إلى المنبهين والمحذرين،
 واستشهد فيما كتب بآراء أربعة من الكتاب وصفهم بأنهم «ليسوا الأكثر حدة في الانتقاد، ولا الأكثر إغراقا في التشاؤم، ولكنهم من المؤمنين بـ٣٠ يونيو ومن المؤيدين للنظام، ومن أصحاب السوية النظيفة والمكانة المحترمة والاعتبار والنظر.

شهادات الكتاب الأربعة جاءت على النحو التالي:

«
كسيارة مندفعة تعطلت كوابحها، تبدو مصر أمام لحظة حرجة جديدة في تاريخها الحديث..
هناك انكشاف يتمدد في أبسط تفاصيل الحياة إلى أعقد ملفات الأمن القومي،
وفي هذه الأحوال الخطرة لا يمكن استبعاد أي سيناريو مهما كانت قسوته».
عبدالله السناوي في جريدة الشروق - عدد ٨ مارس.

«
ربما لم تشهد مصر في تاريخها المعاصر واقعا سياسيا شبيها بالذي تمر به الآن..
والحقيقة ليس لدينا نظام سياسي بالمعنى المتعارف عليه في النظم الشمولية الناجحة، ولا بالطبع النظم الديمقراطية،
 وكل ما يقوله الحكم عن التنمية والإنجاز نرى عكسه في الإعلام والممارسة العملية».
د. عمرو الشوبكي في المصري اليوم- ٩ مارس.

«
لا أتمنى ولا أحد يتمنى أن تنفجر ثورة ثالثة قريبا، لكن طالما أن النظام يسلك نفس المسار الخاطئ، من دون وجود رؤية للمستقبل،
وباستمرار الاعتداء على الدستور والشباب، وإقرار الأمن مقابل الحقوق والحريات، سيؤدي ذلك كله إلى اضطراب اجتماعي وثورة، والغبي من يكرر نفس التجربة متوقعا نتائج مختلفة».
الشاعر سيد حجاب في حوار مع المصري اليوم- ١١ مارس. 

«
فعلا أنا يائس من عمل أي شيء لهذا البلد الجميل، الذي أراه ينهار أمامي ولا أستطيع أن أفعل شيئا». الدكتور محمد أبوالغار في مقالة بعنوان «حزين عليك يا وطن» نشرته المصري اليوم في ٧ مارس. 

أضيف من عندي شهادة وقعت عليها في مقالة للدكتور أحمد عبد ربه نشرتها صحيفة الشروق في ١٣ مارس تحت عنوان:
عن نزيف مصر الذي لا ينتبه إليه أحد.
إذ ختمها بقوله «السياسات الحالية طالما أنها لا تتغير، فستتحول مصر إلى بلد منبوذ، بل معزول..
بلد يتعامل معه البعض على أنه منكوب..
بلد يسمع البعض عنه لا منه عبر وسطاء، لأنه أصبح يلفظ الآخر». 

(3)

القراءة القلقة ليست مقصورة على الحاضر فقط، لكنها شملت رؤية المستقبل أيضا،
وهو ما نبهتنا إليه كتابات اثنين من الذين شاركوا في الدراسات التي أجريت لصياغة رؤية مصر ٢٠٣٠ التي تم إعلانها في مؤتمر عقد قبل عشرة أيام.
الاثنان هما الدكتور أحمد عبد ربه أستاذ العلوم السياسية والكاتب الصحفي أيمن الصياد.

ذلك أننا فهمنا أن ثمة اختلافا مهما بين المشروع الذي أعد لتلك الرؤية وبين الصيغة النهائية التي وزعت على المشاركين في الاحتفال الرئاسي الذي أعلنت فيه،

 وهو ما فصل فيه زميلنا أيمن الصياد في مقالته التي نشرتها الشروق يوم الأحد الماضي (١٣/٣)،

 ذلك أنه نبهنا إلى الرؤية التي أعلنت وركزت على المستقبل في جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، فتطرقت إلى الطاقة والبحث العلمي والعدالة الاجتماعية والصحة والتعليم والثقافة والبيئة والتنمية العمرانية،

 وهي جوانب مهمة لا ريب، لكن الرؤية أغفلت ما أورده المشروع الأصلي بخصوص حوكمة السياسة الداخلية وترشيدها،
 واختزلت فكرتها في فقرة واحدة تضمنتها النسخة التي تم توزيعها، في حين أن الموضوع نال اهتماما خاصا في المشروع،
حيث تم تخصيص محور مستقل ومفصل للنظام السياسي المأمول، الذي وصف بأنه «نظام سياسي ديمقراطي يحترم مبادئ حقوق الإنسان ويقوم على سيادة القانون».

وجرى التفصيل في رصد معالم النظام الرشيد المأمول، من خلال التركيز على عناوينه التي تمثلت في الديمقراطية والتعددية والعدالة والمواطنة وحقوق الإنسان وسيادة القانون وتداول السلطة. 

الملاحظة مهمة ودلالة حذف المواصفات المرجوة للحكم الرشيد خطرة، لأنها تعكس تصورا للمستقبل يحذف السياسة ويركز على التنمية،
وكأنها تتزعم المقولة التي ترددت حول عدم جدارة المصريين بالديمقراطية، وترحيل استحقاقهم لها إلى ما بعد ٢٠ أو ٢٥ عاما. 

(4)

ما سبق يعبر عن أحد أوجه الصورة ولا أحد يستطيع الادعاء بأنه يمثل تمام الصورة،
 إذ لا يستطيع منصف أن ينكر الجوانب الأخرى التي تعبر عن القدر الملآن من الكوب،

مع ذلك فإن تعلو الأصوات محذرة ومنبهة إلى ما هو فارغ فإن ذلك يعد عاملا جديدا في المشهد له دلالته المهمة،
 ذلك أنها دالة على تصاعد مؤشرات عدم الرضا والقلق على الحاضر والمستقبل.

وتكتسب تلك المؤشرات أهمية أكبر حين تصدر الأصوات من داخل صفوف الأنصار والمؤيدين.
وإذا كانت المنظمات الحقوقية المستقلة في مصر ظلت طوال العشرين شهرا الماضية تقف وحيدة في الساحة محذرة ومنبهة إلى مغبة انتهاكات حقوق الإنسان، والتحقت بها في وقت لاحق بعض فصائل المعارضة السياسية،

 إلا أن دائرة النقد اتسعت كثيرا وأصوات أجراس التنبيه والتحذير تعالت في الآونة الأخيرة وظل رنينها عاليا ومسموعا في أوساط ائتلاف ٣٠ يونيو الذي رفض الإخوان وأنهى حكمهم. 

بطبيعة الحال فإن بعض دوائر الموالين هاجمت بشدة وشراسة تلك الأصوات الناقدة، خصوصا تلك التي دعت إلى حماية الدستور أو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

 وهؤلاء المهاجمون يتصدرون الهياكل التي شكلتها الأجهزة الأمنية ودفعت بها إلى صدارة المشهد في البرلمان أو في الساحة الإعلامية.

إزاء ذلك فإن ما سمي بائتلاف ٣٠ يونيو اختلفت فيه المسارات، بحيث انقسم إلى فريقين، أحدهما وقف مدافعا عن النظام وآخر رفع لواء الدفاع عن الدولة.
الأولون برروا الأخطاء وتشبثوا بالقدر الملآن من الكوب،
والآخرون لم يترددوا في تسليط الأضواء على الأخطاء ودعوا إلى رؤية واضحة تحقق امتلاء الكوب.

يحدث ذلك في ظروف بالغة الدقة، إذ تتعالى أصوات القلق بشأن ممارسات السياسة الداخلية وصراعات أجنحة السلطة بخصوصها، في وقت تعاني مصر من أزمة اقتصادية خانقة وتهددها أزمة مائية يعلم الله تداعياتها ومداها مع تمام إنشاء سد النهضة الإثيوبي في العام المقبل ٢٠١٧. 

في الحديث عن سيناريوهات المرحلة المقبلة تحدث الكاتب عبدالله السناوي في مقالته التي نشرتها «الشروق» في ٨/٣ عن «ضغوط غربية على السيسي لعدم استكمال مدته الرئاسية».
ولا أعرف مدى دقة المعلومة، لكن الذي أعرفه أن النخبة الوطنية المصرية مدعوة الآن وأكثر من أي وقت آخر إلى التنادي لاستعادة وحدة الصف الوطني وإنقاذ البلد قبل فوات الأوان، كي لا يصبح مصيرها متروكا لضغوط الآخرين في الخارج ومزايدات المنتفعين والمهرجين في الداخل.

...............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar