Subscribe:

Ads 468x60px

31 ديسمبر، 2015

في وداع زمن البذخ

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 20 ربيع أول 1437 – 31 ديسمبر 2015
في وداع زمن البذخ - فهمي هويدي

نقرأ هذه الأيام لغة جديدة في عناوين الصحف السعودية.
فعبارات مثل ترشيد الإنفاق وتنويع مصادر الدخل والإصلاح الاقتصادي والهيكلي قد تبدو غريبة وربما ملتبسة لدى القارئ العادي الذي تشكل إدراكه في ظلال زمن الوفرة الذى غاب عند الحذر في الإنفاق.
إلا أن ذلك اليقين بدأ يهتز منذ بداية العام الحالي. حين تراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ.

وكان الظن أن الأمور ستنصلح في النصف الثاني من العام. إلا أن التوقعات خيبت الظنون، بحيث استمر تراجع الأسعار مما أشاع جوا من القلق والخوف.
 إذ في حين كان سعر برميل النفط في شهر يناير الماضي يتراوح ما بين ٧٣ و٧٥ دولارا.
 فإنه في أوائل شهر ديسمبر وصل إلى ما يتراوح بين ٣٣ و٣٦ دولارا.
بما يعنى أن سعر البرميل الواحد تراجع بما يعادل ٤٠ دولارا خلال السنة.
وهو ما دفع البعض إلى وصفها بأنه «عام أسود»،
وكان طبيعيا أن يستصحب ذلك تراجعا في التفاؤل وتشاؤما مما يمكن أن يأتي به العام الجديد.

بسبب الانخفاض الذى خيب آمال المنتجين فإن الدول النفطية، خسرت خلال العام ما يعادل ٥٠٠ مليار دولار، طبقا لتقدير صندوق النقد الدولي الذي أعلن في ٢٧/١٢.

إلا أن صحيفة «الحياة اللندنية نشرت في اليوم ذاته تقريرا ذكر أنه إزاء تراجع أسعار النفط إلى معدل لم تبلغه منذ ١١ عاما، فإن الدول والشركات المنتجة التي تعتمد في دخلها على ضخ نحو ٣٥ بليون برميل سنويا في الأسواق تحملت خسائر في «العام الأسود» قاربت ١.٤ تريليون دولار.
وبإضافة خسائر المستثمرين في أسهم شركات الطاقة التي قاربت ٧٠٠ بليون دولار، فإن ذلك يعنى أن خسائر المنتجين والمستثمرين تصبح تريليوني دولار على مدى العام.
وهو رقم مهول لابد أن يكون له آثاره السلبية على حركة الاقتصاد العالمي.

لأن مصائب قوم عند قوم فوائد فإن أكبر المستفيدين من التدهور الحاصل في أسعار النفط هي الدول التي تعتمد على الطاقة المستوردة (على رأسها الصين والهند) إضافة إلى دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي.
إلا أن الأضرار ستكون من نصيب الدول المنتجة والدول المعتمدة على مساعدات الدول الأخيرة.
 الأمر الذى لابد أن يكون له صداه على مشروعات التنمية وتدفقات العمالة والتحويلات النقدية التي تقدر بنحو ٢١ مليار دولار من دول الخليج وحدها.

هذه الخلفية تكمن وراء لغة الترشيد التي ظهرت في الخطاب الجديد وأبرزتها الصحف السعودية، وكانت لها أصداؤها في وسائل الإعلام الخليجية الأخرى.

 أغلب الدول المنتجة لم تدخل مرحلة الأزمة، لأن لديها احتياطات وفيرة تغطى احتياجاتها في الأجل المنظور
 (احتياطي السعودية يتجاوز ٧٠٠ مليار دولار والإمارات ٨٧ مليارا وقطر ٤٦.٥ مليار والجزائر ١٨٥ مليارا)،

ولذلك فإن تأثير انخفاض أسعار النفط على اقتصادها ومشروعات التنمية فيها سيظل محدودا ومحتملا، إلا أن أيديها لن تظل مبسوطة كما كانت وطموحاتها ستعود إلى التحرك على الأرض، بدلا من التحليق في الفضاء.

ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون الأثر الأكبر المترتب على انخفاض الأسعار من نصيب الإنفاق الخارجي المتمثل في المساعدات التي تقدمها الدول النفطية للدول الأخرى.

ميزانية المملكة العربية السعودية التي أعلنت يوم الاثنين الماضي ٢٨/١٢ عكست الوضع الجديد.
إذ أعلن أن ثمة عجزا في الموازنة بلغ ٩٨ مليار دولار (في وقت سابق نشر أن المملكة سحبت ٨٠ مليار دولار من الاحتياطي).

وذكر أن الملك سلمان بن عبدالعزيز وجه مجلس الشئون الاقتصادية والتنمية لوضع برنامج للإصلاحات الاقتصادية والمالية الشاملة لترشيد التعامل مع الموقف المستجد.

في الوقت ذاته أصدر مجلس الوزراء قرارا بتعديل أسعار الطاقة والمياه والصرف الصحي بما يتوافق مع الأسعار العالمية كما قرر وضع خطة متكاملة لترشيد استهلاك منتجات الطاقة والمياه.
ومثل هذه الإجراءات لا تنفرد بها المملكة لكنها تمثل توجها عاما في بقية دول الخليج النفطية التي تأثرت مداخيلها بانخفاض أسعار النفط إلى النصف تقريبا.

إذا كان لذلك التراجع من فضيلة فإنه يعد جرس إنذار ينبه إلى محاذير الاعتماد في الدخل العام على مصدر واحد قابل للنضوب وخارج عن السيطرة.
وهو ذات المحظور الذى تقع فيه كل دولة تعول على مصدر خارجي للدخل مثل القروض والمعونات أو حتى السياحة الأجنبية.

ذلك أن تلك كلها مصادر مؤقتة ينبغي لها ألا تحجب العنصر الأهم المتمثل في إعطاء الأولوية للإنتاج المحلى الذى تقدمه سواعد أبناء الوطن. على أن يكون كل ما عدا ذلك عنصرا مساعدا ومكملا، يشجع ويرحب به في تلك الحدود.

إذا سمع جرس الإنذار جيدا. وحقق مراده في الإيقاظ والتنبيه والترشيد فإن ما نراه أزمة يمكن أن يصبح فرصة.
وتظل العبرة معقودة على تسلم الرسالة واستيعاب فحواها، بحيث لا يظل خطاب الترشيد مقصورا على عناوين الصحف، وإنما يترجم إلى واقع يرجى أن يقدم فيه أولو الأمر النموذج ويضربون المثل الذى يحتذى.
 قولوا إن شاء الله.
.................

30 ديسمبر، 2015

مشكلة أن تكون مستقلا

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 19 ربيع أول 1437 – 30 ديسمبر 2015
مشكلة أن تكون مستقلا - فهمي هويدي

ما حدث في انتخابات اتحاد طلاب الجامعات المصرية لا يدهشنا فحسب وإنما يقدم لنا أيضا نموذجا لابد أن يقلقنا على مستقبل الديمقراطية في مصر، فضلا عن مستقبل الأجيال الجديدة.

ذلك أن الطلاب أرادوها انتخابات مستقلة تمثل إرادتهم الحرة في حدودهم المتواضعة ولكن الأجهزة الأمنية استكثرت عليهم ذلك،
وأرادت للاتحاد أن يمثل السلطة من خلال المتعاونين معها،
ومن ثم دخلت معركة ماكرة استهدفت الالتفاف على القانون وإلغاء الانتخابات التي جاءت نتيجتها على غير هواها.

بداية القصة كانت في العاشر من شهر ديسمبر الحالي، وهو الموعد الذي أجريت فيه عملية انتخابات رئيس اتحاد طلاب الجامعات المصرية ونائبه.
وكان المتنافسون على المنصبين فريقين
 أحدهما مدعوم من الأمن وقيادات التعليم العالي الذين تقدموا ضمن تكتل حمل اسم «صوت طلاب مصر»،
والثاني من النشطاء المستقلين الذين ينتمون إلى شباب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١.

التصويت أسفر عن مفاجأة تمثلت في هزيمة ممثلي التكتل المدعوم من الأمن والوزارة، وفوز ممثلي شباب الثورة بالمنصبين،
وهو ما أزعج الجهات التي تدعم الفريق المهزوم، الأمر الذي أدخل النتيجة في نفق المماطلة والتسويف.

تمثلت المماطلة في تأخير إعلان نتيجة الانتخابات التي كان يفترض أن يعتمدها وزير التعليم العالي،
ولأن الأمر لم يكن يحتاج أكثر من يومين أو ثلاثة، فإن النتيجة ظلت على مكتب الوزير مدة أسبوعين
وقيل إنه لن يعتمدها إلا بعد الفصل في الطعون التي قدمت في العملية الانتخابية.

خلال هذه المدة تم وضع سيناريو إلغاء النتيجة من خلال الإعلان عن قبول أحد الطعون التي قدمت في سلامة انتخابات جامعة الزقازيق.

وقيل في هذا الصدد إن نائب رئيس اتحاد طلاب الزقازيق الذي اشترك في التصويت على انتخاب رئيس اتحاد طلاب الجمهورية ونائبه مطعون في صفته لأن اسمه لم يكن واردا في الكشوف.

وبناء عليه فإن عملية انتخاب رئيس الاتحاد ونائبه تصبح مشوبة بالبطلان، ويتعين تصحيح ذلك الوضع بإلغاء النتيجة التي أعلنت، وتحديد موعد آخر لانتخاب الرئيس ونائبه.

الطريف في الأمر أن موضوع تصويت نائب رئيس اتحاد طلاب الزقازيق كان قد أثير أمام لجنة الانتخابات لكنها تأكدت من سلامة موقفه بعد الرجوع إلى جامعة الزقازيق،
ومن ثم سمحت له بالتصويت في انتخاب رئيس الاتحاد العام ونائبه. إلا أنها إزاء ضغوط الأمن والوزارة غيرت موقفها وقبلت الطعن المقدم ضده.

المشكلة لم تكن قانونية في حقيقة الأمر، لأن السبب الحقيقي الذي أدى إلى إلغاء الانتخابات أن الناجحين كانا من المستقلين ولم يكونا من الفريق المؤيد من الأمن والسلطة،

 ولأنهما كانا يمثلان شباب الثورة فإنهما عبرا بعد انتخابهما عن مواقف أثارت غضب المسئولين. فأقرا بحق الطلاب في التظاهر السلمي داخل الجامعات،
 وأكدا أن الاتحاد سيهتم بملف الطلاب المعتقلين في السجون وسيعمل على إعادة الطلاب الذين فصلوا من جامعاتهم لأسباب سياسية
وهى آراء كانت كافية من وجهة نظر الأجهزة الأمنية لوقف إعلان النتيجة وإلغاء الانتخابات لإعادة الاتحاد إلى «بيت الطاعة» ليظل مشمولا برعاية الأمن.

ما أدهشني في الأمر الذي اختصرت تفاصيله أن يبذل ذلك الجهد الكبير لإجهاض أمل طلاب الجامعات في ممارسة الديمقراطية على مستواهم المتواضع،
وأن تصر الأجهزة الأمنية على بسط سيطرتها من خلال عناصرها على اتحادهم العام رغم أنها لم تكن مضطرة إلى ذلك.

حين يدقق المرء فيما جرى ويوسع من زاوية النظر سيجد أن ما جرى لاتحاد طلاب الجامعات هو حلقة في مسلسل تأميم المجال العام من خلال بسط سيطرة الأمن والسلطة على مختلف الأنشطة والميادين.

 وهو ما يعنى أننا لسنا إزاء حادثة وقعت في الجامعات، لكننا أمام سياسة متبعة في مواجهة جميع أنشطة المجتمع، ترفض أن يمارس نشاط خارج نطاق سيطرة السلطة وبعيدا عن الرعاية المباشرة للأجهزة الأمنية.

وهذه السياسة تضيق وتقاوم بشدة فكرة أن يمارس نشاط مستقل أيا كان نوعه، تشهد بذلك صور المعاناة والتضييق الذي يصل إلى حد القمع الذي تتعرض له الجمعيات الأهلية والنقابات العمالية المستقلة، والمراكز الحقوقية المستقلة وصولا إلى دعاة استقلال القضاء الذين يدفعون الآن أثمانا باهظة جراء رفعهم لتلك الراية، التي صارت تهمة تورد صاحبها موارد التنكيل والأذى.

في قاموس الأجهزة الأمنية والبيروقراطية المتحكمة فإن كلمة «الاستقلال» أصبحت مصطلحا مستنكرا وسيئ السمعة، الأمر الذي وضعنا إزاء مفارقة لا تخلو من دلالة.

 ذلك أن شعوبنا ناضلت طويلا لكي تنتزع الاستقلال من قبضة المحتل الأجنبي.
لكن الأمور انقلبت بمضي الوقت،
فالاستقلال الذي كان فضيلة وشرفا آنذاك تحول إلى رذيلة في ظل المتحكم الوطني بحيث صار الانفكاك من قبضته لعنة تلاحق الساعين إليه.

إن الخطر الماثل أمامنا الآن لا يهدد اتحاد الطلاب أو الكيانات الأهلية فقط، ولكنه يهدد مستقبل الديمقراطية في بلادنا.
إذ يراد لها أن تصبح شكلا بلا مضمون أو وظيفة، ضمن «ديكورات» وضع جديد يتم فيه خصخصة الاقتصاد في حين تؤمم السياسة وكل النشاط الأهلي.
.........................

Delete this element to display blogger navbar