Subscribe:

Ads 468x60px

17 فبراير، 2016

قبل القرارات المؤلمة

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 8 جمادى الأولى 1437 – 17 فبراير 2016
قبل القرارات المؤلمة - فهمي هويدي

أهم عناوين الأسبوع المصري أن ثمة إجراءات اقتصادية مؤلمة قادمة في الطريق.
على الأقل فذلك ما ذكره رئيس الوزراء إلى رؤساء تحرير الصحف حين دعاهم قبل أيام قليلة ليقوموا بما عليهم في نقل الصورة إلى الرأي العام.
وهذه الرسالة لم تكن مفاجئة تماما، لأن الرئيس السيسي ألمح إليها قبله.
حين تحدث عن أسعار المياه وما تتحمله الدولة لإيصالها إلى الناس بالأسعار الحالية، الأمر الذي فهم منه أن ثمة اتجاها لزيادتها.

ليست معلومة تفصيلات الإجراءات المؤلمة لكنها لن تخرج في الأغلب عن أحد أمرين،
 إما زيادة في أسعار بعض السلع،
أو الحد من استيراد البعض الآخر لتوفير العملات الصعبة التي شحت مواردها.

 وفى الحالتين هناك شق اقتصادي له أهله القادرون على مناقشة صواب الإجراءات وجدواها، وهو ما لست مؤهلا للخوض فيه.

وهناك شق آخر يتعلق بالملابسات والسياسات العامة مفتوح للرأي والاجتهاد،
 الأمر الذي يسوغ لمثلى ولغيري أن يدلى بدلوه فيه.
الأمر الذي يشجعني على إبداء الملاحظات التالية:

• 
إن الملف برمته يفتقد إلى الشفافية من البداية، ليس فقط لأن الإجراءات المؤلمة التي أعلن عنها بدت غامضة حتى على الاقتصاديين أهل الخبرة،
 ولكن أيضا لأن مخاطبة الرأي العام باتت لا تتم إلا عند الضرورة، فضلا عن أن المصارحة لا تتم في العادة إلا من جانب واحد.

 فلا أحد يعرف مثلا أين ذهبت عشرات المليارات من الدولارات التي قدمتها بعض دول الخليج.
(في مصر يتحدثون عن ٣٠ مليارا وفى الخليج يقولون إنها تجاوزت ٥٠ مليارا).

 ثم إننا لاحظنا أن أسعار البنزين رفعت حين ارتفعت أسعار النفط، لكنها حين انخفضت إلى النصف فإن الأسعار التي رفعت في الداخل ظلت كما هي، فلا عرفنا ما جرى في الموضوع الأول ولا فهمنا الحاصل في الثاني.

• 
من حق الناس أيضا أن يتساءلوا:
 طالما أن شواهد الأزمة الاقتصادية ليست مفاجئة، وموارد العملة الأجنبية شحت بسبب توقف السياحة وتراجع المستثمرين،
فلماذا كانت المغامرة بالدخول في دائرة المشروعات العملاقة التي تكلفت مليارات، مثل شق تفريعة قناة السويس ومشروع العاصمة الإدارية غير المبررة وإقامة المحطة النووية في الضبعة.

• 
ليس مفهوما المنطق وراء فصل الاقتصاد عن السياسة، وتصور أن عجلة الاقتصاد يمكن أن تدور وان المستثمرين يمكن أن يتوافدوا في غيبة الانفراج السياسي واستمرار الاعتقالات العشوائية والتعذيب والاختفاء القسري والشكوك المثارة حول ضمانات العدالة والحريات العامة.
ذلك أننا لا نستطيع مثلا أن نواصل الشكوى من إحجام المستثمرين والنقص في العملات الصعبة، طالما ظلت تلك العوامل مستمرة في تخويفهم وتحولهم إلى بلدان أخرى في الإقليم.

• إن ثمة قلقا في الداخل من الحديث المستمر الذي يسمعه الناس عن الأزمة المالية في حين يرون بأعينهم مظاهر للبذخ والسخاء غير مبررة، سواء في المواكب الإمبراطورية، أو الأبنية الفاخرة التي تقام لبعض المقرات السيادية أو في أحجام وفود التهليل المسافرة أو في العطايا التي تقدم بغير حساب لبعض الأطراف في المناسبات المختلفة.

إن أحد العوامل المطلوب توفرها لضمان استجابة الرأي العام وتعزيز الثقة في الخطاب الرسمي الموجه أن تتوفر للناس القدوة التي تجسد الدعوة وتضرب المثل المطلوب احتذاؤه،
وهو ما يتعارض مع المبالغة في مظاهر الأبهة التي يظن البعض أنها تعيد للدولة هيبتها، في حين أنها تسحب من رصيد الثقة في خطاب رموزها.

لا تفوت على الباحث ملاحظة أن خطاب التشجيع والجذب موجه إلى المستثمرين في الخارج. في حين أن المنتجين في الداخل لا يلقون ما يستحقونه من عناية.
 الأمر الذي يتجاهل حقيقة بديهية في عالم الاقتصاد خلاصتها أن قوة الداخل هي أكبر حافز لاستدعاء الخارج.

• 
إن المواطن الذي يطالب بدفع ضريبة الأزمة وان يتحمل نصيبه منها ينبغي أن يشعر ليس فقط بأن عليه واجب الإسهام في مواجهة الأعباء، وإنما ينبغي أن يقتنع أيضا بأن حقوقه مصانة، خصوصا حقه في الكرامة والتمتع بالحد الأدنى من الإنسانية، من خلال توفير احتياجاته الأساسية أو في تعامله مع مرافق الدولة ومؤسساتها، الأمنية منها بوجه أخص.

• 
إنني أخشى أن يكون الإيلام في الإجراءات الاقتصادية المنتظرة من نصيب الفقراء ومتوسطي الحال، وليس من نصيب القادرين الذين لا يزعجهم كثيرا ارتفاع الأسعار.

ذلك أن التجربة أثبتت أن الغلاء حين يحل فإنه يضرب الجميع بلا استثناء ويكون غير القادرين هم ضحاياه الحقيقيون،
ولدى خبراء الاقتصاد الذين أعرف بعضهم آراء متعددة في كيفية تجنيب غير القادرين التأثر بنتائج الإجراءات المؤلمة،
منها عدم زيادة الرواتب الكبيرة أو فرض الضريبة التصاعدية أو غير ذلك. وكلامهم يستحق أن يسمع ويناقش في كل الأحوال.

هذا كلام غير مختص بالاقتصاد، ولست في شك أن أهل الاختصاص لديهم ما هو أهم وأنفع،
لذلك أتمنى أن تسمع آراؤهم قبل اتخاذ القرارات المؤلمة وليس بعد إعلانها.
.......................


0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar