Subscribe:

Ads 468x60px

22 فبراير، 2016

لا تنتظروا اعتدالًا من المظلومين – المقال الاسبوعى

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 14 جمادى الاولى 1437 23 فبراير 2016
لا تنتظروا اعتدالًا من المظلومين – فهمي هويدي – المقال الاسبوعى

لا نستطيع أن نراهن على الاستقرار فى مصر ما لم نضع حدا للظلم وبغير ذلك، لن تكون للإرهاب نهاية.

(1)

هذه قصة صغيرة تثير القصة الكبيرة والخطرة المسكوت عليها، فقد نشرت الناشطة الشابة المصرية منى سيف رسالة على صفحتها على فيسبوك وجهتها إلى الأجانب بعد اكتشاف جثة الباحث الإيطالى ريجينى، حذرتهم فيها من القدوم إلى مصر لأى سبب،
 فذكرت أن مناخها بات موبوءا والموت والرعب ينتظر كل أجنبى،
 وأن السلطات المصرية عاجزة عن حماية الأجانب، بعدما أصبح الأجنبى معرضا للاتهام بأنه جاسوس فضلا عن أنه بات بوسع كل شرطى أن يحتجز أو يعذب أى عابر سبيل فى الطريق لأى سبب... إلخ.

بعدما ظهرت الرسالة على صفحتها على موقع فيسبوك انتقدها كثيرون، وكان أبرزهم الكاتب القدير والمناضل اليسارى المخضرم الأستاذ صلاح عيسى.
إذ نشر تعليقا على دعوتها استهله بالعبارة التالية:

لا أعرف على وجه التحديد طبيعة المشاعر التى دفعت منى سيف إلى كتابة الرسالة.
مضيفا أنها «لو وجهت ضد نظام الحكم الحالى أو ضد الشرطة والقوات المسلحة لا يمكن اعتبارها ــ مع كثير من التسامح ــ مجرد وجهة نظر سياسية خاطئة ومضرة، تتصادم مع وجهة نظر أغلبية المصريين الذين يساندون النظام،

ولكن الرسالة فى جوهرها تتوجه ضد الشعب المصرى.
 إذ هى بدعوتها السياحة الأجنبية لعدم زيارة مصر تسعى إلى زيادة الصعوبات الاقتصادية والمعيشية التى يعانيها المصريون منذ سنوات،
 كما أنها تتبنى وجهة نظر فوضوية يتوهم أصحابها أن الوسيلة الوحيدة لدفع الشعب المصرى ليتخلى عن مساندة نظام الحكم الحالى هى تجويعه وتصعيب الحياة اليومية عليه،

وختم الأستاذ صلاح تعقيبه قائلا إن منى سيف وأمثالها من الفوضويين الذين يتوهمون أنهم ثوريون، وأنهم يدافعون عن حقوق الإنسان وعن الديمقراطية،
وأنهم يحاربون ما يسمونه سلطة الانقلاب فى حين أنهم لا يحاربون إلا الشعب المصرى.

(2)

أتفق مع الأستاذ صلاح عيسى فى موقفه، وأعارضه فى الحجج التى أوردها.
بما يعنى أن الإدانة فى محلها إلا أن المنطوق معيب والحيثيات مشوبة بالتغليط،

 ذلك أننى معه فى أن دعوة الأجانب لعدم القدوم إلى مصر أيا كان الموقف من نظامها خطأ جسيم.

 مع ذلك فقد استغربت قوله إنه لا يعرف طبيعة المشاعر التى دفعتها إلى كتابة ذلك الكلام.
 إذ توقعت أن يكون هو من أكثر الناس معرفة بظروفها وطبيعة مشاعرها.
 فهى ابنة أسرة عانت طويلا من الظلم والاضطهاد.
بدءا من الأب والشقيقة وانتهاء بشقيقها علاء الذى يعد من أشهر المساجين المصريين الذين دفعوا ثمنا باهظا لاعتراضهم على المحاكمات العسكرية ولمواقفهم السياسية، وهو ينفذ الآن حكما بسجنه خمس سنوات.

 إذ حين تمر الفتاة بهذه التجربة ــ (فى محيطها المباشر، ناهيك عن غير المباشر) فلا يستغرب أن تمتلئ بالنقمة والسخط،
 وتلك خلفية تساعدنا على تفهم موقفها الذى دفعها إلى التعبير عن نفسها بذلك الأسلوب.

عندى ثلاث ملاحظات على مضمون تعليق الكاتب القدير:

<
إن ما صدر عن الأستاذة منى سيف بولغ فى حجمه بأكثر من اللازم.
 ذلك أننى لم أسمع به إلا بعد التعليق الذى صدر عن الأستاذ صلاح عيسى،
لذلك فادعاؤه بأن ما ذكرته على صفحتها الخاصة يمكن أن يؤدى إلى تطفيش المستثمرين والسياح وتجويع المصريين وتهديد مستقبل الشعب المصرى، كلام يعطيها وزنا أكبر مما ينبغى ويحمل كلامها بأكثر مما يحتمل.

 ذلك أنه ليس أكثر من «فشة خلق» لا تستحق أكثر من العتاب، لا التهويل الذى يمكن أن يؤدى إلى تجريمها ومحاكمتها.

< إن الأستاذ صلاح فى مرافعته وسعها «حبتين» حين ذكر أن كلامها كان يمكن التسامح معه لو أنه كان ضد نظام الحكم الحالى أو أنه كان ضد الشرطة والقوات المسلحة،

وذلك إفراط شديد فى التفاؤل، لأن الكاتب يعلم أن ثمة شبابا كثيرين يقبعون بلا محاكمة فى السجون منذ سنة أو سنتين لانهم اتهموا بما هو دون ذلك بكثير،
أحدهم صبى معتقل منذ ٧٠٠ يوم لمجرد أنه ارتدى يوما ما قميصا «تى شيرت» كتبت عليه عبارة «وطن بلا تعذيب».

< إننى تمنيت ألا يضم الأستاذ صلاح المدافعين عن حقوق الإنسان والديمقراطية الذين يمثلون بعض آمالنا فى انصلاح الأحوال، ضمن الفوضويين، خصوصا أنه كان يوما ما من ضحايا غياب الديمقراطية واستمرار الانتهاكات التى عانت منها أسرة الأستاذة منى سيف.

(3)

القضية أكبر بكثير من كونها رأيا ناقما وردًّا عليه.
ذلك أن حالة الأستاذة منى تنبهنا إلى خطورة ما يحدثه الظلم والاضطهاد فى عائلات ومحيط المظلومين، فإنزال الظلم بأناس والتنكيل بهم لا يروعهم أو يصيبهم وحدهم،
ولكنه يشيع درجات من السخط والغضب فى أسرهم، ويجعل أبناءهم وأشقاءهم بمثابة كيانات مملوءة بالنقمة،
وهو ما يحولهم إلى مشروع ألغام وقنابل موقوتة جاهزة للانفجار فى أى وقت.

وإذا انتبهنا إلى أن المساجين السياسيين يقدر عددهم بأربعين ألفا، حسب التقديرات الحقوقية، فذلك يصور لنا النتائج السلبية الفادحة التى تترتب على استمرار احتجازهم وتلفيق القضايا لهم.

إذ إن ذلك يحول ذويهم إلى جيش من الساخطين على كل شىء فى البلد،
 وهؤلاء يصبحون جاهزين لممارسة العنف بمختلف درجاته، بما فى ذلك العمليات الانتحارية.

مشهورة عبارة ابن خلدون التى ذكر فيها أن الظلم مؤذن بفساد العمران، إلا أن خبرة ذاكرة القهر علمتنا أن الظلم يخرب الإنسان أيضا وليس العمران وحده.

وذاكرة القهر عنوان لكتاب للدكتورة بسمة عبدالعزيز درست فيه باستفاضة حالات المعذبين، الذين تعرضوا للتشويه النفسى والبدنى.

موقف الأستاذة منى سيف يعد نموذجا مخففا للغاية لأصداء الظلم فى محيط المظلومين،
وهو الجانب المسكوت عليه رغم أنه يختزن مشاعر النقمة والعنف ويجهز لعوامل الانفجار

لذلك فلا بد أن يدهش المرء إزاء تعدد التجارب المعاصرة التى كان فيها الظلم أحد أهم مصادر العنف فى المجتمعات العربية، بحيث ظل بطش السلطة ملهما ومعلما لشيوع العنف فى تلك المجتمعات.

مع ذلك فإن أحدا لم يتعلم أو يعتبر، لا من تجربة جماعة التكفير التى ظهرت فى مصر خلال سبعينيات القرن الماضى،
ولا من نموذج تنظيم داعش الذى يروع كثيرين هذه الأيام بعدما ألقيت بذوره فى السجون العراقية والسورية.

استوقفنى فى هذا السياق تقرير بثته وكالة «رويترز» للأنباء (فى ١٥/٢) تحدث عن محاولات داعش اختراق الواقع المصرى،

 قالت فيه إن الأجواء السائدة فى البلاد أحدثت تدهورا فى الأوضاع الأمنية، تزامن مع الفراغ الأيديولوجى الناشئ عن استمرار الصراع مع الإخوان،
الأمر الذى وفر أرضا خصبة تمكن التنظيم الإرهابى من مد نشاطه إلى مصر.
لم أستطع التثبت من أصل التقرير ولكننى وجدت خلاصة له نشرتها صحيفة الديار اللبنانية فى ١٦/٢.

فى اليوم ذاته ١٥/٢ نشرت جريدة «الشروق» تقريرا تحدث عن التحاق مئات من شباب الإخوان الذين لجأوا إلى تركيا إلى تنظيم داعش.
ونسب التقرير معلومة إلى شخص باسم محمد هرب بعد أن وضع اسمه فى أحد محاضر الضبط والإحضار على ذمة قضايا للتظاهر بدون ترخيص، الأمر الذى اضطره للهرب «لأن ذلك أفضل من السجن».

إذا صحت معلومات جريدة «الشروق»، فلن يكون ذلك التقرير الأول من نوعه، لأن الصحف المصرية دأبت على الحفاوة بانفراط عقد الجماعة وإبراز خلافات قياداتها وتمرد شبابها، مع إشارات مستمرة إلى العلاقة المفترضة بين الإخوان وتنظيم داعش الذى أفتت قياداته فى وقت سابق بتكفيرها.

هذا كله لا أستبعده، خصوصا أن بعض الباحثين الجادين الذين تطرقوا إلى حاضر الجماعة ومستقبلها توقعوا وحذروا من تحول بعض شبابها إلى داعش، إذا تمكن منهم اليأس والإحباط وأمام انسداد الأفق الذى لا يتيح لهم التعلق بأى أمل فى المستقبل.

(4)

هل هذا المصير ــ إذا تحقق ــ يخدم الاستقرار والمصلحة الوطنية؟
هل المطلوب أن نصيب الأبرياء باليأس، ويملأهم الغضب والنقمة بحيث يصبح خيار العنف الوحيد المتاح أمامهم؟
 وهل هذا النهج يسهم فى مكافحة الإرهاب أم أنه يحث عليه ويوسع نطاقه؟

ــ أكرر أننى أتحدث عن الأبرياء الذين أشير إلى مظلوميتهم أكثر من مرة.
 وليس عندى أى دفاع أو أعذار لمن ثبت تورطهم فى العنف، إذا ما تم ذلك من خلال تحقيق نزيه وليس اعتمادا على تقارير كيدية ملفقة.

يثير الدهشة أن ذلك الموضوع مسكوت عليه، رغم انه بات ينذر بخطر لا ينبغى لمسئول عاقل أن يتجاهله.
وتتضاعف الدهشة حين نفاجأ بأن الجهاز الأمنى المنسوب إليه إيقاع الظلم وممارسة التعذيب دفع أخيرا باتجاه إغلاق مركز «النديم» لعلاج ضحايا التعذيب.

إذ بدلا من مراجعة سياسة التعذيب وتخفيف حدة الغضب والاحتقان، فإن السياسة الأمنية أرادت للتعذيب أن يستمر على وتيرته، وألا يمكن ضحاياه من الشفاء والتعافى بما يمكنهم من التصالح مع المجتمع.

فى الأجواء الراهنة الملتبسة والملبدة بالغيوم فإن دائرة التشوه اتسعت كثيرا.
إذ تجاوزت الضحايا وأسرهم إلى المجتمع بأسره. الذى بات يستقبل أخبار «التصفية» بعدم اكتراث مستغرب.
 بحيث ما عاد أحد يهتز ضميره الإنسانى حين يقرأ أن عشرة أو عشرين شخصا تمت تصفيتهم بقذيفة من الجو،

ولا يتساءل كيف ثبت أن هؤلاء إرهابيون ولا عن احتمال أن يكون بينهم برىء أو مستحق للسجن وليس القتل.

 بل حين ألغت محكمة النقض حكما بإعدام ١٥٠ شخصا، ولم تبرئهم وإنما دعت إلى إعادة محاكمتهم أمام دائرة أخرى، فإن بعض الأصوات عبرت عن الغضب والاحتجاج لأن الإعدام تأجل، فى انحياز صريح إلى القتل والدم واستهجان للإنصاف والعدل.

إن الاستغراق فى مواجهة التطرف والإرهاب صرف الانتباه عن إذكاء الاعتدال والدفاع عنه.
رغم أن الأول استثناء عارض والثانى يمثل الأصل الذى ينبغى أن نثبته ونعض عليه بالنواجذ.

ولم يخل الأمر من جوانب أخرى عبثية، بحيث صارت بعض الجهات تحارب الإرهاب بالمؤتمرات والبيانات والمقالات، فى حين تركت تفاعلات المجتمع وثمار السياسات المتبعة تخصم من رصيد الاعتدال حينا بعد حين، بحيث مضت تزود التطرف والإرهاب بالغاضبين والناقمين الذين وجدوا الخلاص فى التفجير والعمليات الانتحارية.

إننا لا نستطيع أن نراهن على الاستقرار ولا الاعتدال ما لم نطو صفحة الظلم بما يحيى الأمل عند الناس ويعيد بسمة الرضى والاطمئنان إلى وجوه الضحايا وذويهم المقهورين.

...................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar