Subscribe:

Ads 468x60px

30 سبتمبر، 2015

فتش عن الداخل

صحيفة السبيل الاردنيه الأربعاء 16 ذوالحجة 1436 30 سبتمبر 2015
فتش عن الداخل - فهمي هويدي

أظرف وأخبث تعليق وقعت عليه هذا الأسبوع نصه كالتالي:
 الكلام عن الدعم والمساعدات الكبيرة التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر لا يتنافى مع حقيقة المؤامرات وحروب الجيل الرابع الأمريكية على مصر.
 بل يؤكد بما لا يدع مجالا للشك في ان مشكلتنا الحقيقية مع أمريكا وليست مع الولايات المتحدة،
(لذلك) لا يجب أن ندع عداوتنا وكراهيتنا المطلقة للأولى تؤثر على علاقتنا الأخوية المتينة مع الثانية!

بهذه الصيغة الذكية وخفيفة الظل حل الكاتب الساخر سامح سمير على الفيس بوك المشكلة التي تحير المواطن العادي في مصر.
 وهو الذي تخرج عليه وسائل الإعلام بين الحين والآخر بتصريحات عن العلاقات الوثيقة والتعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
في حين تخرج علينا في أحيان أخرى بسيل من التعليقات والتحليلات عن التآمر الأمريكي على مصر،
وجهود المخابرات الأمريكية لاستعادة حكم الإخوان
 واختراقات التنظيم الدولي للبيت الأبيض وتبعية بعض كبريات الصحف الأمريكية لمكتب إرشاد الجماعة.

وإذ سجل صاحبنا ذلك التناقض، فإنه لم يجد له تفسيرا سوى اللجوء إلى الخيال واكتشافه ان الولايات المتحدة لابد أن تكون بلد آخر غير أمريكا.

وانطلق في ذلك من ثقته واطمئنانه إلى صواب موقف الإعلام المصري،
 الأمر الذي دفعه إلى استبعاد افتراض أن يكون الاثنان بلدا واحدا، ومن ثم وجد الحل في أنهما لابد أن يكونا بلدين مختلفين.

ما يثير الانتباه ليس مضمون الرسالة فقط والفكرة التي حل بها الكاتب التناقض بين الموقفين، وإنما أيضا صداها السريع وواسع النطاق لدى جمهور الفسابكة.

 ذلك أنه بعد ساعات قليلة من بثها يوم ٢٦ سبتمبر الحالي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي ولقيت ترحيبا من نحو خمسة آلاف شخص، ولم أتابع عددهم في الأيام التالية.

ولم يكن الصدى مقصورا على حجم المؤيدين الذين أعجبتهم الفكرة وإنما جاء الصدى حافلا بقدر معتبر من تعليقات ظرفاء المصريين وتحليلاتهم الذكية.
 الأمر الذي يطمئننا إلى أنه رغم الاحتقان والجو المشحون بالمرارة والتوتر، فإن معين السخرية في مصر لم ينضب بعد، وإن رصيدها الاحتياطي المتوفر يغطى احتياجات عدة سنوات مقبلة.

رغم السخرية والفكاهة في الموضوع، إلا أن التعليق يثير قضية على جانب من الأهمية والجدية.
 إذ يذكرنا بالتحليلات التي اعتبرت النكتة المصرية ضمن أسلحة التعبير السياسي التي تتوسل بالسخرية لنقد الأوضاع وفضح تناقضاتها،
 الأمر الذي يخرجها من نطاق الجدل إلى الهزل ومن المسؤولية إلى العبث.

فالمواطن المصري البسيط يعذر إذا انتابته الحيرة في تحديد موقفه إزاء الولايات المتحدة، التي نمتدحها ونعتز بالتحالف الاستراتيجي معها
 وتبرز وسائل إعلامنا كل اطراء يصدر عن مسؤوليها لأولي الأمر في بلادنا.
ثم فجأة نتهمها بالتآمر على مصر ونتحدث عنها باعتبارها عدوا يتربص بنا ولا يتمنى لنا خيرا.

وفي هذه الحالة لا يعرف ذلك المواطن ما إذا كانت أمريكا معنا أم ضدنا.
ويصبح التحليل الذي أورده الكاتب الساخر أحد التفسيرات البسيطة التي تحل له الإشكال.

الكلام الجاد في هذا الموضوع ينبه إلى أن تناقض المواقف له مصدران مهمان،
 الأول يتمثل في الخلط والالتباس في فهم الموقف الأمريكي.
ذلك أن أمريكا ليست شيئا واحدا. فالديمقراطيون غير الجمهوريين.
والصحف وقنوات التليفزيون لها مذاهب شتى والاكاديميون وخبراء مراكز الأبحاث قد يكون لهم آراء أخرى مخالفة لما يطرحه الجميع.
وبين هؤلاء من يؤيد مصر على طول الخط (الجمهوريون مثلا)
 ومنهم من لا يكف عن انتقاد أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في مصر كالديمقراطيين.
وذلك التباين حاصل في جميع المنابر الأخرى،

 أما ما يعبر عن موقف الدولة فهو البيت الأبيض ووزارة الخارجية،
وما يصدر عنهما يتحرى المصالح الأمريكية في نهاية المطاف، ويلتزم بالتحالف الاستراتيجي مع مصر سواء اتفق مع سياساتها أو اختلف معها.

الأمر الثاني ان توجهات السياسة الخارجية في مصر محكومة إلى حد كبير بتطورات الأوضاع الداخلية.
وطالما ظل صراع السلطة ضد الإخوان حاصلا في مصر، فإنه سيظل أحد المحددات الرئيسية للسياسة الخارجية.
فمن خاصم الإخوان صالحناه ومن هادن الإخوان خاصمناه ومن أعانهم اتهمناه ومن حاربهم حالفناه.

 ذلك حاصل مع الدول ومع المنظمات الحقوقية الدولية ومنظمات الأمم المتحدة،
 الأمر الذي يعد تطبيقا لشعار من ليس معنا فهو ضدنا، رغم أن ذلك قد لا ينطبق بالضرورة على الواقع، لان بعضا قد لا يكون معنا حقا، ليس لانه بالضرورة ضدنا ولكن لأن له مصالح مغايرة أو حسابات تختلف عن حساباتنا.

أزعم أن هذا العنصر الثاني يفسر الكثير من توجهات السياسة الخارجية المصرية التي يكتنفها التناقض أو الغموض، ولا سبيل لفهمها وحل غوامضها إلا بالنظر إلى اتجاهات الريح في الداخل
ــ والله أعلم.

..............

29 سبتمبر، 2015

ماذا بعد الانقلاب الأبيض في الجزائر؟ - المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 15 ذو الحجة 1436 29 سبتمبر 2015
ماذا بعد الانقلاب الأبيض في الجزائر؟ - فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

مبلغ علمنا أن إعصارا سياسيا ضرب حكم العسكر في الجزائر، لا عرفت دوافعه ولا فهمت مقاصده،
 الشيء الوحيد المؤكد أنه وضع الجزائر على أبواب حقبة جديدة يكتنفها الغموض.

(1)

جيلنا، منذ ستينيات القرن الماضي على الأقل، كان يتداول مقولة خلاصتها أن لكل دولة جيشا باستثناء الجزائر، لأن جيشها الوحيد الذي له دولة،

ورغم أن أشياء كثيرة تغيرت في العالم العربي وفي الجزائر خلال نصف القرن الأخير، إلا أن قبضة الجيش في الجزائر ظلت من الثوابت التي لم تتغير.
إذ ظل صاحب الكلمة الفصل في السياسة والاقتصاد والإدارة.
وبات مستقرا ومتعارفا عليه أنه الذي يأتي برؤساء الجمهورية ويعزلهم وهو الذي يرجح كفة المرشح لرئاسة الحكومة ويحرك الأغلبية في البرلمان.
وظل جنرالاته يحركون المشهد السياسي وهم في مناصبهم،
والذين يحالون إلى التقاعد منهم سرعان ما ينتقلون إلى قطاع الأعمال فيصبحون ضمن كبار المستوردين والمقاولين وملاك الأراضي والعقارات.

أحد أهم هؤلاء الجنرالات كان «سي توفيق» الذي رأس جهاز المخابرات طوال الخمس والعشرين سنة الأخيرة، وهو رجل غامض بلغ من العمر ٧٦ عاما،
وكان قد تدرب في بداياته على أيدى المخابرات السوفييتية، وظل طوال الوقت شبحا صامتا له قوته ورهبته، وله نفوذه الخطير، حتى وصف بأنه صانع الرؤساء،
حيث عاصر اختيار ستة رؤساء للجمهورية و١٢ رئيسا للحكومة،
 ومع ذلك لم يتحدث إلى وسائل الإعلام ولم تظهر له صور، حتى اعتبر المسؤول الوحيد الذي لا يعرف الجزائريون شكله، حيث لم يكن مسموحا بتصويره في أي مناسبة، علما بأنه كان نادرا ما يظهر في المناسبات العامة.

ويتحدث البعض عن صورتين ظهرتا له أخيرا، واحدة له في شبابه والثانية مشكوك فيها كانت له وهو مرتد ثياب عسكرية.

 الأهم من ذلك أن سي توفيق، اسمه الحقيقي محمد لمين مدين وتوفيق اسمه الحركي حين التحق بجيش التحرير
 ــ جمع كل أجهزة المخابرات تحت رئاسته فيما سمي بدائرة الاستعلام والأمن،

ويذكر أنه حين حققت الجبهة الإسلامية للإنقاذ انتصارها الكبير في انتخابات عام ١٩٩٣، فإن سي توفيق كان في مقدمة الجنرالات الذين انقلبوا على التجربة الديمقراطية،

ولأنه رأس المخابرات في عام ١٩٩٠ فقد كان له إسهامه في إجبار الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة.
وهو ما أطلق شرارة العنف الضاري الذي أغرق الجزائر في بحر من الدماء طوال عقد من الزمن، لا يزال يوصف إلى الآن بأنه عشرية سوداء،
 إذ قتل خلالها نحو ٣٠٠ ألف جزائري وشهدت البلاد أثناءها العديد من المذابح والانتهاكات الوحشية التي شاركت فيها كل الأطراف.

في السنوات الأخيرة اشتهر جهاز المخابرات بتحقيقاته في قضايا الفساد خصوصا في شركة النفط العمومية،
 ووصل تغلغل جهاز المخابرات إلى كل مؤسسات الدولة والأحزاب، بحجة حماية البلاد من الإرهاب والفساد.
حتى بدا وكأنه الحاكم الفعلي للجزائر وصاحب الكلمة الأخيرة فيما يخص الملفات الأساسية على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

(2)

يوم الأحد ١٣ سبتمبر الحالي كانت عناوين الصحف الصباحية الجزائرية كالتالي:
 الرئيس يطيح بصانع الرؤساء
 ــ الجنرال توفيق.. نهاية الأسطورة
 ــ نهاية حرب الاستنزاف بين المخابرات والرئاسة
ــ الجزائر على أبواب تغيير جذري
 ــ هل بدأ مشروع تمدين السلطة في الجزائر (نقلها إلى المدنيين).. إلخ.

 أما العبارة التي كانت قاسما مشتركا في مختلف الأصداء فهي التي وصفت الحدث المدوي الذي فاجأ الجزائريين بأنه إعصار سياسي.
 ذلك أنه خلال ربع القرن الأخير وإزاء النفوذ الهائل والغموض الكبير الذي أحاط بالجنرال الشبح. استقر في يقين الطبقة السياسية أن سي توفيق هو الطرف الثابت في السياسة الجزائرية أما الآخرون بمن فيهم الرؤساء فهم عابرون.

لم تكن تلك هي المفاجأة الوحيدة، لأن ما أدهش الجزائريين أيضا أن القرار صدر عن رئيس مصاب بجلطة دماغية منذ أكثر من سنتين، أفقدته القدرة على التحكم في حواسه، كما أفقدته الوعي أغلب ساعات اليوم.
وبسبب تلك الجلطة التي أصابته في شهر أبريل عام ٢٠١٣ فإنه ظل نحو ثلاثة أشهر تحت العلاج في فرنسا، وعاد مقعدا ويتكلم بصعوبة بالغة،
حتى إنه لم يخاطب الجزائريين منذ أكثر من ثلاث سنوات،

 الأمر الذي بدا محيرا ومثيرا للشكوك والهواجس، ذلك أن الرئيس وهو في أضعف حالاته أصدر قراره بعزل الجنرال وهو في أوج قوته.

وفي حين تصور كثيرون أن الرئيس (٧٨ سنة) قد لا يكمل ولايته الرابعة التي بدأها في عام ٢٠١٤ بسبب ظروفه الصحية (مدة الولاية خمس سنوات)، فإن الجميع فوجئوا بأن الرجل ماضٍ في ترتيب مستقبل الرئاسة،
 وأنه قرر أن يباشر العملية بنفسه بحيث لا يتركها لدولة الأمن والعسكر التي كان الجنرال توفيق على رأسها.

حين حدث ذلك تذكر البعض أن بوتفليقة قال لإحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية عشية انطلاق ولايته الأولى في عام ١٩٩٩«قولوا للجنرالات الجزائريين أن يوجهوا إلي أي اتهام لو كان بمقدورهم ذلك».
تذكروا أيضا أنه قال أمام الصحفيين غداة انتخابه «لن أكون أبداً ثلاثة أرباع رئيس».
 وهو ما فهم منه أن الرجل كان عازما منذ اليوم الأول لانتخابه أن يكون السلطة الأولى في الجزائر،
وأنه لن يخضع لسلطة دولة العسكر التي كانت صاحبة الكلمة الأولى آنذاك.

رغم أن الإعصار هدأ بصورة نسبية خلال الأسبوعين الماضيين، إلا أن سيل الأسئلة لا يزال يتدفق،
 بعضها يتحرى الخلفيات والبعض الآخر يقلب الاحتمالات ويستفهم عن المآلات.

 لكن القدر المتفق عليه أن الاعصار الذي انطلق لم يؤد فقط إلى التخلص من رأس دولة العسكر ورمزها،
لكنه وجه ضربة في الصميم إلى مجمل مشروع تلك الدولة القابضة على السلطة منذ الاستقلال في ستينيات القرن الماضي.

(3)

من القصص ذات الدلالة التي تستدعي الآن أن وزير الداخلية الفرنسي في عهد الرئيس ساركوزي ــ كلود يجا ــ كان قد زار الجزائر وطلب مقابلة الجنرال توفيق دون أن يمر بالرئاسة،
 وهو ما أغضب بوتفليقة فتدخل بالرفض كما رفض مقابلة الوزير الفرنسي.
وبعد أشهر قليلة قام الجنرال بزيارة سرية للإليزيه حيث التقى ساركوزي، الذي تيقن أن الجنرال هو الرئيس الفعلي للجزائر.

في الخلفية أيضا أن بوتفليقة أخذ على الجنرال توفيق أنه لم يستخدم أدواته وأجهزته في وضع حد للشائعات والأقاويل التي راجت في الجزائر أثناء علاج الرئيس بفرنسا ودارت حول انسحابه من السلطة وعدم ترشحه لانتخابات عام ٢٠١٤.

لذلك فإنه عاد من رحلته بمشاعر متغيرة إزاء رئيس جهاز المخابرات.
وقيل في هذا الصدد إن ذلك التغير أسهم فيه شقيق الرئيس ونائبه غير الرسمي السعيد بوتفليقة الذي كان يدافع عن أخيه الأكبر ويشير إليه دائما بأنه «سيدي حبيبي».
كما أسهم فيه رئيس أركان الجيش قايد صالح الذي كان يطمح في أن يختاره بوتفليقة خليفة له.

يذكرون أيضا أن الرئيس بوتفليقة الذي بدأ متمردا على حكم العسكر لجأ إلى تفكيك جهاز المخابرات ومن ثم إضعاف مملكة الجنرال توفيق.
 فصَّل في ذلك تقرير من الجزائر نشرته صحيفة الشرق الأوسط (في ٢٣/٩).
أشار إلى أن أول وأخطر خطوة اتخذها الرئيس في هذا الصدد تمثلت في حرمان الجهاز من الشرطة القضائية التي كانت العصا التي استخدمها الجنرال توفيق في مباشرة تحقيقات قضايا الفساد التي تورط فيها مسؤولون بارزون في الدولة،

وطالت تلك التحقيقات شركة «سونا طاك» للنفط والغاز، وافضت إلى اتهام وزير الطاقة بتلقي العمولات
 كما ذكر اسم السعيد شقيق الرئيس الأصغر في القضية،
 وهو ما أثار غضب الرئيس فنحى وزير العدل في أول تعديل حكومي،
كما أبعد الضباط الذين قاموا بالتحقيق فيها.

 الخطوة التالية التي اتخذها الرئيس تمثلت في إلغاء وحدة الاتصال والبث التي كانت عين الجنرال توفيق على مؤسسات الإعلام،
 كما أنه جرد المخابرات من الإشراف على الأمن العسكري والرئاسي ومن التنصت على مكالمات الوزراء وكبار المسؤولين،
وحل مجموعة التدخل الخاصة التي كانت القوة الضاربة للمخابرات أيام الصراع مع الإرهاب..
 إلى غير ذلك من الخطوات التي أدت إلى تفكيك مملكة الجنرال توفيق وتجريده من عناصر القوة التي جمعها وإحالة عشرات الضباط الموالين له إلى التقاعد،

وقد بلغ ذلك الإضعاف ذروته حين ألقي القبض في شهر أغسطس الماضى على أحد أهم مساعدي الجنرال توفيق، وهو رئيس قسم محاربة الإرهاب في المخابرات الجنرال عبدالقادر آيت المعروف باسم الجنرال حسان، الذي وجهت إليه تهم غامضة.
وهو ما دفع المراقبين إلى توقع الخطوة التالية المتمثلة في إزاحة الجنرال توفيق والإجهاز على مملكته التي تقوضت أركانها.

(4)

ما جرى كان «انقلابا أبيض»، في رأي الباحث الجزائري مدير مركز أبحاث العالم العربي في جنيف الدكتور حسني العبيدي.
وهو يثير أكثر من سؤال حول مرحلة ما بعد بوتفليقة، الذي نجح في ترتيب كل الأوضاع المحيطة وضمان سيطرته على مختلف سلطات الدولة وإزالة كل العوائق من طريقه، وكانت المؤسسة العسكرية والأمنية أخطرها.

 أحد أهم تلك الأسئلة تتعلق بما إذا كان الرئيس سيقرر الاستمرار في الحكم متحديا المرض والشكوك حول قدرته على تسيير دفة الحكم،
 أم أنه سيختار من يخلفه ثم يدعو إلى انتخابات مبكرة ليضمن ترتيب وضع السلطة بعد رحيله.

في هذا الصدد يرشح تقرير الشرق الأوسط ثلاثة أشخاص لخلافته،
 أحدهم رئيس الوزراء الحالي عبدالمالك السلال.
 الثاني وزير الدولة ومدير الديوان بالرئاسة أحمد أويجي،
 والثالث شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة.

ثمة سؤال آخر مثار هو:
 هل يمكن أن تكون فرنسا بعيدة عما جرى أو الذي سيجري.

 البعض يرى أن صيغة السؤال غير دقيقة، لأن الأصوب أن ينصب التساؤل على حجم الدور الفرنسي وليس عن مبدأ وجوده، لأن فرنسا لم تغب عن المشهد وهي موجودة طوال الوقت،
وعلاقاتها متينة مع مؤسسة الرئاسة والجيش، إلا أن حجم الحضور ليس معلوما في الوقت الراهن نظرا لحساسية الموضوع.

السؤال الثالث المهم هو:
 هل يمهد تفكيك مؤسسة العسكر والأمن لانتقال الجزائر إلى مجتمع مدني وديمقراطي؟

المؤكد أن الصراع أو التجاذب بين الرئاسة والعسكر قد حسم.
 أما هل يؤدي ذلك إلى الانتقال إلى نظام ديمقراطي فمن الصعب التكهن بذلك الآن، لأن ثمة انسدادا سياسيا يحتاج إلى وقت طويل لعلاجه.

إلا أنه من المهم ملاحظة أن التساؤل عن الانتقال الديمقراطي لم يكن واردا في ظل هيمنة مؤسسة العسكر والأمن، في حين أن التغيير الذي حدث أعطى الأمل في إمكانية تحقيق ذلك الأمل.

 وفي كل الأحوال فإن خطوات الرئيس بوتفليقة التالية ستوفر الإجابة على السؤال.
 علما بأن مرحلة حكم العسكر أحدثت تشوهات في الحياة السياسية الجزائرية يصعب البراء منها.

وقد أشار تقرير الشرق الأوسط إلى أن تلك التشوهات لها بصماتها على كل شيء في البلاد بدءا من العقيدة الأمنية وانتهاء بطريقة إدارة شؤون الدولة، ومرورا باختيار الرجال وطبيعة الولاء، وهو ما يحتاج إلى سنوات ليست قصيرة لعلاجه.
...........

28 سبتمبر، 2015

مصر تستحق الأفضل

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 14 ذولحجة 1436 – 28 سبتمبر 2015
مصر تستحق الأفضل – فهمي هويدي

لم أستطع أن أقاوم سوء الظن حين لاحظت أن بعض الصحف المصرية أبرزت خبر اتجاه بريطانيا لتقييد حق الإضراب،
وكلمة «اتجاه» إضافة من عندى لأن الصحف التى أعنيها أعطت فى عناوينها انطباعا بأن ذلك حدث فعلا، فى حين ان قارئ الخبر يكتشف أن المشروع الذى قدمه حزب المحافظين مر فى القراءة الثانية له فى مجلس العموم، وتنتظره قراءة ثالثة قبل إحالته إلى مجلس اللوردات لاعتماده بصورة رسمية.

 ورغم أن خطوة من ذلك القبيل حين تحدث فى بريطانيا فإنها تصبح خبرا يستحق الإبراز من الناحية المهنية، إلا أن تجربتنا مع الصحف المصرية نبهتنا إلى أن الدور السياسى أصبح مقدما على الدور المهنى.

لذلك فإننى شممت فى إبراز الخبر على الصحفات الأولى رائحة التوظيف السياسى.
إذ قرأته باعتباره رسالة تحاول ان تفحم الرافضين لقانون التظاهر الذى أثار الغضب فى مصر، بدعوى أن تقييد حق التظاهر ليس بدعة، ولكنه معمول به فى أكبر وأعتى «العائلات» الديمقراطية فى العالم.

وهى الحجة التى عادة ما نستخدمها فى تبرير وتمرير العديد من الإجراءات الاستثنائية التى اتخذت بدعوى مقاومة الإرهاب أو فرض الطوارئ.

 وهو سلوك يثير قضيتين جوهريتين هما:

تجاهل الخرائط السياسية فى الدول الديمقراطية التى نقارن بها،
وإغفال السياق الذى تصدر فيه القوانين التى تحد من الحريات العامة.

 ذلك أننى حين قرأت خبر تقييد حق التظاهر فى بريطانيا قلت:
 اعطونا واقعا سياسيا مثل الحاصل فى بريطانيا، وأنا أبصم بالعشرة على إصدار قانون لتقييد التظاهر فى الظروف الراهنة.

وأقصد بالواقع السياسى قوة مؤسسات المجتمع ونفوذ المجالس المنتخبة وقدسية القانون واستقلال القضاء، وغير ذلك من الضمانات التى تكبح جماح السلطة وتخضع إجراءاتها للمحاسبة والرقابة،
 كما انها تحول دون التلاعب بالقانون وتوظيفه لصالح أهواء السلطة وتدابير أجهزتها الأمنية.

من ناحية أخرى فإن مثل تلك القوانين التى تحد من الحريات العامة تعد استثناء فى المجتمعات الديمقراطية فى حين أنها باتت قاعدة فى بلادنا،

 ثم انها تصدر بضمانات معينة تحمى المتظاهرين كما تحمى النظام العام،
 ويكون لها أجل محدود، إلى جانب أن ممارسات السلطة طول الوقت تظل خاضعة للرقابة والمساءلة.

 تبرز المفارقة هنا ان قانون الإرهاب الذى صدر أخيرا فى مصر نص فى مادته الثامنة على عدم المساءلة الجنائية للشرطة إذا استخدمت القوة فى أدائها لواجباتها إذا كان ذلك ضروريا.
بالمقابل فإن محكمة بريطانية حكمت بالسجن ثمانية أشهر على شرطى أدين فى ارتكابه «جريمة» دفع أحد المتظاهرين!

القضية الثانية تتمثل فى أننا لا نمارس الانتقاء فى المقارنات فحسب، ولكننا أيضا نقارن دائما بالأسوأ، ناسين أن بلدا بأهمية مصر ورصيدها التاريخى يستحق أن يقارن بما هو جدير به ويتطلع إليه.

فى حين أننى أحذر من النهج الذى يوصل إلى الرأى العام ــ رسالة تدعو الناس بأن يحمدوا الله على ما هم فيه، لأن الآخرين لقوا مصيرا اسوأ وأتعس.
وهو منطق قد يكون مفهوما فى حالة التماثل فى الظروف الاجتماعية والتاريخية،

 أما حين تختلف تلك الظروف اختلافا بينا فإن المقارنة فى هذه الحالة لا تخلو من افتعال وتغليط.
أخص بالذكر هنا ظاهرة تكرار المقارنة بين مصر ودول أخرى مثل سوريا والعراق وليبيا.

فمصر لا تعرف الصراع القبلى أو المذهبى بين الشيعة والسنة،
وحتى العنف فيها بلا تاريخ، لأن المزاج المجتمعى مختلف فضلا عن أن الشعب غير مسلح أصلا،
 وكل العنف الذى ظهر على سطح المجتمع المصرى أخيرا يشكل استثناء ثم إن له سقفه وحدوده التى لا يتجاوزها.
 وما يجرى فى سيناء له خصوصيته المتعلقة بطبيعة المكان، وتركيبة المشاركين فى العنف الحاصل هناك، سواء تعلق الأمر بالجهات التى قدموا منها أو الجنسيات التى ينتمون إليها.

لست أدعى أن مصر محصنة ضد المصير الذى انتهت إليه أقطار أخرى التى يشار إليها.
 لكننى أكرر أن النموذج المصرى مختلف، سواء فى تركيبته الاجتماعية وخلفيته الثقافية،
 أو فى خبرته وتجربته مع العنف الذى لم يبلغ يوما ما ما بلغه فى تلك الدول الأخرى،

وإذا كان لنا أن نعتبر من المآلات التى يجرى التحذير منها فإن ذلك يكون بانتهاج سياسات مغايرة تجنبنا الوصول إلى ما وصل إليه غيرنا.
وهنا تبرز أهمية استدعاء النماذج الأفضل لتجنيب مصر النماذج الأسوأ.

إن الاكتفاء فى مصر بالتحذير من مآلات سوريا والعراق وليبيا وغيرها، هو دعوة للرضا بما هو حاصل.

وتلك رسالة لا تخلو من خطورة.
 ذلك أننا إذا لم نغير من سياساتنا بحيث تتمثل النماذج الأفضل بما حققته على أصعدة الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان،
فلا ندرى إلى أين ستقودنا السياسات القائمة.

 ثم إن التغيير المنشود إلى الأفضل وحده هو الذى سيضمن لنا ألا ننتهى إلى ما انتهى إليه الذى نحذر منه.

بالتالى فإن السؤال الأهم الذى ينبغى أن ننشغل بالإجابة عنه هو:
 ما هى الحصانات التى تتوافر لنا لكى لا تصبح مصرغير سوريا والعراق وليبيا؟

....................

27 سبتمبر، 2015

نرحب بالعيدية وننتظر العيد

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 13 ذو الحجة 1436 27 سبتمبر 2015
نرحب بالعيدية وننتظر العيد – فهمي هويدي

 رحبنا بالعيدية لكننا ننتظر العيد.
كان ذلك تعليقا على قرار الرئيس عبدالفتاح السيسى العفو عن النشطاء المائة، الذى اعتبرته جريدة «الشروق» «عيدية» قدمها الرئيس للمجتمع المصرى بمناسبة عيد الأضحى،

 إذ قلت إنه يستحق الترحيب، لأن إطلاق سراح مظلوم واحد مما يستحق الحفاوة، فإذا كانوا مائة فإن الحفاوة ينبغى أن تتضاعف.
ولست مع الذين غمزوا فى القرار بدعوى أن المفرج عنهم نقطة فى بحر،
 أو لأنه محاولة لتحسين السمعة بعد تقارير المنظمات الحقوقية الدولية التى انتقدت السلطات الأمنية المصرية ونددت بسوء معاملتها للمسجونين.

وكانت جريدة «المصرى اليوم» قد ربطت بين القرار وبين سفر الرئيس للولايات المتحدة فى عنوانها الرئيسى لعددها الصادر فى ٢٤/٩ الذى كان نصه «السيسى يفرج عن النشطاء ويزور نيويورك».

 أقول رغم كل ذلك فإن إطلاق سراح المائة ينبغى أن يستقبل باعتباره رسالة إيجابية تستحق التشجيع أيا كانت الحسابات السياسية التى حركتها.
 وفى هذه الحالة فإن الموقف المسئول يفرض التعامل معها بحسبانها خطوة يرجى أن تتبعها خطوات أخرى لإنصاف بقية المظلومين وطى صفحة الاحتقان المخيم على الأجواء المصرية.

ليس فقط إعمالا للقول المأثور، تفاءلوا بالخير تجدوه، (المنسوب إلى النبى صلى الله عليه وسلم)،
 ولكن أيضا لأن مصر مقبلة على انتخابات تشريعية قبل نهاية العام يفترض أن تمثل انفراجا على الصعيد الديمقراطى.
 وهو ما نتمنى أن يستصحب انفراجا مماثلا على الصعيدين السياسى والأمنى.

كان مثيرا للانتباه فى هذا الصدد البيان الذى أصدره السيد محمد فايق رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان الذى قال فيه ان المجلس سيواصل مساعيه حتى يشمل العفو الرئاسى باقى الشباب.
 وهو البيان الذى نشر يوم ٢٥/٩ وأعطى انطباعا بأن العفو الرئاسى كان ثمرة جهد بذله المجلس المذكور.

ورغم أن خبرتنا بالمجلس تشكك فى ذلك الإدعاء، خصوصا بعد فضيحة زيارة وفده لسجن العقرب.
 إذ تبين لنا أنها لم تكن أكثر من لقطة فى الفيلم الدعائى الذى أعدته وزارة الداخلية،
 فإننا ونحن نتمنى تحقيق الانفراج من أى باب، لا نملك إلا أن نرحب بذلك المسعى آملين أن يلح فيه المجلس،
وان يكون بمقدوره حقا أن يشكل ضغطا يسهم بشكل جاد فى إطلاق سراح المزيد من المظلومين.

 وكان الرئيس السيسى قد تحدث عن وجود أولئك المظلومين فى شهر فبراير ــ منذ سبعة أشهر ــ ووعد بالإفراج عنهم «قريبا».

وللعلم فإن الرئيس فى حديثه الذى جرى بثه يوم ٢٢ فبراير من العام الحالى ذكر أنه دعا ممثلى الشباب الذين التقاهم إلى زيارة مختلف السجون لتحرى أوضاع النزلاء فيها،

وقال إن نتائج زيارتهم ستكون محل دراسة من جانب السلطة، فى ضوئها سيتم الإفراج عمن تثبت مظلوميتهم.
 وهى الدعوة التى لم يبذل جهد لتفعيلها للأسف.
 بل حين زار وفد المجلس القومى لحقوق الإنسان سجن العقرب فى أواخر شهر أغسطس الماضى، فإن شهادته كانت لصالح وزارة الداخلية بأكثر منها وقوفا إلى جانب المظلومين.

العيد الذى نترقبه ونتمناه هو الذى يغلق فيه ملف الاحتقان وتطوى صفحته، المسكونة بالمرارات والأحزان،

 وإذا كانت هناك مبررات لدى القوات المسلحة لإطلاق ما سمى «بحق الشهيد». فحرى بنا أن نخطو خطوة أبعد ونطلق يوما ما حملة «حق المظلوم» أو حق السجين.
 خصوصا أن تقارير المنظمات الحقوقية المستقلة فى مصر، وكذلك الشهادات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعى تجمع على أن المظلوم شهيد حى.

إننا لا نعرف كم عدد المحتجزين فى السجون المصرية.
 وإذا كان الرقم المتداول يشير إلى أن عددهم ٤٠ ألفا، إلا أن هناك من يرتفع بالعدد إلى خمسين ألفا،
وهناك من يشكك فى الرقمين. ثم اننا لا نعرف شيئا عن أعداد السجون، خصوصا بعد اللغط الذى أثير حول سجون سرية خارج القانون، وما تردد عن تزايد حالات الاختفاء القسرى.

وفى حين أن التصريحات الرسمية تتحدث عن عدم وجود معتقلين سياسيين، فإن البيان الرسمى الذى صدر بخصوص المائة الذين تقرر الإفراج عنهم مؤخرا تحدث عنهم باعتبارهم «نشطاء سياسيين».

 أما الذى يحدث لنزلاء سجن العقرب فإنه مما يصعب تصديقه ويشيب له الولدان. إلى غير ذلك من المعلومات المثيرة للبلبلة، التى لا تجد مصادر موثوقة تصححها أو تنفيها.

إننى هنا أتحدث عن آدمية البشر ولا أدافع عن أفكارهم أو مواقفهم، ولدى رأى مخالف بشأن سياساتهم.
وأزعم أن كل خلاف معهم ينبغى أن يناقش فى العلن،
 إلا أنه من الناحية الأخلاقية ومن المروءة أن تجرى تلك المناقشة حين يكون بمقدور الطرف الآخر أن يرد منتقدا أو مدافعا عن وجهة نظره.

إن عيدنا الحقيقى ــ والأكبر ــ هو ذلك اليوم الذى تنقشع فيه الغمة بحيث تحترم كرامة كل سجين. ويعود كل مظلوم إلى بيته، وبغير ذلك، حين يستمر الاحتقان وتتعمق الجراح ويستمر انسداد الأفق، فسنظل بلا عيد حقيقى.
وستظل العيدية عربونا لفرحة مؤجلة وضوءا سرعان ما يخبو.
..............


Delete this element to display blogger navbar