Subscribe:

Ads 468x60px

24 فبراير، 2016

عرب أوروبا في أزمة

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 15 جمادى الأولى 1437 – 24 فبراير 2016
عرب أوروبا في أزمة - فهمي هويدي

هموم العرب في الشرق ألهتهم عن معاناة إخوانهم في الغرب.
وفي حين أن الأخيرين غادروا أوطانهم العربية الأصلية أملا في الاستقرار والبحث عن حياة أفضل في الدول الغربية، فإن الهم لاحقهم حيثما ذهبوا.

حدث ذلك بعدما تصور العرب أن وضعهم في أوروبا استقر وتحسن،
واقتنع نفر من الباحثين أن وضع الأوروبيين القريبين من العالم العربي أتاح لهم أن ينظروا إلى المجتمعات العربية نظرة أكثر صوابا وتفاؤلا، بخلاف الوضع في المجتمع الأمريكي الذي يحفل بالدعايات المضادة للعرب وتتعدد فيه المنابر المعادية لهم، خصوصا اللوبي الصهيوني صاحب النفوذ الأكبر في الكونجرس وفي وسائل الإعلام.

شجعتهم على ذلك التفاؤل عدة عناصر بدت إيجابية،
كان منها أفول التيار اليساري الأوروبي القديم الذي مثله تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق وكان معاديا للعرب ومنحازا إلى الإسرائيليين.
وهو ما اعتبر «تطورا يعبر الطريق أمام تحسن العلاقات العربية الأوروبية ويفسح المجال أمام صعود قيادات يسارية بريطانية وأوروبية أكثر نقاء والتزاما بالمبادئ الإنسانية وتجاوبا مع قضية فلسطين»-
والفقرة السابقة مقتبسة من تحليل لأزمة العرب في أوروبا للكاتب اللبناني رغيد الصلح المستقر في إنجلترا (الحياة ــ ١٠/٢).

 
التطور الثاني الذي أسهم في التفاؤل تمثل في موقف السيدة انجيلا ميركل المستشارة الألمانية التي انتهجت سياسة فتح الأبواب أمام المهاجرين العرب،
 الأمر الذي كان له أثره الإيجابي في التوجه السياسي للقارة، رغم حملات التحريض عليهم التي شنتها المنظمات الصهيونية والقوى اليمينية المتطرفة،

 تزامن ذلك مع النجاحات التي حققتها حملة مقاطعة إسرائيل، التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى عدم الاعتراف بمنتجات المستوطنات الإسرائيلية التي تفتقد إلى الشرعية من وجهة نظر القانون الدولي.

هذا التفاؤل تآكل بصورة تدريجية بفعل عاملين أساسيين هما:

 الأول تفجيرات تنظيم داعش في باريس التي وقعت في شهر نوفمبر من العام الماضي وأدت إلى مقتل ١٢٩ شخصا وإصابة المئات، واتهم فيها عرب يحملون الجنسية الأوروبية.

وأدت تلك التفجيرات إلى تأليب الرأي العام الفرنسي الأوروبي ضد العرب المسلمين، خصوصا بعدما أثيرت شكوك قوية حول احتمال تكرار التفجيرات في أقطار أوروبية أخرى.

 العامل الثاني تمثل في الاعتداءات البشعة التي تعرضت لها النساء أثناء الاحتفال بعيد رأس السنة الجديدة في مدينة كولون الألمانية،
واتهم في تلك الجرائم عدد من الشبان ذوى الأصول العربية، وتم الزج بالمهاجرين في قائمة المتهمين وهو ما فتح الأبواب واسعة أمام التيارات اليمينية والصهيونية لشن حملة قوية ضد الوجود العربي والمطالبة بتطهير ألمانيا منهم،

وكان التركيز على المهاجرين أشد رغم ما تبين من أن ثلاثة فقط من المهاجرين العرب شاركوا في تلك الأحداث من بين ٥٨ شخصا ألقى القبض عليهم بسببها.

ترتب على هذين العاملين أن ثقافة الترحيب بالمهاجرين العرب شهدت تراجعات ملحوظة، في حين علت الأصوات الداعية إلى تبنى سياسة ترحيلهم خارج الأقطار الأوروبية.

إذ لم تنقلب الصورة في ألمانيا فحسب وإنما كان لذلك الانقلاب أصداؤه في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي عقد في وقت لاحق،
 إذ شهد المؤتمر ما يشبه الإجماع على رفض الهجرة العربية والانتقاد المباشر وغير المباشر لموقف السيدة ميركل إضافة إلى الإعراب عن القلق إزاء ما اعتبر تهديدا لأوروبا،

 وصفه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بأنه بمثابة خطر «وجودي» يهدد نسيج الحياة في أوروبا، في إشارة غير مباشرة إلى الطابع العربي لتلك الهجرة.

وهو موقف تضامن معه وأيده رئيس حكومة الحزب الاشتراكي الفرنسي مانويل فالس الذي عبر عن مخاوفه على مستقبل القارة الأوروبية نتيجة فتح باب الهجرة إليها.

وكان رئيس الحكومة الروسية ديمتري مدفيديف الأعلى صوتا بين المشاركين في استهجان ومعارضة موقف المستشارة الألمانية.
حيث قال إنه «من الغباء فتح أبواب أوروبا مشرعة أمام المهاجرين ودعوتهم للقدوم إلى القارة» مضيفا أن سياسة الهجرة التي تتبعها أوروبا «فاشلة كليا».

الشاهد أن حملة رفض المهاجرين والمتجنسين العرب أصبحت تتزايد حينا بعد حين، الأمر الذي بات يهدد وجود نحو ٢٠ مليون عربي في أنحاء أوروبا،

وفي الوقت الذي تتفاعل المسألة على ذلك النحو فإن العالم العربي يقف مديرا ظهره لما يجرى هناك، ومستغرقا في همومه الداخلية.

 ومن المفارقات التي تثير الانتباه أن بعض الوفود والقيادات العربية حين تصل إلى العواصم الأوروبية، فإنها لا تكف عن الحديث عن الإرهاب ، رغم أن ثمة أنظمة عربية تمارس إرهابا كما هو الحاصل في سوريا والعراق،
وهناك أنظمة أخرى لا تعاني من المشكلة لكنها لا تتردد في وهم معارضيها بالإرهاب لتتذرع به في انتهاج سياسة القمع وتقييد الحريات.

الأمر لم يحسم تماما في أوروبا، لكن الجدل مستمر حول المصالح والمفاسد المترتبة على وجود العرب في القارة التي تعانى نقص الشباب وتراجع معدلات النمو السكاني

 وحتى الآن على الأقل لم نجد طرفا عربيا غيورا سعى إلى محاولة إقناع عقلاء الأوروبيين بأن المهاجرين ليسوا أشرارا وأن أسلمة أوروبا دعاية كاذبة، وأن العرب يمكن أن يشكلوا إضافة تسهم في إنعاش الاقتصاد الأوروبي، كما فعل الأتراك في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

قبل أن يهاجروا كان السوريون الذين انفرد بهم نظام الأسد يهتفون «ما إلنا غيرك يا الله»
ويبدو أنهم لن يتوقفوا عن ترديد الشعار حتى بعدما نجوا من القصف ووصلوا إلى القارة الأوروبية.
..........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar