Subscribe:

Ads 468x60px

29 أبريل، 2015

زي الفُـل

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 11 رجب 1436 – 30 أبريل 2015
زي الفُـل - فهمي هويدي

حين قرأت تصريحا رسميا أكد أن مياه الشرب في مصر «زي الفل»، وان اللغط المثار حول الموضوع هو جزء من حرب نفسية تستهدف إثارة البلبلة والذعر بين المصريين، اقتنعت بأن هناك مشكلة يراد تغطيتها بحجة المؤامرة.

ولم أكن بحاجة إلى الاعتماد على سوء الظن بمثل هذه التصريحات، لانه في اليوم الذي نشرت فيه صحيفة «التحرير» هذا الكلام على لسان رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب (أمس الأربعاء ٢٩/٤)، كانت بقية الصحف المصرية تنشر معلومات أخرى شككت في صدقية كلام الرجل أو ما نسب إليه،

 فتلوث المياه وتسممها أمر صار ثابتا في محافظة الشرقية والأسئلة ما زالت مثارة حول مصدر التلوث، وان كانت أكثر الأصابع تشير إلى مسؤولية محطات التنقية الخاصة عنه.
 ثم إن هناك شكوكا أخرى لم تتأكد حول احتمالات تلوث المياه في محافظتي البحيرة والاسكندرية.

وفي الوقت ذاته وجدنا أن منظمة الصحة العالمية أرسلت خطابا إلى وزارة الصحة المصرية طالبتها فيه بضرورة التأكد من انتشال الفوسفات من مياه النيل أمام محافظة قنا بصعيد مصر، للحيلولة دون ضمان ذوبانه في المياه بما يحمله من مواد مشعة.
وإلى أن يتم ذلك فإن المنظمة الدولية طالبت بمنع المواطنين من شرب مياه النيل مباشرة في المنطقة المحيطة، لما قد يسببه ذلك من أضرار صحية بالغة.

الشاهد أننا إزاء أزمة حقيقية، لا ينبغي المبالغة في حجمها وأثرها بطبيعة الحال، إلا أنه لا يجوز التهوين من شأنها أو تجاهلها، ناهيك عن الادعاء بأنها مؤامرة وان المياه «زي الفل».
كنت قد تطرقت إلى بعض جوانب الموضوع ودلالاته هذا الأسبوع (في ٢٦/٤)، باعتباره من علامات تدهور الخدمات الأساسية التي تقدم للمصريين، التي أفسدها التسيب والفساد.

 وتلقيت تعليقات عدة على ما كتبت، استوقفني منها تعليق لأحد الخبراء العاملين في المجال، هو المهندس الاستشاري أحمد حسين قنديل، الذي أثار في تعلىقه عدة نقاط مهمة هي:

<
لكي يصل للمواطن كوب مياه نظيف فلا بد من توافر منظومة متكاملة تبدأ بمصدر نقي للمياه هو نهر النيل (إذا استثنينا المياه الجوفية والمحلاة)
 يليه محطة تنقية تقوم حقا بدورها في التنقية،
ثم يجب أن تمر المياه بعد تنقيتها بأمان داخل مجموعة من الشبكات والخزانات حتى تصل إلى المنزل.

<
قد تستطيع محطات تنقية المياه (إذا أدت وظيفتها) التخلص من البكتيريا والفيروسات في مياه النيل ولكنها لا تستطيع (لانها غير مصممة) ان تتخلص من المعادن الثقيلة التي قد تصل إلى النيل من الصرف الصناعي (وتشمل تلك المعادن الكادميوم والزئبق والرصاص وغيرها).
وتتراكم المعادن الثقيلة بمقادير ضئيلة داخل الجسم البشري دون أن يستطيع التخلص منها.

وباستمرار التراكم البطيء تبدأ عدة أمراض متنوعة في الظهور من فشل بأجهزة الجسم المختلفة أو سرطانات أو أمراض تصيب الجهاز العصبي والقدرات العقلية.
الأمر الذي يعني أن خطورة التلوث الصناعي على مياه النيل هي أضعاف خطورة التلوث بمياه الصرف الصحي (مع التسليم بأن كليهما ضار).

<
أخيرا إذا خرجت المياه بحالة جيدة ومطابقة للمواصفات من محطة التنقية فلاتزال هناك امكانية لتلوثها في رحلتها إلى المواطن من خلال الشبكات والخزانات.
 والعامل الحاسم في القرى التي لا يوجد بها صرف صحي متكامل هو تلوث شبكات المياه من خلال التربة المشبعة بمياه الصرف الصحي.

<
اتفق تماما مع الدعوة إلى ضرورة وجود جهة رقابية مستقلة لهذه المنظومة تكون لديها معامل مرجعية تقوم بالتفتيش الواجب.
وقد كانت الرؤية الاستراتيجية عند انشاء الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي هي وجود جهاز رقابي مستقل وهو الجهاز التنظيمي لمياه الشرب.
وقد انشئ بالفعل ذلك الجهاز في ٢٠٠٥ ولكن الصراعات السياسية الصغيرة جردته من الاستقلالية الواجبة. وتلك قصة أخرى، وربما حان الوقت الآن للنظر في تمكين هذا الجهاز.

<
ليست هذه أول مرة تتبادل الحكومة مع جهات أخرى الاتهامات حول المسئولية عن تلوث المياه.
ففي سبتمبر ٢٠١٢ طالعتنا الصحف بأخبار عن تلوث مياه قرية «صنصفط» بالمنوفية وتسمم عدد كبير من مواطني القرية.
وقرأنا آنذاك عن تبادل الاتهامات بين عدة جهات مختلفة (جهة حكومية منوط بها توصيل المياه النظيفة للمواطنين وجهة أخري خيرية قامت بتوفير محطة آبار من تبرع أهالي القرية القادرين).
ورأينا وقتذاك مظاهرات خرجت منادية بكوب مياه نظيف.

<
لا يوجد حل سحري ولكن هناك خطوطا عريضة تشمل:

١ــ توفير استقلالية تامة لجهة رقابية عليا تقوم بحماية نهر النيل من أي تعديات وأهمها الصرف الصناعي والصحي والزراعي والنفايات الصلبة.
وحبذا لو كانت تلك الجهة مستقلة تماما عن الوزارات وتتبع مباشرة رئاسة مجلس الوزراء مع توفير الامكانيات اللازمة لها.
فنقاء مياه نهر النيل والحفاظ على صحة المصريين هما قضيتا أمن قومي بامتياز.

٢ــ النظر السريع في حلول للصرف الصحي بالقرى وفي الواقع فإن معظم قرى مصر تعوم على مياه الصرف الصحي وهو وضع خطير يؤثر على صحة المواطنين وأساسات المباني أيضا.

٣ــ لا بد من مراجعات شاملة للهياكل التنظيمية التي تتحكم في تنفيذ وتشغيل والإشراف على البنية الأساسية لهذا القطاع.

من عندي أضيف أنه حينذاك فقط يمكن القول إن مياه الشرب أصبحت «زي الفل».

.......................

الإصلاح السياسي أولا

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 10 رجب 1436 29 أبريل 2015
الإصلاح السياسي أولا - فهمي هويدي

لا تكف صفحات الحوادث عن تذكيرنا كل حين بأن مشكلات الواقع المصري أوسع نطاقا وأكثر تعقيدا مما يصوره الخطاب السياسي.
 وإذا كانت قد احتلت الصدارة هذه الأيام أخبار تسمم المياه في محافظة الشرقية وانهيار أحد الجسور في الدقهلية وخروج المترو عن الخط في القاهرة وغرق سفينة أو «صندل» الفوسفات في النيل بقنا،
فإن تلك مجرد «عينة» لظاهرة التسيب والإهمال والانهيار في مستوى الخدمات التي تقدم للناس.

ولو أردنا أن نسترسل في رصد تلك المظاهر فسوف نفتح الأبواب لتقليب مواجع لا حصر لها، تتجاوز بكثير المشكلات المزمنة الناشئة عن التدهور في مجالات التعليم والصحة والإسكان، لتصل إلى مأساة الطرق ــ مثلا ــ التي أصبحت سبة في جبين مصر، بعدما أصبح عدد الذين يقتلون بسببها يتراوحون بين ١٢ و١٥ ألف مواطن سنويا.
وهو رقم يتجاوز بكثير ضحايا الإرهاب الذي استنفرت مختلف القدرات المصرية لمواجهته طول العشرين شهرا الأخيرة.

لست في صدد استعراض مظاهر تدهور البنية التحتية في مصر أو استعراض المشكلات التي يعرفها الجميع ويعانون منها،
كما انني أفهم ان هذا الذي حدث هو حصاد عدة عقود من الإهمال والتسيب والفساد، التي ظلت مؤسسات الدولة خلالها معنية بحماية النظام وخدمة أركانه والمنتفعين به بأكثر من عنايتها بحماية المجتمع وخدمة ناسه وفقرائه.

ولا أستبعد ان يكون الرئيس عبدالفتاح السيسي قد أدرك تنامي مشاعر القلق لدي المصريين جراء استمرار معاناتهم، لذلك دعاهم إلي الاعتصام بالصبر في كلمته التي ألقاها في عيد العمال ووعدهم بأن الأوضاع سوف تتحسن خلال سنتين قادمتين، إضافة إلى قرابة السنتين اللتين أمضاهما في السلطة حتى الآن.
وأغلب الظن أن الرئيس لم يشر إلى الأسباب الموضوعية التي دعته إلى تحديد ذلك الموعد، اطمئنانا إلى ثقة الناس فيه وحسن ظنهم بنواياه.

للأسف فإن الرأي العام في مصر أصبح مشغولا بأمور هامشية لا علاقة لها بمستقبله ــ خلع الحجاب مثلا وعودة شيكابالا إلى نادي الزمالك ــ لذلك ما أن وقعت على مناقشة جادة ومسؤولة لمشكلة مصر الحقيقية والكبرى، فإنني تعلقت بها ووجدت نفسي مدفوعا إلى المشاركة منها.

أتحدث عن المقالة التي نشرتها جريدة «الشروق» أمس (الثلاثاء ٢٨/٤) للدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق.
ذلك انه عرض فيها أمورا ثلاثة لمعالجة أزمة مصر، تتمثل فيما يلي:
 إعادة النظر في أولويات الإنفاق العام للمفاضلة بين المضي في تنفيذ المشروعات العلاقة أو استكمال وتحديث وصيانة ما هو قائم بالفعل من مشروعات
 ــ إعادة فتح ملف الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تمويل وإدارة بعض الخدمات العامة
 ــ إعادة النظر في آلية محاسبة المسؤولين عن الأحداث المتكررة بحيث لا يظل الكبار فوق حساب ويحمل الطرف الأضعف بتلك المسؤولية ويحاسب عليها.

وجدت أن هذه أفكار مهمة تستحق الاستجابة وجديرة بالمناقشة.
وأردت أن أكملها بملاحظتين
الأولى انها تنطلق من التعويل على السلطة دون أن يكون للمجتمع دور فيها،
 الثانية ان فكرة المساءلة بما تستصحبه من ثواب وعقاب للمسؤولين لا تتحقق إلا في بيئة ديمقراطية.

والملاحظتان لا تريان سبيلا إلى انجاز تنمية حقيقية وإصلاح جذري لمواطن الخلل والتدهور، إلا في ظل إصلاح سياسي أجلناه طويلا، ينبغي ان نسارع إلى البدء به،
فالمفاضلة بين التطلع إلى المشروعات العملاقة وبين تحسين الخدمات والارتقاء بها، لا يمكن ان يتحقق الهدف منها طالما غاب عنها الطرف المستفيد من تحديث وصيانة الخدمات.

وطالما دارت مناقشتها بين الحريصين على وجاهة التنظيم وإعلان انجازاته، والتجمل بمشروعاته أمام العالم الخارجي.
من ثم فإن هذه المناقشة تظل مفتقدة إلى الحياد والموضوعية في غيبة المشاركة المجتمعية التي لا تتحقق إلا في بيئة ديمقراطية،

والحجة ذاتها تثار حين يتعلق الأمر بحساب المسؤولين، وهي القيمة الغائبة في مصر، منذ غرق عبارة السلام التي مات فيها ١٣٠٠ شخص عام ١٩٩٨، ولم يحاسب أحد عن الجريمة رغم ان تقرير تقصي الحقائق الذي أعدته لجنة مجلس الأمة آنذاك، حدد جهات وأشار إلى مسؤوليتها عن الاهمال والتسيب في القضية.
 كما لم يحاسب أحد على قتل نحو ألف شاب أثناء تظاهرات ثورة ٢٥ يناير، تماما
كما لم يحاسب أحد على عدم تأمين الجنود الذين سقطوا بالعشرات في سيناء وفي غيرها في أنحاء مصر،
(في تونس استقال رئيس الأركان بعدما قتل الإرهابيون ١٥ جنديا من حرس الحدود في جبل الشعانين
وتمت الإطاحة بستة من قادة الشرطة بعد وقوع الحادث الإرهابي في متحف باردو بالعاصمة).

ان استحضار دور المجتمع وإشراكه في الرقابة والمساءلة هو المدخل الرئيسي لإنجاح جهود الإصلاح.
وهذا الحضور المنشود لا يتحقق فقط من خلال الانتخابات البرلمانية النزيهة، ولكنه يستكمل بالانتخابات المحلية التي تشرك المجتمع المحلي في إدارة شؤونه.

 بسبب من ذلك فإنني أزعم أن الإصلاح السياسي هو الفريضة الغائبة وواجب الوقت.
وما لم نبدأ بخطوات جادة لتحقيق ذلك الإصلاح، فكل ما بني في غيابه يظل مشوبا بالنقصان ومشكوكا في جدواه.
..................

28 أبريل، 2015

مصارحة واجبة حول التعذيب في مصر – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيرة الفضائيه الثلاثاء 9 رجب 1436 28 أبريل 2015
مصارحة واجبة حول التعذيب في مصر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

ما عاد ممكنا السكوت على استمرار التعذيب في مصر، وما عاد مقبولا إعفاء القيادة السياسية من المسؤولية عن استمراره.

(1)

هذه إشارات تثير الانتباه وتستحق الرصد: في ١٢ أبريل/نيسان الحالي ذكرت جريدة "الوطن" أنه تقرر إجراء تحقيق مع اثنين من المستشارين، بعدما أفادت تحريات جهاز الأمن الوطني بأنهما شاركا في وضع مشروع قانون لمكافحة التعذيب داخل السجون وأقسام الشرطة.

في ١٩ أبريل/نيسان خصصت جريدة "المصري اليوم" ست صفحات استعرضت فيها انتهاكات وزارة الداخلية،
وذكر أحد التقارير المنشورة أن جهاز الأمن الوطني الحالي لم يختلف في شيء عن ممارسات جهاز أمن الدولة السابق "في طريقة العمل التي تعتمد على التعذيب لانتزاع الاعترافات من المتهمين". وعن سجن أبو زعبل ذكرت أنه تعذيب بعلم الوصول.

في ٢٥ أبريل/نيسان نشرت جريدة "الأهرام" تقريرا صادما ومروعا عما يحدث في أقسام الشرطة، كان عنوانه "من لم يمت بالتعذيب، مات بالاختناق". ومما ذكره التقرير أن الحياة في أقسام الحجز بتلك الأقسام لا تليق بالإنسان ولا حتى بالحيوان!

وفي ٢٦ أبريل/نيسان نشرت جريدة "الشروق" مقالة لزميلنا الأستاذ أيمن الصياد انتقد فيها محاولات تسويغ التعذيب وتبرير القمع، ونبه إلى أن التاريخ يحفل بهزائم دول تصورت أنظمتها أن لا قيمة لحقوق الإنسان أو كرامة المواطنين.

حتى إذا كان ذلك التتابع مجرد مصادفة -وهو ما أرجحه- فهو لا يخلو من دلالة جديرة بالملاحظة والإثبات.
ورغم ما يشاع في هذا الصدد من أن المعلومات التي خرجت إلى وسائل الإعلام جزء من الصراعات الحاصلة داخل أجنحة وقيادات وزارة الداخلية، فإن ذلك لا يلغي الملاحظة الأساسية المتمثلة في اتساع نطاق الانتهاكات وشيوع التعذيب على نحو تجاوز الحدود وأصبح يفوق طاقة الاحتمال،
 خصوصا حين تعددت حوادث القتل بسبب التعذيب في أماكن الاحتجاز، وهو تطور واكب انطلاق المظاهرات والتوسع في الاعتقالات وتفاقم ظاهرة الإرهاب في مصر على النحو الذي يعرفه الجميع.

في أجواء سقوط حاجز الخوف بعد انطلاق ثورة يناير/كانون الثاني ٢٠١١، وبعدما أتاح التطور الحاصل في وسائل الاتصال لكل صاحب قضية أن يرفع صوته ويعرض مظلمته، فإن قصص التعذيب ووقائعه ظلت متداولة طول الوقت في محيط متابعي مواقع التواصل الاجتماعي.

 الجديد في الأمر أن بعض الصحف القومية والخاصة المؤيدة للنظام دخلت أخيرا على الخط، وفتحت صفحاتها لعرض المشكلة التي أصبحت رائحتها تزكم الأنوف، وسيرتها على مختلف الألسنة في داخل مصر وخارجها.

بالتالي لم يعد انتقاد الانتهاكات مقصورا على المنظمات الحقوقية ودوائر النشطاء والضحايا وحدهم، وإنما علت الأصوات في المجال العام، بحيث انكشف الغطاء عما كان محجوبا ومسكوتا عليه.. وذلك مؤشر مهم لا ريب.

(2)

حين ارتدى الفتى محمود محمد (١٨ عاما) قميصا قطنيا (تي شيرت) كتب عليه "وطن بلا تعذيب" تم اعتقاله منذ أكثر من ٤٠٠ يوم، ولا يزال حبسه يتجدد حينا بعد حين.

وعندما انطلقت حملة بذات الاسم "وطن بلا تعذيب" فإنها لم تسلم من الملاحقة والاتهام، إلا أن مركز "النديم" لتأهيل وعلاج ضحايا العنف دأب على توثيق وتسجيل عمليات التعذيب التي تصل إليه أو يصل هو إليها،
وسبق أن أصدر كتابا من نحو ٣٠٠ صفحة عن "يوميات التعذيب في الفترة من يونيو/حزيران ٢٠١٣ إلى مايو/أيار ٢٠١٤".

وكنت قد أشرت يوم ٧ مارس/آذار الماضي إلى أحدث تقرير للمركز وقعت عليه، عالج أرشيف التعذيب خلال فبراير/شباط الماضي، إلى جانب تقرير آخر أصدرته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن المسار الديمقراطي في العام ٢٠١٤ والذي وصفته بأنه "معتم ومتعثر".

وقد لفت نظري في تقرير أرشيف التعذيب عن فبراير/شباط أن مركز النديم وثق ٨٢ حالة خلال الشهر، كان آخرها ما جرى للمحامي الشاب كريم حمدي (٢٣ عاما) الذي قتله التعذيب البشع الذي تعرض له في قسم المطرية بالقاهرة، كما لفت نظري أنه تم توثيق ١٣ حالة تعذيب في قسم شرطة مدينة المنصورة وحده.

وكنت قد تلقيت عدة كتب أصدرتها المجموعة المتحدة التي يشرف عليها الأستاذ نجاد البرعي المحامي، أحدها عنوانه "ضد التعذيب.. خطة وطنية للقضاء على جريمة التعذيب"،
 والثاني عن "المبادرة الوطنية لمناهضة التعذيب ٢٠١٥-٢٠٢٠"،
وهي خطة تنفيذية من إعداد الأستاذ عبد الغفار شكر نائب المجلس القومي لحقوق الإنسان. ومؤخرا تلقيت دراسة عن "التعذيب في مصر" تضمنت قراءة لملفات ضحايا التعذيب، وشملت بعض الملاحظات المهمة.

وقبل أن أعرض لأبرز تلك الملاحظات، ألفت النظر إلى أن التوسع في ممارسة التعذيب حوّله إلى ظاهرة متفشية في السياسة الأمنية، وبالتالي فرضه كموضوع للتحقيق والدراسة من جانب المنظمات الحقوقية.

من الملاحظات التي أبرزتها الدراسة أن التعذيب في السجون وأقسام الشرطة صار قاعدة وليس استثناء، وأنه لم يعد مقصورا على النشطاء السياسيين وحدهم، لأنه تبين أن ٧٦% من حالات التعذيب موضوع الدراسة كانت في اتهامات لا علاقة لها بالأوضاع السياسية،
 بما يعطي انطباعا بأن التعذيب يتم بشكل روتيني ودون سبب واضح، وليس بالضرورة للحصول على اعترافات.

كما بدا أن الضرب هو الوسيلة الأكثر شيوعا، حيث تبين أن ٥٠% من الحالات التي تمت دراستها تعرضت للضرب بمختلف الوسائل.
 كما تبين أن المواطنين البسطاء، الأميين والحرفيين والموسميين والعاطلين عن العمل -الضعفاء والمهمشين بوجه عام- هم الأكثر تعرضا للتعذيب من جانب رجال الشرطة. ونسبة هؤلاء سبعة أضعاف المهنيين وخريجي الجامعات.

ثمة ملاحظات أخرى سجلتها الدراسة، منها إحجام مصر عن التوقيع على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب رغم الدعوات المتكررة التي وجهت إليها بهذا الصدد،

وهي الاتفاقية التي تضع معايير عالمية للحفاظ على إنسانية وكرامة المحتجزين، وتحد من المعاملة القاسية وغير الإنسانية التي يتعرضون لها. كما أنها تنص على وضع معايير ونظام عالمي لزيارات دورية من جانب الهيئات الدولية والمحلية لأماكن الاحتجاز للتثبت من الالتزام بالمعايير المقررة.

من الملاحظات المهمة أن الدراسة أكدت على الحاجة الملحة لإعادة النظر في التشريعات التي تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وهي الدعوة التي لم تلق استجابة من السلطة طول الوقت.

وعلى سبيل المثال فإن المادة ١٢٦ من قانون العقوبات تضيق من نطاق تعريف التعذيب، إذ تعتبره فقط ذلك الذي يتم بهدف الحصول على معلومات أو انتزاع اعترافات، في حين أنه بات يمارس كسلوك عادي يتم لأغراض أخرى كثيرة، فضلا عن أنه بات مستقرا في مصر أن التعذيب يتم للتنكيل بالمعارضين وترويعهم، دون أن يكون لذلك صلة بمسألة الاعترافات.

من ناحية أخرى، فإن المادة ١٢٩ من القانون ذاته تنص على معاقبة من يمارس التعذيب بالحبس سنة أو بغرامة لا تزيد على ٢٠٠ جنيه، وهي عقوبة لا تتناسب على الإطلاق مع خطورة الجريمة التي تنتهك كرامة الإنسان وتهدر حقه.

(3)

التعذيب ليس معزولا عن حزمة الأساليب والإجراءات التي تستخدم لممارسة القمع والتضييق على الحريات العامة.
ولعلي لا أبالغ إذا قلت إنه يمثل أعلى مراتب القمع، لأن مختلف الإجراءات الظالمة التي تتخذ بحق المواطنين قد تبخسهم حقهم أو تقيد حرياتهم أو تؤثر على مصالحهم وأرزاقهم، لكن التعذيب وحده يتجاوز الحط من كرامتهم إلى توقيع عقوبات بدنية تهدر إنسانيتهم وقد تفقدهم حقهم في الحياة، كما حدث في حالات كثيرة ليست بعيدة عن أذهاننا.

في أي مجتمع متحضر يحترم كرامة الناس، يظل أمر التعذيب محسوما من الناحيتين السياسية والثقافية، وغير قابل للمناقشة أو الاجتهاد الذي يسوغه من أي باب.
لذلك فإن تناولنا له لا يخلو من مفارقة، من ناحية لأنه يناقش قضية تجاوزها الزمن وأغلق ملفها في ثقافة العصر،
ومن ناحية أخرى لأن سقف المناقشة يبدو متواضعا ومنخفضا، لأن موضوعها هو:
كيف يمكن تحسين الأوضاع في السجون ومراكز الشرطة؟ وليس لماذا يساق الناس إلى السجون أصلا دون وجه حق؟

من ناحية ثانية، فإننا لا نستطيع أن نفصل بين استباحة كرامات الناس وانتهاك إنسانيتهم وبين استباحة حرياتهم.
ذلك أن الخلاف بينهما هو في الدرجة وليس في النوع، بمعنى أن "الاستباحة" هي القاسم المشترك بينهما، ولكن التعذيب يمارسها بحق كرامة الإنسان وبدنه، في حين تمارسها الإجراءات والقوانين بحق حريته وأمنه الخاص.

وإذا حاولنا التفصيل في هذه النقطة الأخيرة فستبرز أمامنا قائمة طويلة من القوانين والإجراءات المقيدة للحريات التي صدرت خلال العام الأخير، بدءا بإطلاق مدة الحبس الاحتياطي الذي أصبح يستمر لأشهر طويلة وربما سنوات، وانتهاء بقانون الكيانات الإرهابية الذي أصبح سيفا مسلطا على رقاب كل النشاط الأهلي، ومرورا بالتوسع في محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري وبقانون التظاهر وبالتعديلات التي أدخلت على قانون الجامعات لترهيب الأساتذة والطلاب.

الخلاصة أن التعذيب الذي يشكل أعلى مراتب استباحة المواطنين، يكمل الدور الذي تؤديه القوانين المقيدة للحريات العامة،
وذلك كله يعد ترجمة للسياسة الأمنية المتبعة وهي التي تعول على السلطة بأكثر مما تعول على المجتمع، وعلى الإجراءات والقوانين بأكثر مما تعول على التوافقات والحوار.

(4)

إذا أردنا أن نكون أكثر صراحة وإنصافا فلا مفر من الاعتراف بأن مناقشة قضية التعذيب وتجاوزات الداخلية إذا كانت جزءا من تجليات السياسة الأمنية فهي أيضا جزء من السياسة العامة،
أعني أنها بما تمارسه لا تفعل أكثر من أنها تنفذ السياسة العامة،

 لذلك فإن توجيه سهام النقد والاتهام لها دون غيرها يظلمها ويحمّلها بما لا تطيق، وهي التي تتحمل الكثير في أوضاعنا الراهنة، حيث تتراجع أدوار مؤسسات عدة في الدولة، وتطالب أجهزة الداخلية بأن تتصدى من جانبها لما ينبغي أن يقوم به غيرها، خصوصا في المجال السياسي.

صحيح أن الدولة لا تأمر بالتعذيب، لكن بوسعها أن توقفه بقرار سياسي. ومختلف الإجراءات والقرارات القمعية التي تتخذ والقوانين الجائرة التي صدرت ما كان لها أن ترى النور لولا أنها إذا لم تكن تعبر عن إرادة سياسية، فإنها على الأقل تستجيب للهوى السياسي.

ومما لاحظته في الكثير من المعالجات التي تناولت انتهاكات حقوق الإنسان أنها دأبت على مخاطبة وزارة الداخلية والدوائر التي تشارك في مطبخ القوانين، وهي العناوين الغلط في هذه الحالة، لأن الإرادة السياسية هي العنوان الصحيح الذي ينبغي أن يتجه إليه الخطاب.

أدري أن القيادة السياسية لا ينبغي أن تحاسب على كل كبيرة وصغيرة في البلد، لكن السياسات العامة وحقوق وكرامة المواطنين هي من صلب مسؤولياتها التي لا تستطيع التحلل منها.

 وإذا كان الخليفة عمر بن الخطاب قد ذكر أنه إذا عثرت بغلة في سواد العراق فإن الله سيحاسبه عليها،
 فلنا أن نقول أيضا إنه إذا عذب مواطن أو قتل ظلما في أي سجن فإن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيحاسب أمام الله عليه، وتلك شهادة حق لا خير فينا إذا لم نقلها.

................

26 أبريل، 2015

الفلسطينيون والأرمن

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 8 رجب 1436 26 أبريل 2015
الفلسطينيون والأرمن - فهمي هويدي

في الأسبوع الماضي، حين احتفلت «إسرائيل» بالذكرى السابعة والستين لتأسيس الدولة حسب التقويم العبري، كان الإعلام المصرى مشغولا بمناسبة أخرى هي ذكرى مرور مئة عام على مذبحة الأرمن(عام ١٩١٩).

وإذ خرج فلسطينيو ٤٨ المقيمون في داخل «إسرائيل» في مسيرات تذكر الجميع بنكبتهم، فإن الأرمن خرجوا إلى شوارع مختلف العواصم الغربية التي هاجروا إليها، كي يعيدوا إلى الأذهان ذكرى الفظائع التي تعرض لها أسلافهم،

غير أن المظاهرات الفلسطينية لم تلفت الأنظار، في حين أبرزت وسائل الإعلام العربية والغربية مسيرات الأرمن وعروضهم.

وهذا التباين بين النكبتين يفتح الباب للمقارنة بين حظوظ كل من الفلسطينيين والأرمن، التي خلصت منها إلى أن الأرمن برغم الفظائع والبشاعات التي حلت بهم يظلون أفضل حالا بكثير من الفلسطينيين.

صحيح أن اهتمام الإعلام المصري بمئوية مذبحة الأرمن له دوافع أخرى سياسية، فيها من مكايدة الرئيس التركي بأكثر مما فيها من التعاطف مع الأرمن والتضامن مع مظلوميتهم التاريخية، إلا أن ذلك لا يغير كثيرا من جوهر الملاحظة التي أبديتها، وكون نكبتهم أهون من نكبة الفلسطينيين.

دليلي على ذلك شواهد عدة في مقدمتها ما يلي:

<
إن بلاد الأرمن بقيت لأبنائها في نهاية المطاف، ورغم أن ضحايا المذابح تراوح عددهم بين مليون ومليون ونصف المليون، إلا أن وطنهم ظل كما هو، فلم يتم اقتلاعهم من أرضهم ولا جاء شعب آخر لكي يحتل بلادهم، كما هو في الحالة الفلسطينية،
وفي حين ظلت أرمينيا للأرمن، فإن فلسطين محيت من الخريطة والذاكرة، وصادرها لحسابه شعب آخر بقوة السلاح.

<
في حين أن نكبة الأرمن توزعت بين عامى ١٩٠٩ و١٩١٩، وقد طويت صفحتها بعد ذلك، بمعنى أنها كانت كابوسا مروعا حل بهم حينا من الدهر ثم انقشع وأنزوى، فإن نكبة الفلسطينيين مستمرة منذ أربعينيات القرن الماضي. وفصولها لاتزال تتتابع تحت أعيننا منذ ذلك الحين وحتى الوقت الراهن، ولا يكاد يرى أفق لانقشاعه في الأجل المنظور، ولئن توقفت عذابات الأرمن وجفت دماؤهم التي أريقت، فإن عذابات الفلسطينيين لم تتوقف وشلال الدماء لم يتوقف عن النزف والتدفق.

<
الأرمن وجدوا في العالم المسيحي نصيرا لهم في الماضي والحاضر، صحيح أن العالم العربي استهول ما أصابهم، وفتح أبوابه لاستقبال مهاجريهم، وشيخ الأزهر الشيخ عبدالعزيز البشري أصدر بيانا شهيرا في عام ١٩٠٩ أدان ما تعرضوا له، إلا أن العواصم الغربية تبنت قضيتهم طول الوقت.


فأوروبا وروسيا القيصرية وقفتا إلى جانبهم بدوافع دينية في إطار اشتباكهما مع الامبراطورية العثمانية وسعيهما لتمزيقها في طور ضعفها.
والمهاجرون منهم انخرطوا في المجتمعات الأوروبية وصاروا ناشطين سياسيين حملوا قضيتهم إلى مختلف المحافل والمؤسسات الدولية (اللوبي الأرمني في فرنسا والولايات المتحدة له نفوذه القوي)،
وهذا الذي توفر للأرمن لم يتح للفلسطينيين بنفس القدر، بل إن رصيد «القضية» تراجع خلال السنوات الأخيرة في العالم العربي ذاته.

<
حظوظ الأرمن في عالم السياسة الغربية كان لها صداها القوى في الإعلام الغربي. والمقارنة بين كثافة التغطية الإعلامية لمسيرات ومهرجانات الأرمن في أوروبا وبين ندرة الصور التي جرى بثها لمظاهرات فلسطينيي ٤٨ كاشفة لمدى اهتمام وسائل الإعلام الغربية بطرف وعدم اكتراثه بطرف آخر.

<
يلفت النظر في المقارنة أيضا أن المذابح التي تعرض لها الأرمن لم ينكرها أحد، والخلاف ينحصر فقط في توصيفها.
 إذ الشائع أنها «إبادة» ولكن هناك من يعتبرها «جريمة حرب». ولكل طرف أدلته التي يدعم بها رأيه. وقوة الإعلام المساند للأرمن والكاره للدولة العثمانية روجت لمقولة الإبادة.

 أما القائلون بأنها جريمة حرب فلهم أيضا أسانيدهم القوية، التي أهمها ان المذابح لم تقع إلا بعد سقوط الدولة العثمانية والانقلاب الذي قادته جمعية الاتحاد والترقي ضد السلطان عبدالحميد في عام ١٩٠٨(المذبحة الشهيرة وقعت عام ١٩٠٩ والثانية في ١٩١٥)، بما يعني ان الكماليين (كمال أتاتورك وأعوانه) هم المسؤولون عن المذابح وليست الدولة العثمانية.

من تلك الأسانيد أيضا أن الأرمن كانوا ضمن الذين انتفضوا ضد الدولة العثمانية في مرحلة ضعفها جنبا إلى جنب مع البلغار والصرب واليونان وكانت لهم صراعاتهم مع القوميين الأتراك الذين حكموا البلاد بعد تنحية السلطان عبدالحميد،
وفي ثنايا ذلك الصراع جرى ما جرى من تقتيل وترويع على الجانبين.

وفي حين تتوزع الآراء بين أنصار الإبادة والمروجين لفكرة جريمة الحرب، فإن ثمة صمتا مريبا ومثيرا للدهشة يحيط بالنكبة التي حلت بالفلسطينيين، كأنما يراد للجميع أن ينسوا ما جرى لهم، ولا يبقى في الذاكرة إلا ما أصاب غيرهم.

وللأسف فإننا نسهم في تكريس ذلك الانطباع. وما جرى في الأسبوع الماضي يشهد بذلك. حتى خشيت أن أسمع صوتا في الأرض المحتلة يقول:
 لو لم أكن فلسطينيا لوددت أن أكون أرمنيا.
...............................

مشروع عملاق ننشده

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 7 رجب 1436 26 أبريل 2015
مشروع عملاق ننشده - فهمي هويدي

الخبر المؤكد أن ثمة ذعرا في محافظة الشرقية جراء انتشار التسمم الناتج عن شرب المياه.
عدد المصابين بين ٤٠٠ و٥٠٠ نسمة،

 أما السؤال المتعلق بسبب التلوث ومصدره فمن الصعب العثور على إجابة دقيقة عليه.
رغم أن القدر المتفق عليه بين الإجابات التي أوردتها الصحف المصرية أمس أن الجهات الحكومية بريئة مما جرى.
وأن التحليلات التي تمت لعينات المياه أكدت أنها مطابقة للمواصفات وخالية من أي شبهة.

وهي حجة أرجو أن تكون صحيحة. ولا يعيبها سوى أن مصطلح «البراءة» اهتز وفقد رنينه بعد إصرار وزارة الداخلية على براءتها طول الوقت من تهمة التعذيب،
 الأمر الذي أقنعنا بأن هناك براءة «مضروبة» تشهر للتجميل وللتسويق الإعلامي، ولا علاقة لها بما يحدث على أرض الواقع.

التصريحات الرسمية التي تحدثت عن براءة الجهات الحكومية وجهت أصابع الاتهام إلى محطات أهلية غير مرخصة يلجأ إليها الأهالي لتوفير احتياجاتهم من المياه،
واعتبرت أن جراكن المياه التي يشتريها الناس هي مصدر التلوث، وبالتالي فإنها المتهم الأول في جريمة التسمم.
إلا أن الأهالي ردوا على ذلك بأنهم اعتادوا على شراء المياه من تلك المحطات الأهلية ولم تحدث بينهم حالات تسمم مماثلة للتي ظهرت أخيرا.

 في الوقت ذاته فإن كلام المسؤولين يثير نقطتين أساسيتين،
الأولى تتعلق بحرمان الأهالي من مياه الشرب النقية، الأمر الذي يضطرهم إلى شرائها من القطاع الخاص.
 أما النقطة الثانية فتتمثل في سكوت الجهات الرسمية على تزويد المحطات الأهلية للأهالي بمياه الشرب، رغم علمها بأنها غير مرخصة وبالتالي غير خاضعة للقانون ولا لرقابة من أي نوع.

حين استطلعت رأى الخبراء المعنيين بالأمر أثاروا ثلاث نقاط أساسية،

الأولى أن تلوث مياه النيل التي هي المصدر الأول لمياه الشرب في مصر أمر مسلم به ولا يستطيع أحد أن يشكك فيه. خاصة أن النفايات بمختلف أنواعها تلقى في مياه النيل تحت أعين الجميع.

النقطة الثانية أن العاملين في مراكز البحوث بالدلتا يلاحظون أن ثمة زيادة مطردة في الأورام الخبيثة مثل سرطان المثانة وسرطان الكبد، وزيادة مماثلة في فشل الأعضاء (الكلوي والكبدي مثلا) وحتى الآن فإن مياه الشرب هي المرشح الأول كمصدر لهذه السرطانات.

النقطة الثالثة والمهمة أن الثقة في تقارير المعامل المركزية التي تحدد نقاء العينات أو تلوثها ليست متوافرة دائما.
ببساطة لأن المعامل المركزية تتبع وزارات بعينها.
 وفي أغلب الأحوال فإن المعمل يحرص على أن يرضي الجهة الأعلى في الوزارة التي يعمل بها. وإلا فإن بقاء مديره في منصبه يصبح مهددا.

وهذا السلوك ليس مقصورا على المعامل المركزية وحدها، لأنه في ظل الوضع القائم في مصر الآن جرى تسييس مختلف المؤسسات الرقابية والعدلية، بحيث باتت أشد حرصا على مراعاة الأجواء السياسية فيما تصدره من قرارات.

وقد قال لي مدير أحد المراكز العلمية المهمة في الدلتا إنه أخذ عينة من المياه وأرسل بعضها إلى أحد المعامل المركزية وأرسل البعض الآخر إلى معمل ثان،
وكانت النتيجة أنه تلقى تقريرين مختلفين،
 أحدهما ذكر أن العينة سليمة ومطابقة للمواصفات،
والثاني ذكر أن العينة الأخرى غير مطابقة وبها نسبة عالية من المركبات غير الصحية.

النقطة التي لم يختلف عليها أولئك الخبراء أن المعامل المركزية غير خاضعة لأي رقابة مستقلة الأمر الذي يفتح الباب لاحتمال الشك في صدقيتها.
ومما ذكروه في هذا الصدد أن في العالم اليوم مراكز للاعتماد الدولى تتولى التفتيش على المعامل المركزية وامتحان التزامها بالمعايير المقررة من خلال مراقبة أدائها على مدى العام.
والدور الذي تقوم به تلك المراكز يوفر الثقة والاطمئنان إلى ما تصدره المعامل من تقارير.
وليس معروفا في مصر أن المعامل الحكومية خاضعة للتفتيش والمراجعة ونتيجة ذلك أنها تظل تابعة لسلطة الوزير والجهة التي تتبعها. الأمر الذي يفتح الباب للشك في حيادها.

من المصادفات أنه في حين كان القلق مخيما على محافظة الشرقية وعربات الإسعاف تنقل المصابين بالتسمم من مختلف القرى إلى مراكز العلاج، فإن ديوان محافظة الجيزة شهد اجتماعا لمناقشة الموضوع من زاوية أخرى.

 إذ في يوم الخميس ١٥/٤ بحث منتدى محافظات شمال الصعيد مشكلات المنطقة التي احتلت قضية تلوث مياه النيل خبرا بارزا فيها، حيث شكا الخبراء وممثلو تلك المحافظات(المنيا وبني سويف والفيوم والجيزة) من التأثيرات الضارة التي تترتب على تلوث مياه النيل بمحافظة المنيا وبحيرة قارون في الفيوم من جراء اختلاطها بمياه الصرف الصحي والصرف الزراعي.

أهم خلاصة يخرج بها المرء مما سبق أن ثمة مشكلات أساسية في مصر تراكمت عبر السنين، لم تلق ما تستحقه من اهتمام، بعضها يتعلق بأمور حياتية بغيرها لا يهنأ للناس بال، ولا ينتمون إلى العصر.
وقضايا مياه الشرب وشبكات الكهرباء والصرف من بين تلك المشكلات، التي يعاني منها ملايين البشر البعيدين عن الأعين والبعيدين عن القلب أيضا.
والإيجابية الوحيدة للحوادث التي يتعرضون لها سموما كانت أم سيولا وحرائق أنها بمثابة أجراس تدق في فضائنا وتذكرنا بما نسيناه أو تجاهلناه، في غمرة انشدادنا وانشغالنا بطموحات المستقبل ورنين مشروعاته العملاقة.
علما بأنني أزعم أن المشرع العملاق الحقيقي الذي ننشده وينبغي أن تتوجه إليه كل الجهود هي أن يعيش المواطن المصري الفقير حياة كريمة خالية من العَنَت والعذاب.

................

24 أبريل، 2015

انتصار للجهل والكراهية

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 6 رجب 1436 25 أبريل 2015
انتصار للجهل والكراهية - فهمي هويدي

من بين التشوهات التي أصابت وعي البعض في مصر أنهم أصبحوا يحاسبون الفنانين والشعراء والعلماء ونجوم الرياضة على آرائهم السياسية وليس على عطائهم وإبداعهم الذي قدموه.

 يحدث ذلك رغم أن آراءهم السياسية تشكل صفحة واحدة في سجلهم، ولا تقدم أو تؤخر من الناحية العملية، في حين أن عطاءهم يضيف الكثير من المتعة والبهجة والمعرفة إلى حياتنا.

أقول ذلك بمناسبة ما عبرت عنه أصوات بعض عناصر المعارضة من شماتة وتنديد بالشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي الذي توفاه الله يوم الثلاثاء الماضي في ٢١/٤.

استفزتني تلك الشماتة حيث اعتبرتها موقفا طفوليا غير لائق من الناحيتين الأخلاقية والإنسانية، حيث للموت جلاله واحترامه.
 ليس ذلك فحسب، وإنما اعتبرته ظلما كبيرا للرجل، هون من شأنه وأبخسه حقه من وجهة النظر الموضوعية والسياسية والتاريخية،
إذ حين ينسي ويتجاهل ما قدمه الأبنودي من إبداع خلال الأربعين سنة الماضية، ثم يختزل عطاؤه في مواقفه السياسية خلال السنوات الأربع الأخيرة. التي أيدها البعض واستنكرها آخرون، فإن ذلك لا يعد من الانصاف في شيء.

ليس عندي دفاع عن آراء الأبنودي السياسية، لكنني أعتبره زعيما لا يشق له غبار في الشعر الشعبي، فإنني أصنفه في الصف الأول من نجوم ذلك الفن الجميل، جنبا إلى جنب مع بيرم التونسي وصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم وسيد حجاب وفؤاد حداد وأمثالهم من أصحاب القامات الشعرية الرفيعة.

وطالما أنهم لم يقدموا أنفسهم كنشطاء سياسيين، وطالما أنهم لم ينحازوا إلى عدو للوطن، ولم يتاجروا بفنهم ولم يوظفوه لأجل النفاق والانتهازية الرخيصة، فكل خلاف معهم بعد ذلك يهون، ويتعين احترامه واحتماله.
 وفي كل الأحوال فطالما ان الشاعر أو الفنان يعبر عن اقتناعه الشخصي، اتفقنا معه أو اختلفنا فلا تثريب عليه ولا لوم.

هذا الذي أدعو إليه ليس اختراعا جديدا، وإنما هو من سمات المجتمعات المتحضرة والسياسات الرشيدة التي تغتني بالتنوع والاختلاف.

ما حدث مع الأبنودي الذي نسي البعض إبداعه وتذكروا فقط تأييده للرئيس السيسي تكرر مع أحمد فؤاد نجم الذي عبر هؤلاء عن شماتتهم في وفاته بسبب اختلافهم السياسي معه،

وليس ذلك استثناء للأسف الشديد لأن ذلك السلوك تحول إلى ظاهرة أدت إلى التضييق على بعض المبدعين بسبب الاختلاف مع آرائهم السياسية (السيناريست بلال فضل مثلا) وإلى تشويه صورة عدد غير قليل من المثقفين النادرين (طارق البشري مثلا) ناهيك عن عدد من العلماء من عمداء وأساتذة الجامعات إلى جانب عدد آخر من كبار القضاة الذين تم اقصاؤهم واضطهادهم بسبب شبهة الاختلاف مع آرائهم السياسية، ودون أي اعتبار لعطائهم وقيمتهم العلمية والأخلاقية.

الظاهرة تحتاج إلى تحليل، في هذا الصدد فإنني أزعم أن وراءها عاملين أساسيين،

 الأول هو: غياب ثقافة احترام الآخر والقبول بالاختلاف
، والثاني يتمثل في المدى الذي ذهب إليه الاستقطاب في مصر،

ذلك أننا ما زلنا ننظر بتوجس وامتعاض إلى أصحاب الرأي المغاير والمخالف، ونعتبر أن موقفهم ذاك راجح إلى الجحود والعداء الشخصي، وذلك أمر شائع ومفهوم في المجتمعات غير الديمقراطية. تلك التي تعودت على الرأي الواحد، وغدا الاختلاف فيها من المنكرات المذمومة.

لذلك فإن الآخر المختلف ينظر إليه لا بحسبانه صاحب وجهة نظر أخري يمكن ان تكون مصدرا للإغناء أو التصويب أو التجويد ولكن باعتباره عدوا يجب إسكاته بقمعه والخلاص منه.

وكما ان الصوفية التي تقوم على انقياد المريد للشيخ يعتبرون أن «من اعترض انطرد»، فإن المجتمعات غير الديمقراطية تطبق نفس الفكرة إذ يظل القبول والانصياع هو المطلوب من المواطن «الصالح» الذي يراد له ان يصبح «مريدا» للسلطة وليس مواطنا له حق الاختلاف والاتفاق.

إذا أضيف الاستقطاب الذي يقسم المجتمع إلى غياب ثقافة الاختلاف، فإن الأمر يصبح أكثر حدة وتعقيدا، وللأسف فإن ذلك هو الحاصل في مصر.
ذلك ان الاستقطاب حين غذَّاه ضيق صدر السلطة وأججه الإعلام بغلوه وجموحه، فإنه أسهم بدور لا ينكر في تشويه المدارك والضمائر. وهو ما سحب الكثير من توازن البعض ومن إنسانية البعض الآخر.

ومما يؤسف له ان تلك التشوهات أصابت عددا من المثقفين الذين أبدوا استعدادا مذهلا للتراجع عن أفكار ومبادئ طالما بشروا بها ودافعوا عنها لأجل تصفية حساباتهم مع مخالفيهم، وكانت النتيجة انهم اصطفوا إلى الجانب المعارض للحريات والداعي إلى القمع وممارسة مختلف الانتهاكات التي تستبيح المخالفين وتسعي لاستئصالهم.

سواء صح ذلك التحليل أم لم يصح فإن الشماتة في وفاة المبدعين أيا كان اتجاههم وموقفهم الفكري يعد انتصارا للجهل ولثقافة الكراهية، ناهيك عن أنها من تجليات الغباء السياسي، الذي يفضح أصحابه ويسحب من رصيد الثقة فيهم.
........................

Delete this element to display blogger navbar