Subscribe:

Ads 468x60px

31 أكتوبر، 2015

طارق البشري

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 19 المحرم 1437 1 نوفمبر 2015
طارق البشري - فهمي هويدي

حين اعترض الخديوي عباس حلمي الثاني على تعيين أحد العلماء شيخا لواحد من أروقة الأزهر. فإن شيخ الأزهر رفض الاعتراض وقال له:
«إذا كان الأمر لكم في الأزهر فاعزلوه ــ يقصد شيخ الرواق ــ وإن كان الأمر لي دونكم فهذا الذي اخترته ولن أحيد عنه»، ثم قدم استقالته.

الحوار جرى في الجامع الأزهر عقب صلاة الجمعة في أحد أيام عام ١٩٠٤.
كان على رأس الأزهر آنذاك الشيخ سليم البشري، فقيه زمانه الذي ضرب به المثل في العلم والزهد.

الشيخ سليم أنجب ابنه عبدالفتاح الذي انتمى إلى زمن القضاء الشامخ ورأس محكمة الاستئناف.
وظل يذهب إلى عمله كل يوم مستقلا القطار والتاكسي.
وهو من رفض سيارة الحكومة وحراستها أثناء محاكمته لقتلة المستشار أحمد الخازندار، قائلا إن ذلك يقلل من هيبته حين يبدو أمام المتهمين خائفا وبحاجة إلى حراسة.
 كما أنه يجرّح استقلاله حين يركب سيارة الحكومة وهو ينظر قضية المجني عليه فيها موظف بالحكومة.

طارق الابن الرابع للمستشار عبدالفتاح البشري خرج من عباءة الشيخ والشامخ ولم يذهب بعيدا.
 إذ حين أحال الرئيس حسني مبارك إحدى القضايا إلى القضاء العسكري الذي أصدر فيها حكمه بالإعدام، فإنه أصدر حكما بإلغاء قرار رئيس الجمهورية حين عرض الأمر على محكمة القضاء الإداري التي كان يرأسها.
وكانت حجته في ذلك أن القانون أجاز إحالة نوع معين من القضايا إلى القضاء العسكري في حالة الطوارئ.
 ولكن قرار رئيس الجمهورية أحال قضية بذاتها إلى قاض ومحكمة بذاتها.
وهو ما يخل بالعدالة ويعد مخالفة تجعل القرار مشوبا بالبطلان.

صدم القرار الكهنة الذين لم يتوقعوا أن يصدر قاض حكما ببطلان قرار أصدره فرعون فتعرض للهجوم من بعض الكتاب وأوعز الكهنة إلى وزير العدل آنذاك أن يعالج الأمر من خلال صنف آخر من القضاة ذاع أمرهم وارتفعت أسهمهم فيما بعد. فحققوا لهم ما أرادوا بإلغاء الحكم وتنفيذ الإعدام استجابة للتوجيهات العليا.

لم يبال طارق البشري بالترهيب الذي تعرض له. الذي تمثل في عربة الشرطة التي رابطت أمام بيته ولا بمن ظل يتابعه حينما ذهب. إذ لم يتزحزح عن موقفه.
حين عرض عليه بصورة عاجلة أمر قانونية التمديد لرئيس مجلس إدارة الأهرام بعدما صدر قرار رئيس الجمهورية بمد سن الإحالة إلى التقاعد من ٦٠ إلى ٦٥ سنة فقد ارتأى بطلان قرار التمديد للرجل لأنه صدر بعد بلوغه سن الستين.
وفرصة الاستفادة منه كانت متاحة قبل بلوغه تلك السن.
وحين تسرب موقفه إلى المراجع العليا في محيط الكهنة فإنه تلقى رسالة دعته إلى تأجيل قراره لبعض الوقت حتى تمر الأزمة.
 وهو ما استراب منه لأن استفتاء مجلس الدولة في الأمر كان عاجلا في البداية.
لذلك فإنه لم يبال بالتوجيهات وسارع إلى إعلان القرار الذي رفض التمديد واعتبره غير قانوني.
وقال إنه طلب منه الرأي في الموضوع من الناحية القانونية وقد فعل، أما حكاية التأجيل فلا شأن له بها لأن الحسابات فيها سياسية.

في هذا الصدد يروي الدكتور مصطفى الفقي الذي كان أحد معاوني الرئيس مبارك. أن طبيب الأسنان المعالج للرئيس طلب مساعدته في تحويل ابنه من كلية إلى أخرى في جامعة القاهرة، فطلب مبارك من الفقي أن ينقل هذه الرغبة مصحوبة بتزكية منه إلى المستشار طارق البشري، الذي كان آنذاك مستشارا قانونيا لرئيس الجامعة.
وحين فعلها فإن البشري وجد الطلب غير قانوني فطلب منه أن يبلغ الرئيس اعتذاره عن الاستجابة لرغبته وهو ما حدث.

ظل طارق البشري ثابتا على موقفه طوال ٤٤ سنة قضاها في عمله بمجلس الدولة.
ورغم أنه حرم من مزايا وفرص كثيرة تمتع بها أقرانه إلا أنه رفض كل إغراءات الإعارة للعمل خارج مصر. وبعضها كان مما يتعذر الصمود أمامه.
وحين حل عليه الدور في رئاسة مجلس الدولة جاءت لحظة تصفية الحساب معه.
كان ذلك في عام ١٩٩٢ حين خلا المنصب. وطبقا للأعراف المتبعة فقد استحق أن يشغله أقدم النواب الأول لرئيس المجلس.
 وكان الأقدم ـ المستشار علي الخادم ـ الذي كان معارا آنذاك إلى سلطنة عمان.
وكان التالي له مباشرة طارق البشري بفارق أشهر قليلة في الأقدمية.
ولكن المستشار الخادم كان راغبا في الاستمرار بمسقط وعازفا عن شغل المنصب. فأبلغ طارق بذلك وأرسل ثلاثة خطابات أعلن فيها قراره، وجهها آنذاك إلى رئاسة الجمهورية ووزير العدل ورئيس مجلس الدولة المنتهية ولايته.
 إلا أن الإصرار على استبعاد البشري جعل الرئيس مبارك يبعث برسالة إلى السلطان قابوس حملها إليه وزير الأوقاف في ذلك الحين يطلب فيها إنهاء خدمة المستشار الخادم إذا لم يوافق على العودة إلى مصر وتولي المنصب.
وتحت الضغط عاد الرجل أو أعيد، وحرم طارق البشري من تولي رئاسة مجلس الدولة.

المدهش أن الرجل الزاهد استقبل كل ذلك بهدوء بالغ ونفس راضية.
ذلك أن المناصب والطموحات الوظيفية لم تشغله يوما ما. فقد تجاوزت اهتماماته ساحة القضاء وأطلق أشرعته في فضاءات التاريخ والفكر السياسي،

وكما أثرى الفقه القانوني بأحكامه المرجعية، فإن عطاءه جاء وفيرا ومميزا في نظراته التاريخية ودفاعه عن الجماعة الوطنية والإصلاح السياسي وتأصيل التمييز بين الوافد والموروث. إلى غير ذلك من الفضاءات الرحبة التي استعرضها زملاؤه وتلاميذه في الندوة التي أقاموها بعد انتهاء ولايته القضائية عام ١٩٩٨
(صدرت بعد ذلك في كتاب أصدرته دار الشروق بعنوان «طارق البشري قاضيا ومفكرا»).

رغم أنه ظل منارة مضيئة طول الوقت. فإن الدولة المصرية لم تكرمه يوما، وإنما حاصرته وحاربته، لكنه حفر لنفسه مكانة رفيعة في تاريخ مصر والعالم العربي.

وحين يختم اليوم (الأول من نوفمبر) عامه الواحد والثمانين فمن حقه علينا أن نشد على يديه معبرين عن المحبة والتقدير والامتنان. سائلين الله له العفو والعافية وطول العمر.
........................

أردوغان إذ يكرم أو يهان

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 18 المحرم 1437 – 31 أكتوبر 2015
أردوغان إذ يكرم أو يهان - فهمي هويدي

فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية التي تجرى غدا في تركيا مضمون ولا يختلف عليه أحد.
 لكن السؤال الكبير الذي يشغل الجميع وتتباين بشأنه الاستطلاعات هو نسبة الأغلبية التي سيحصل عليها الحزب.
وهل ستمكنه من الحكم منفردا. أم أنها ستضطره إلى الائتلاف مع غيره من الأحزاب.

أما ضمان الأغلبية فمرجعه أن حزب العدالة والتنمية الذي ينفرد بتشكيل الحكومة منذ أكثر من ١٢ عاما تراجعت نسبته في الانتخابات التي جرت في شهر يونيو الماضي لأسباب يطول شرحها،
 ثم فشلت جهود رئيس الوزراء المكلف الدكتور أحمد داود أوغلو لتشكيل حكومة ائتلافية،
الأمر الذي اقتضى إجراء انتخابات مبكرة للاحتكام إلى الرأي العام وحل الإشكال.

الصراع الحاصل على أشده بين ٤ قوى سياسية هي:
حزب العدالة والتنمية الذي يؤيده أغلب الإسلاميين والمتدينين، وكان قد حصل في انتخابات يونيو الماضي على ٤١٪ من الأصوات
 ـ يليه حزب الشعب الجمهوري الذي يمثل أغلب العلمانيين وقد حصل على ٢٥.١٦٪،
ثم حزب الحركة القومية الذي يعبر عن التيار الطوراني١٦.٥٠٪
وبعده حزب الشعوب الديمقراطي الذي يمثل أغلب الأكراد ١٣٪.

لكي ينفرد حزب العدالة بتشكيل الحكومة هو بحاجة إلى ٤٣٪ من مقاعد البرلمان، وهى نسبة تشكك فيها بعض استطلاعات الرأي.
منها مثلا أن مؤسسة «جازيجى» التي أعلنت في ٢١ سبتمبر الماضي أنها أجرت استطلاعا أشار إلى تراجع حظوظ حزب العدالة والتنمية بحيث إن نسبة تمثيله في البرلمان ستكون في حدود ٣٩.٣٪، في حين أن حظوظ الأحزاب الأخرى ستكون أفضل.
إذ سيحصل حزب الشعب الجمهوري على ٢٨.١٪
وحزب الشعوب الديمقراطي على ١٣.٥٪ من المقاعد.

 إلا أن صحيفة «وول ستريت جورنال» ذكرت في ٢٧ أكتوبر نتائج أخرى تحدثت عن ٤٢٪ من الأصوات لصالح حزب العدالة والتنمية و٢٧٪ لصالح حزب الشعب الجمهوري (مقابل ٢٥٪ في الانتخابات السابقة).

وقال لي أحد القياديين في حزب العدالة في اتصال هاتفي إنهم كلفوا شركة استطلاعات كبرى بإجراء استقصاء للنسب المتوقعة، وأن النتيجة التي أبلغوا بها يوم ٢٥/١٠ تحدثت عن نسبة تأييد للحزب قدرت بـ٤٤٪. الأمر الذي يمكنه من الانفراد بتشكيل الحكومة.

هذه كلها اجتهادات تتفق على فوز حزب العدالة بالأغلبية خصوصا أن الفرق كبير بينه وبين حزب الشعب الجمهوري الذي يليه في الترتيب (نحو ٢٠ نقطة).
وستحدد نتائج التصويت غدا ما إذا كان الحزب سينفرد بالحكم أو سيلجأ إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع غيره من الأحزاب.

وهناك خياران آخران مستبعدان
 أحدهما أن تشكل الحكومة من أحزاب الأقلية وهو ما أظن أن الرئيس أردوغان سيرفضه لأنه يريد أن يكون له دور أساسي في إدارة الدولة.
أما الخيار الآخر فهو أن تجرى الانتخابات لمرة ثالثة وهو ما أستبعده أيضا لأن أوضاع البلد الاقتصادية والسياسية لا تحتمل انتخابات برلمانية ثالثة في عام واحد.

قرأت تصريحا لرئيس مؤسسة البحوث المتوازنة التركي حسن بصرى يلدز ذكر فيه أن الدراسات التي أجرتها المؤسسة التي يرأسها دلت على أن ٦٥٪ من الناخبين الأتراك يفضلون أن ينفرد حزب واحد بالسلطة وبتشكيل الحكومة.

ولا تفسير لذلك سوى أن خبرة الأتراك مع الحكومات الائتلافية خلال العقود السابقة كانت غير مطمئنة وغير مشجعة.
ذلك أن اشتراك مجموعة من الأحزاب الإئتلافيه في تشكيل الحكومة كان سببا دائما لعدم الاستقرار والفوضى،
الأمر الذي استدعى تدخل الجيش من خلال انقلابات كانت تتم كل عشر سنوات تقريبا.

لست واثقا من صواب تفرد حزب واحد بتشكيل الحكومة لأكثر من ١٢ عاما.
رغم أن ذلك ما يسعى إليه حزب العدالة والتنمية ويضغط لأجله الرئيس رجب طيب أردوغان.
ذلك أنه حريص على أن يمرر بأغلبية حزبه التعديل الذي يبتغيه للدستور بهدف الانتقال بالبلد إلى النظام الرئاسي المطبق في الولايات المتحدة.

وإذا كان ذلك في مصلحة الحزب المهيمن، إلا أنني أشك كثيرا في أنه لمصلحة النظام الديمقراطي أو عافية الحياة السياسية.
إذ لا يشك أحد في أن مشاركة الأحزاب الأخرى في الحكومات الائتلافية وتداول السلطة مع قيادات تلك الأحزاب يعزز من النظام الديمقراطي.
فضلا عن أنه يقوى الأحزاب بمختلف اتجاهاتها، وهو ما يضيف نقاطا عدة إلى رصيد عافية المجتمع وقوته السياسية.

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن هدف إجراء الانتخابات ليس فقط تمكين حزب العدالة والتنمية من الانفراد بتشكيل الحكومة.
ولكنه أيضا توفير الأغلبية التي تحقق للرئيس أردوغان رغبته في تعديل الدستور وتطبيق النظام الرئاسي.

ولست أبالغ والأمر كذلك إذا قلت إن نتائج الانتخابات ستكون في حقيقة الأمر تصويتا على مشروع أردوغان.
لا خوف من إقبال الناخبين الأتراك الذين يقبلون على الاقتراع بحماس مشهود، حتى أن نسبة المشاركة في انتخابات شهر يونيو الماضي بلغت ٨٥٪ (لا تقارن من فضلك)، لأن رأى أولئك الناخبين هو الذي سيحسم الأمر، فإما أن يكرم أردوغان أو يهان.

وحين يعبر الشعب عن رأيه بمثل هذه الدرجة من الإقبال فينبغي أن تسمع كلمته. وحتى إذا حسدناه فينبغي أن ننحني له احتراما.
......................

Delete this element to display blogger navbar