Subscribe:

Ads 468x60px

31 مارس، 2015

رفع الالتباس عما حل باليمن من انتكاس – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيره الفضائيه الثلاثاء 11 جمادى الآخر 1436 31 مارس 2015
رفع الالتباس عما حل باليمن من انتكاس – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

ما حدث في اليمن يقلقنا ويصدمنا. بأكثر مما يطمئننا ويفرحنا، لأن "حرب الضرورة" التي وقعت عالجت وضعا سيئا بما هو أنكى وأسوأ.

(1)

نحن بإزاء حالة فريدة في التاريخ العربي المعاصر، اختلطت فيها الأوراق واختلت الأولويات بحيث صرنا بإزاء فتنة تجعل الحليم حيرانا.

وفى قراءة ما حدث ومحاولة تحليله فإنني أرجو أولا أن نتفق على بعض النقاط الأساسية التي أزعم أنها ينبغي أن تظل حاضرة في الخلفية، كي تساعدنا على تصويب الرؤية ووضع الأمور في إطارها الصحيح قبل الدخول في أية تفاصيل، هذه النقاط هي:

-
إن الدم العربي خط أحمر ينبغي ألا يسيل بسلاح عربي تحت أي ظرف.
ووظيفة الجيوش العربية أن تدافع عن الأمة العربية ضد أعدائها، وليس الدفاع عن الأنظمة العربية ضد أبنائها.

-
إن العدو الإستراتيجي الأول للأمة العربية والتهديد الحقيقي لأمنها له مصدر واحد هو إسرائيل ومن يوالونها. وما دون ذلك يظل خلافات وليس عداوات.

- إن أمن الشرق الأوسط واستقراره مرهون بالتوافق بين ثلاث دول إقليمية كبرى تمثل أكبر ثقل سكاني في المنطقة، وهذه الدول هي مصر وتركيا وإيران.
وفى أي نظر إستراتيجي سليم فإن الجسور بين هذه الدول الثلاث ينبغي أن تظل مفتوحة وقوية قدر الإمكان.

-
إن الاختلاف مع السياسة الإيرانية أو حتى الاشتباك معها لا ينبغي له أن ينسحب على العلاقة مع اتباع المذهب الشيعي، ومن ثم يتعين الفصل بين حسابات العلاقات والمصالح السياسية للدول وبين أواصر العلاقات المذهبية بين مكوناتها.

-
إن وصف الاستنفار الحاصل في العالم العربي الآن بأنه تفعيل لمعاهدة الدفاع العربي المشترك فيه من التغليط الكثير.
 حتى أزعم أن الاحتشاد الراهن مقطوع الصلة بالمعاهدة التي أبرمت من ١٣ مادة في عام ١٩٥٠ (في أعقاب حرب فلسطين عام ١٩٤٨)،

ذلك أنها نصت على تشكيل لجنة عسكرية دائمة من ممثلي هيئة أركان حرب الجيوش العربية لتنظيم خطط الدفاع المشترك (المادة الخامسة)
كما نصت في مادتها السادسة على تشكيل مجلس للدفاع المشترك من وزراء الخارجية والدفاع في الدول الموقعة. وذلك كله لا وجود له الآن.

(2)

على أرض الواقع أسهمت عوامل عدة في إيصال اليمن إلى ما وصل إليه.
وقد حاولت رصد تلك العوامل خلال مناقشات وحوارات أجريتها خلال الأيام الماضية مع من أعرف من الرموز اليمنية، هم السادة:
 محسن العيني وعبد الكريم الإرياني من رؤساء الحكومات اليمنية السابقين
واللواء حمود بيدر من مناضلي ثورة ٢٦ سبتمبر وعضو مجلس الشورى
والسفير المخضرم علي محسن الحميد والدكتور مطهر السعيدي الأستاذ الجامعي وعضو مجلس الشورى،

خلال المناقشات برزت أربعة عوامل صنعت الأزمة الكارثية، هي:

-
لم يكن هناك خلاف على أن أخطر الأدوار قام بها الرئيس السابق على عبد الله صالح.
ذلك أنه خلال ٣٣ عاما قضاها في السلطة فإنه عمد إلى تأييدها لصالحه وأهم ما قام به في هذا الصدد أنه أخضع الجيش بكافة أفرعه لأفراد عائلته -أشقائه وأبنائهم-
كما اشترى ولاء أكبر عدد من الضباط والجنود حين جعلهم من أبناء قبيلته (سنحان). 

وفى النهاية فإنه لم يعد جيش الجمهورية اليمنية بقدر ما أصبح في حقيقة الأمر جيش على عبد الله صالح وعائلته. وبذلك ضمن إلى جانبه أكبر قوة مسلحة في البلد.
وتلك كانت واحدة من أكبر مشكلات الرئيس عبد ربه منصور هادى الذى كان نائبه وتولى السلطة من بعده، حيث فوجئ بأن لا سلطان له على الجيش.

الإصرار على تمسكه بالسلطة كان واضحا طول الوقت. إذ طرق لأجل ذلك كل باب.
حتى إن صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية نشرت تقريرا مثيرا أمس الأول (٢٩/٣) عن أزمة اليمن ذكرت فيه أنه في الوقت الذى فتح فيه صالح أبواب بلاده وفضاءها للطائرات الأميركية لاصطياد عناصر تنظيم القاعدة، فإنه عقد اجتماعا في مكتبه بصنعاء مع أمير تنظيم القاعدة سامى ديان عام ٢٠١١ (حين كانت الثورة ضده في أوجها). ووعده بسحب قوات الجيش من محافظة أبين لتسهيل دخول "القاعدة" إلى عدن وتوسيع نطاقها في الجنوب.. وقد تمت الصفقة بالفعل.
وذكرت التلغراف أن هذه المعلومة وردت في تقرير إلى مجلس الأمن أعدته مجموعة من الخبراء المختصين.

اللافت للنظر أن الرجل حين تفاقمت الأوضاع في اليمن وفرضت عليه المبادرة الخليجية تسليم السلطة إلى نائبه، فإنه فاز بضمانتين مكنتاه من الاستمرار في مخططه،
 إذ ضمنت له المبادرة البقاء في صنعاء وسط أعوانه وعشيرته وقبيلته.
 وأهم من كل ذلك أنه بقي إلى جانب جيشه الذي أعده وأبقاه تحت نفوذه.

الضمانة الثانية أنه تم تحصينه ضد المساءلة. الأمر الذي ضمن له الاحتفاظ بكل ما نهبه من أموال، إلى جانب احتفاظه بنفوذه.
وبهاتين الضمانتين ظل الرجل مصدر قوة تزايدت في صنعاء بمضي الوقت.

من المفارقات أن علي عبد الله صالح الذي حارب الحوثيين بالسلاح طوال ست سنوات (من ٢٠٠٤ إلى ٢٠١٠)، لم يتردد في التحالف معهم وتشجيعهم على الزحف على صنعاء والخروج من صعدة.

ولدى المسؤولين اليمنيين أدلة وقرائن عدة على أنه سهل لهم الاستيلاء على عمران قبل صنعاء وأن رجاله هم من سلموا أهم معسكرات ومواقع العاصمة لإحكام سيطرتهم عليها في ٢١ سبتمبر/أيلول عام ٢٠١٣.

في رأى المسؤولين الذين ناقشتهم أن الحوثيين تحالفوا مع علي صالح لدخول صنعاء وأنه هو من شجعهم على الاتجاه إلى الجنوب ومحاولة الاستيلاء على عدن.
وكانت "قواته" في طليعة الوحدات التي أسهمت في تلك الحملة.

الشاهد أن الرجل قاتل الحوثيين ثم تحالف معهم.
وفى حين أن المملكة السعودية احتضنته طول الوقت وقامت برعايته وعلاجه بعد محاولة اغتياله، إلا أنه اصطف إلى جانب الحوثيين المعادين للسعودية، حين تصور أن ذلك يفتح الطريق أمامه للعودة إلى السلطة.
 إلا أنه حين أدرك أن المملكة بصدد توجيه ضربة عسكرية للحوثيين فإنه أوفد ابنه إلى الرياض حاملا رسالة طلب فيها بعض الضمانات لشخصه وعرض تجهيز مائة ألف شخص لضرب الحوثيين، وهى الصفقة التي رفضتها المملكة وفضحتها حين عرضت قناة العربية تفاصيلها مدعومة بالصور في تقرير بثته يوم ٢٨ مارس/آذار الحالي.

(3)

- الحوثيون هم العنصر الثاني في الأزمة.
وقد عرفهم الدكتور عبد الكريم الإرياني بأنهم "حركة سياسية غير مدنية لها وسائلها العسكرية التي سعوا من خلالها إلى تحقيق أهداف غير معلومة وغير محدودة".

وفي تشخيص وضعهم فإنهم بدؤوا مظلومين وانتهوا ظالمين.
إذ عانوا طويلا من التهميش والإقصاء والاضطهاد، خصوصا في عهد الرئيس السابق على عبد الله صالح،
 لكنهم حين انتفضوا وقرروا الخروج من صعدة والاستيلاء على صنعاء أسفروا عن وجه طموح لم يكن في الحسبان. 

فرغم أنهم نجحوا في إثبات حضورهم واكتساب شرعيتهم السياسية وصاروا شركاء في السلطة، فإنهم لم يقتنعوا بذلك، ولم يكتفوا بالشراكة لأن شهيتهم انفتحت للسيطرة على السلطة، ولم يقاوموا غواية السيطرة على عدن في الجنوب،

 وفى رحلتهم فإنهم نقضوا ما تعهدوا به، ورفضوا الحوار السياسي.
ومن ثم فإنهم أغلقوا أبواب التفاهم وآثروا أن يخضعوا الجنوب بمليشياتهم وقوات حليفهم الرئيس السابق.
وتحدثوا عن مسيرتهم "القرآنية" التي لم يعرف لها هدف، وإن صرحوا أحيانا بأن تحرير القدس وفلسطين هدف لهم، يمر "بتحرير" عدة عواصم ومعاقل عربية مكة والمدينة على رأسها.

-
إيران تتحمل المسؤولية في المقام الثالث،
 ذلك أنها كانت حاضرة في كل مراحل التفاوض مع الحوثيين.

وللدكتور عبد الكريم الإرياني الذي كان أحد أهم مفاوضيهم خلال الأشهر الماضية عديد من القصص والقرائن التي تؤيد المدى الذي ذهب إليه الدور الإيراني في ترتيب الوضع المستجد،

وما عاد سرا أن مبعوثا عمانيا ظل يقوم بتلك المهمة طول الوقت، حيث كان يتحرك باسم سلطان عمان واتصاله مباشرة مع الرئيس عبد ربه منصور هادي. 

صحيح أن إيران كانت تبدي رأيها وتفصح وتدعو إلى الحلول السياسية ثم تترك القرار للحوثيين، لكنها أيضا كانت تستقبل الوفود وتمول وتدرب عناصرها سواء من خلال انخراطهم في الحرس الثوري أو من خلال إلحاقهم بمعسكرات حزب الله في لبنان. 

ورغم أن السفير والقائم بالأعمال الإيرانى كانا دائمي التردد على صعدة وعدن، فإنهما لم ينجحا في نقل صورة صحيحة للواقع اليمني بتعقيداته المختلفة، وكانت النتيجة أن طهران أخطأت في تقدير الوضع في اليمن، وتصورته مماثلا لإيران أو لبنان.

وبسبب سوء تقديرها اندفع الحوثيون نحو بسط سلطانهم على الجنوب والشمال، وهددوا السعودية بإقامة مناورات عسكرية قرب حدودها.
وحسب ذلك في النهاية على تشجيع إيران أو سكوتها.

- العامل الرابع تمثل في ضعف أداء الرئيس عبد ربه منصور.
ذلك أنه بعد انتخابه رئيسا كان يعلم أن علي صالح سيطر على القوات المسلحة برجاله، وكان بوسعه أن يستفيد من الزخم الشعبي ويصدر قراراته بتغيير هذا الوضع، لكنه لم يتخذ تلك الخطوة في حينها،

وحين حاول معالجة الموقف بعد ذلك فإن إعادة الهيكلة التي أقدم عليها كانت رمزية ولم تغير شيئا من الواقع،
وبلغ من ضعفه أنه حين أصدر تعليماته إلى وزير الدفاع لإرسال قواته إلى عمران للدفاع عنها وصد هجوم الحوثيين، فإن الرجل رفض تنفيذ أمره مما أدى إلى سقوط المحافظة. 

ثم إن هناك لغطا كثيرا حول شيوع الفساد في مؤسسة الرئاسة وكان لذلك أثره السلبى خصوصا حين تردد اسم ابن الرئيس (جلال) في هذا السياق، وهو الذى كان يداوم في مقر الرئيس دون أن يكون له وظيفة أو مسؤولية.

(4)

بعد استعراض تلك الخلفيات سألت:
هل أصبحت "عاصفة الحزم" ضرورة لا بديل عنها؟ 
حينئذ جاء الرد أن ذلك صحيح للأسف.

 ذلك أن الحوثيين أغلقوا باب الحوار رغم المكاسب السياسية التي حققوها وأيدهم في ذلك الرئيس السابق، فضلا عن أن الحوار بدا مشكوكا في جديته وجدواه بعدما نقضوا ما سبق أن اتفقوا عليه، كما استخدم الاتفاق حيلة للتمكين والهيمنة. 

آية ذلك مثلا أنهم بعد مفاوضات شاقة قبلوا في ٢٠ سبتمبر/أيلول الماضي برفع الحصار عن اثنين من المعسكرات المهمة في صنعاء، لكى يقوموا في اليوم التالي مباشرة (٢١ سبتمبر) بالاستيلاء على المدينة كلها،
 ليس ذلك فحسب وإنما وجهوا بممارساتهم أكثر من رسالة تهديد لأمن السعودية، وكانت المناورات التي أجروها قرب حدودهم واحدة منها. 

بسبب من ذلك فإنهم حين ذهبوا إلى أبعد وسعوا لاجتياح الجنوب واحتلال عدن والاقتراب من باب المندب فإن العدوان صار سافرا، ولم يكن هناك خيار آخر، فصارت المواجهة العسكرية أمرا لا بديل عنه.

وبعد فوات الأوان، حين بدأت تلك المواجهة فإنهم عادوا يتحدثون عن الحوار والحل السياسي، الأمر الذى لا بد أن يحدث في نهاية المطاف ولكن في ظل ظروف وضمانات أخرى.

...........................

30 مارس، 2015

انقلابنا الاستراتيجي

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 10 جمادى الآخر 1436 30 مارس 2015
انقلابنا الاستراتيجي - فهمي هويدي

هذه قصة أستهل بها حديثا عما جرى في اليمن بعد انطلاق «عاصفة الحزم».
واعترف بأنني تعمدت تجنب الخوض في الموضوع خلال اليومين الماضيين لأنني لم أكن قادرا على استيعاب المشهد.
ذلك ان الدهشة التي أصابتني أعجزتني عن تصديق ما جرى ويجري في فضائنا السياسي والإعلامي. حتى صرت أضرب كفا بكف طول الوقت وأتساءل: حلم هذا أم علم؟!

القصة نشرتها جريدة «التحرير» المصرية يوم ٢٧ مارس الحالي، قبل يوم واحد من انعقاد القمة العربية في شرم الشيخ وخلاصتها كالتالي:
 كان يوم الأربعاء ٢٥/٣ موعد مناقشة رسالة ماجستير في كلية الإعلام موضوعها «الدبلوماسية الشعبية لإسرائيل».
واعتمدت صاحبة الرسالة آلاء فهمي في بحثها على تحليل منشورات المسؤولين الإسرائيليين عبر شبكة التواصل الاجتماعي (فيسبوك).
 وهو نوع من الدراسات التي تعمد إلى تحليل الخطاب السياسي الإسرائيلي لكشف ما فيه من عدوانية وزيف،
وكان تركيز الباحثة على فضح الأساليب التي يتبعها الساسة الإسرائيليون لتمجيد الذات وتشويه الآخر، الذي هو في هذه الحالة الفلسطينيون والعرب أجمعون.

لأن الرسالة لم تكن متعاطفة أو متصالحة مع إسرائيل، فقد اعتبرتها عميدة كلية الإعلام بمثابة سباحة ضد التيار السائد في الأجواء المصرية الراهنة.
 ولأن الحس الأمني والتماهي مع الوضع السياسي أصبح يحتل موقعا متقدما في الجامعات وأغلب القيادات الأكاديمية، فإن عميدة الكلية اعترضت على مضمون رسالة الماجستير، ورفضت انعقاد حلقة المناقشة في الموعد المحدد.

وطبقا لما ذكرته الجريدة فإنها اعتبرت ان الموضوع مرتبط بالأمن القومي، وانه كان ينبغي إخطار الجهات المعنية (الأمنية) بالأمر قبل موعد المناقشة!

أمام هذه الحجة الساذجة والمضحكة فإن الأمر احتاج إلى تدخل من جانب رئيس جامعة القاهرة وبعض الأساتذة لإقناعها بأن الاعتراض لا محل له، وان البحث لا علاقة له بالأمن القومي المصري.
 وكان الحل الوسط الذي تم التوصل إليه هو ان تجري المناقشة في موعدها، شريطة إخلاء القاعة من الطلاب مع قيام أمن الجامعة بفرض طوق أمني حول قاعة المناقشة، (كما هو الحال في مباريات دوري كرة القدم).

لكي لا تثار أي «شبهة» حول موقف عميدة الكلية من فضح الخطاب السياسي الإسرائيلي، فإنها لم تحضر المناقشة،
وكان موقف الأساتذة الذين أداروها أفضل كثيرا، لأنهم ثمَّنوا رسالة الماجستير وأعطوا الباحثة الدرجة بعدما قدروا جهدها الذي استحق مرتبة الشرف الأولى.

إذا صحت القصة التي نشرتها جريدة «التحرير» فإنها تعد شهادة كاشفة عن المدى الذي بلغه التغير في المزاج العام لبعض عناصر النخبة المثقفة المصرية (والعربية أيضا) إزاء الملف الإسرائيلي والقضية الفلسطينية بالتالي، وهو أمر ليس مفاجئا تماما، لأن التغير في المزاج العام ليس مقصورا على النخب المثقفة، وانما بدأ في محيط النخب السياسية وأبواقها الإعلامية التي ما برحت تشوه الإدراك العام في المحيط العربي.

وكان طبيعيا أن ينتهي ذلك بإحداث انقلاب في الرؤية الاستراتيجية التي حولت «القضية المركزية» الأولى في العالم العربي إلى القضية الأخيرة حينا. وإلى مجرد صراع فلسطيني ــ إسرائيلي حينا آخر.

وفي ظل هذا المنظور فإن العدو الاستراتيجي الأول للعرب لم يعد إسرائيل أو الصهيونية، وإنما صار إيران والشيعة.
والأزمة التي حدثت في كلية إعلام جامعة القاهرة من إفرازات وأصداء ذلك الانقلاب التي باتت تتردد بجرأة صادمة في بعض المنابر الإعلامية المصرية.

قمة شرم الشيخ وفكرة تشكيل القوة العسكرية العربية المشتركة شاهد «ملك» على ما أدعيه، ذلك أننا لم نشهد استنفارا عربيا مماثلا لمواجهة سلسلة الجرائم والاجتياحات التي قامت بها إسرائيل بحق الفلسطينيين طوال العقود الماضية، لكننا وجدنا أن الأمر اختلف تماما في اليمن.
إذ ظهرت النخوة وتسارعت خطى الاستنفار وتشكل تحالف الدفاع عن الشرعية، وتمت تعبئة الأمة العربية بحكامها وشعوبها لكي تبادر إلى التصدي للتمدد الإيراني في الجزيرة العربية.

صحيح أن القضية الفلسطينية ذكرت في كلمات الزعماء العرب التي ألقيت في الجلسة الافتتاحية لقمة شرم الشيخ، لكن أغلب الإشارات كانت من قبيل رفع العتب وبعضها ورد في ذيل التحديات التي تواجه الأمة.

لست أبرئ إيران من الإسهام في تدهور الأوضاع في اليمن، لأنني أزعم أنها ارتكبت أخطاء جسيمة أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. وهو ما أشرت إليه أكثر من مرة منذ استولى الحوثيون على صنعاء في ٢١ سبتمبر الماضي، وكررت استخدام مصطلح أن الإيرانيين ضمن الذين «يتمددون في فراغنا» (أحدث ما نشر لي في هذا الصدد كان في ١٩ مارس الحالي تحت نفس العنوان)
إلا أن انتقاد إيران في موقفها من الحوثيين واليمن لا ينبغي أن يكون ذريعة لإحداث انقلاب في الرؤية الاستراتيجية بحيث نغض الطرف عن التهديد الذي تمثله إسرائيل لمجمل الأمن القومي العربي، وننصب إيران بدلا منها عدوا استراتيجيا للأمة.

 ذلك أن الإيرانيين إذا كانوا مخطئين فالإسرائيليون مجرمون. وحساب الأولين وعتابهم واجب وخصام وردع الآخرين أوجب.

غدا بإن الله نتحدث عن التباسات عاصفة الحزم.

...................

29 مارس، 2015

مذبحة جديدة للقضاة

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 9 جمادى الآخر 1436 29 مارس 2015
مذبحة جديدة للقضاة - فهمي هويدي

مذبحة القضاة عادت تطل علينا في عناوين الصحف المصرية بوجه مختلف.
 فالمصطلح موصول بخبرة اشتباك القضاة مع السلطة، لكنه هذه المرة يلاحق معركة القضاة مع القضاة.
فخلال الأيام الأخيرة قرأنا عن إحالة المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس استئناف القاهرة ورئيس نادي القضاة السابق إلى الصلاحية لتأديبه وعزله.

وأمس نشر أن النائب العام تلقى توصية بتحريك الدعوى الجنائية ضده باعتباره أحد المتهمين في اقتحام مقر جهاز أمن الدولة أثناء ثورة يناير عام ٢٠١١.
وهذه الخطوة من توابع المذبحة التي وقعت قبل أيام قليلة (في ١٤ آذار-مارس)، حين قررت لجنة الصلاحية والتأديب بوزارة العدل عزل أربعين من أفضل وأنزه قضاة مصر من وظائفهم، بعد أن نسب إليهم الاشتغال بالسياسة وتأييد الإخوان،
وعقب محاكمة صورية من أغرب ما شهدته ساحات القضاء، حتى عدت سابقة لا مثيل لها في تاريخ القضاء المصري.

لا مبرر للاستباق فيما خص مصير قضية المستشار زكريا عبدالعزيز، لكن الصورة ستكون أوضح إذا ما تعرفنا على موقف القضاة الذين تم عزلهم (عدد ٤١ وهناك ٢٥ آخرون تمت تبرئتهم).

 ذلك أن الملاحظة الأساسية على أولئك القضاة أنهم جميعا كانوا ممن وقعوا على بيان تأييد الثورة الذي صدر في ٣١ يناير عام ٢٠١١.
وبعض هؤلاء ممن شاركوا في أحداث ٢٠٠٥ التي قادها القضاة تضامنا مع زملائهم الذين فصلوا جراء اعتراضهم على تزوير الانتخابات فيما وصف آنذاك بأنه «مذبحة» ومنهم من أعلن اعتصامه لأجل ذلك.
 أما البعض الآخر فهم ممن تحملوا مسؤوليات بحكم اختصاصهم أثناء حكم الدكتور محمد مرسي.

مما له دلالته في هذا الصدد أن حكم العزل انتقى كل قاضٍ كان له دور في التضامن مع المفصولين جراء احتجاجهم على تزوير الانتخابات، الأمر الذي تفوح منه رائحة الإصرار على معاقبة الذين قاوموا التزوير قبل الثورة.

من هؤلاء ستة من أعضاء مجلس إدارة نادي القضاة آنذاك هم:
 وكيل النادي المستشار محمد ناجي دربالة
 والمتحدث الإعلامي المستشار أحمد محمد صابر،
والمستشارون: أسامة ربيع وأمير السيد عوض وضياء حسنين وحمدي وفيق زين العابدين.

كما انتقى الحكم ثمانية قضاة ممن شاركوا في اعتصام عام ٢٠٠٥، هم المستشارون:
 مصطفي أنور أبوزيد ــ إسلام محمد سامي علم الدين
 ــ محمد عزمي الطنبولي ــ هاني صلاح عبدالواحد
 ــ محمد أنور متولى ــ عمرو شهير ربيع
 ــ محمد وفيق زين العابدين ــ محمد أحمد سليمان.

حرص الحكم أيضا على عزل كل من تولى مسؤولية أثناء حكم الدكتور مرسي.
وهم المستشارون الستة التالية أسماؤهم: محمد ناجي دربالة عضو الجمعية التأسيسية لوضع دستور ٢٠١٢
ــ محمود محيي الدين مساعد وزير العدل لشئون التفتيش القضائي
 ــ مصطفي أنور أبوزيد نائب وزير العدل للكسب غير المشروع
 ــ أحمد سليمان وزير العدل السابق
 ــ حسن ياسين حسن سليمان النائب العام السابق
 ــ محمد عزمي الطنبولي أمين عام لجنة الاستفتاء على دستور ٢٠١٢.

الحلقات التي سبقت صدور قرارات العزل لا توحي بالاطمئنان، وتثير عديدا من التساؤلات حول الدوافع التي حركت المحقق ووزير العدل ومجلس التأديب بل ورئاسة نادي القضاة.

ذلك ان الشكوى الأصلية ضد أولئك القضاة قدمها النادي، وبعد ساعتين من تقديمها فصل كل القضاة الذين وجه إليهم الاتهام من عضوية النادي.
وبعد ٤٨ ساعة تم انتداب قاضي التحقيق معهم.
أما محاكمة ٦٥ قاضيا فقد تمت في خمس جلسات بواقع ٥ ساعات،

وخلال المحاكمة رفض القاضي إثبات الطلبات، كما رفض استدعاء ضابط الأمن الوطني الذي يفترض أنه أعد التقرير الذي تم الاستناد إليه في اتهامهم، بدعوى أنه مسافر للخارج،

ورغم أن القضاة لم يقدم أي منهم دفاعا أو مذكرة، فإن الحكم صدر استنادا إلى التحريات المطعون عليها بالتزوير. وتم ذلك في غيبة الخصوم وفي جلسة سرية لم يحدد موعد انعقادها. إلى غير ذلك من الشواهد والقرائن المقلقة التي تبطل الحكم.
وهي الملابسات التي دعت المستشار أحمد مكي وزير العدل الأسبق إلى القول بأن القضاء أصبح يهدد منظومة العدل في مصر.
وهو ذات المعنى الذي عبر عنه المستشار أحمد سليمان الذي كان قد شغل بدوره منصب وزير العدل حين قال إن القضاء بهذه الصورة أصبح غير جدير بالثقة. وهو أمر له أثره السلبي الخطير على المستقبل.

لم يقف الأمر ضد حد العزل، ولكنه تجاوزه إلى التنكيل بنحو ١٨ قاضيا منهم لم يبلغوا مرحلة استحقاق المعاش، فحرموا استحقاقاتهم المالية، كما حرموا من الرعاية الصحية، فضلا عن أنهم منعوا من السفر إلى الخارج. في حين أن هناك شكوكا في قبول تسجيلهم بنقابة المحامين، حين قيل بأن ثمة توجيهات تمنع ذلك.

إن هناك سيلا من الأسئلة يطرحها المشهد. بعضها يتعلق بالدوافع التي تتراوح بين الكيد والانتقام وبين حسابات المصالح في انتخابات نادي القضاة.

 ثمة أسئلة أخرى تتعلق بمصير هؤلاء الذين سدت الأبواب في وجوههم وجرى التنكيل بهم إلى حد محاربتهم في أرزاقهم.
 ثم هناك أسئلة تخص دور السياسة في كل ما جرى والموقف من ثورة يناير ٢٠١١، ومصير منظومة العدل في ظل هذه الظروف.

 لست أملك إجابة عن تلك الأسئلة، لأن غيري هو المكلف بالإجابة، إلا أن ما أعرفه أن أمرا بهذه الخطورة لا ينبغي أن يعالج بالصمت، ولا ينبغى أن يترك لكي تحسمه حسابات الكيد والانتقام والإرهاب المستتر.

............................

28 مارس، 2015

رجولة هذه السيدة

صحيفة السبيل الأردنيه  السبت 8 جمادى الآخر 1436 – 28 مارس 2015
رجولة هذه السيدة - فهمي هويدي

أرشح هذه المرأة لأن تكون سيدة العام في مصر.
 صحيح أنه تم تكريمها في مناسبة عيد الأم باعتبارها واحدة من الأمهات المثاليات، وذلك شيء جيد لا ريب، إلا أنني أزعم بأنها تستحق مكافأة أكبر وتقديرا من نوع خاص.

 ذلك أنها لم تكن أما مثالية فحسب، ولكنها قدمت نموذجا نادرا ومدهشا في التضخية والكفاح، يتجاوز بكثير أي حدود يمكن تخيلها من امرأة وأم بل من أي إنسان عادي في زماننا.

ورغم أننا لا نعرف تفصيلات رحلة حياتها فإن القدر الذي تناقلته وسائل الإعلام المصرية عن قصتها مبهر إلى حد يصعب تصديقه، كما يصعب تكراره.

هي صيصة أبو دوح البالغة من العمر ٦٥ عاما، أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتعيش في محيط محافظة الأقصر بأقصى صعيد مصر. مات عنها زوجها وهي حامل في شهرها السادس.

أشقاؤها لم يكن بمقدورهم أن يساعدوها ولم يحتملوها بسبب الفقر.
وحين وجدوا أنها أصبحت عالة عليهم حاولوا تزويجها لكي يتخففوا من عبئها. لكنها رفضت أن تعاشر رجلا غير زوجها الذي مات،
وكانت حجتها في ذلك أن المرأة «الأصيلة» لا تتزوج بعد وفاة زوجها.

هي الفقيرة الأمية نسيت عوزها ولم تبال بغموض مستقبلها، وتصرفت كصعيدية مسكونة بالأنفة والكبرياء ومتمسكة بتقاليد بنات الأصول في محيطها.
من ثم فإنها قررت وهي بنت العشرين عاما أن تواصل مسيرتها وتخوض غمار الحياة وحدها، وان تدافع عن وليدها وحدها.
 شجعها على ذلك أنها أنجبت بنتا (سمتها هدى)، الأمر الذي ضاعف من إصرارها على رعايتها وحمايتها حتى ترى فيها حلما لم تحققه لنفسها.

كان متعذرا على الأرملة الشابة أن تشق طريقها في الحياة وحيدة، في مجتمع يعتبر الرجل سيدا يسعى وراء الرزق والمرأة عورة مكانها في البيت
 وإذ وجدت أنها لكي تعيش وتربي ابنتها فلابد أن تعمل، وأدركت أن باب الرزق الشريف موصد أمامها لأن سوق العمل مقصور على الرجال، فإنها قررت أن تصبح رجلا.

 قامت بعملية استشهادية، طوت بها صفحة المرأة وقمعت الأنوثة وحولت تاريخها إلى سر كبير لا يعرفه سوى شخص واحد في العالم، هو ابنتها هدى.
 وحين ودعت عالم الأنوثة فإنها حلقت شعرها وخشنت من صوتها، وارتدت عمامة الصعايدة وثيابهم والخف الذي ينتعلونه، واختفت من المحيط الذي يعرفها، لتظهر بعد ذلك في سوق العمل بالقرى المجاورة باسم آخر وبهيئة جديدة.

لسنا نعرف الكثير عن تفصيلات رحلتها بعدما ألقت بنفسها في السوق دون أن تملك شيئا يؤهلها للاشتغال في أي مهنة. حتى القراءة والكتابة جهلتها.

لم تكن تملك سوى صلابة الصعايدة وكبرياء وعفة بنات الأصول.
لم يكن يعينها سوى أن تعثر على أي عمل شريف يعينها على تربية ابنتها.
وإذ تنقلت بين عدة قرى سعيا وراء الرزق، ومارست كل الأعمال التي يقوم بها الرجال، فإنها وجدت عملا ثابتا في مصنع للطوب والبناء،

ظلت تداوم فيه مع زملائها العمال طوال ٢٥ عاما، كما انها اشتغلت في جمع المحاصيل،
 وحين تشققت يداها جراء الأعمال الخشنة وأصبح جسمها أضعف من ان يحتمل الأعمال الشاقة، فإنها قررت أن تعمل ماسح أحذية، وهي مهنة لم تكن تتطلب منها أكثر من أن تجلس على الأرض أو فوق صندوق خشبي لكي تتولي تلميع الأحذية للراغبين.

في رحلة الرجولة والشقاء التي لم يتوقف فيها النضال اليومي، التي استمرت طيلة ٤٣ عاما، لم تعرف صيصة الفرح إلا مرة واحدة، حين زوجت ابنتها، وأقامت فيه فرحا رقصت فيه بعدما تذكرت أنها أنثى لم تحلم لنفسها يوما،
 لكنها حين زوجت ابنتها اعتبرت انها حققت حلم حياتها الوحيد.

ذلك أنها تخلت عن أحلامها الشخصية وتوحدت مع ابنتها منذ صارت رجلا.
تكرر الفرح حين أنجبت البنت وصار لها أحفاد تحتضنهم ويعيدون إليها مشاعر الدفء والحنان التي نسيتها.
 إلا أن الأقدار شاءت ألا تستمر فرحتها طويلا. إذ أصيب زوج ابنتها بالسل الرئوي الذي أقعده عن العمل.
وكان عليها أن تواصل كفاحها لكي تعول زوج ابنتها الذي أعجزه المرض مع ابنتها وأطفالها الأربعة. وهي المغامرة التي خاضتها ببسالة نادرة.

حين وقع عليها الاختيار ضمن الأمهات المثاليات، فإنها جاءت من الصعيد مرتدية ثياب الرجال التي لم تظهر بغيرها طوال العقود الأربعة الماضية.
وظهرت في الصور وهي تتسلم شهادة تقديرها من رئيس الجمهورية وقد ارتدت العمامة والجلباب وتلفعت بشال الصعايدة الاقحاح.

وحين سئلت عما ستفعل بالمكافأة التي قدمت لها (٥٠ ألف جنيه) قالت بتلقائية مدهشة ونكران نادر للذات انها ستخصصها لعلاج زوج ابنتها المريض. وان ابنتها وزوجها أولى بها.

لا أخفي شعورا بالتقدير والدهشة البالغة إزاء النموذج الذي قدمته صيصة أبو دوح.
لذلك تمنيت لو أنها منحت معاشا استثنائيا يمكنها من تربية أحفادها، ولو تكفلت إحدى الجهات بعلاج زوج ابنتها المريض بالسل،

وأكرر أنها ليست أما مثالية فحسب، وإنما هي أيضا نموذج فريد وملهم يضعها ضمن العظماء المجهولين، الذين يعيشون بيننا ولكنهم بنبل تضحياتهم ينتمون إلى كوكب آخر. وعالم أسطوري للكفاح والعطاء ما عدنا نعرفه.

.........................

26 مارس، 2015

حاكمــــوهم

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 6 جمادى الآخر 1436 26 مارس 2015
حاكمــــوهم - فهمي هويدي

أحد أمرين: إما أن ُتَحاكم المنظمات الحقوقية المصرية بتهمة البلاغ الكاذب.
 أو أن يُحَاكم الذين يقومون بالتعذيب في السجون بتهمة انتهاك القانون والدستور.

إما أن تظل نداءات المنظمات الحقوقية، واستغاثات المسجونين وأهاليهم تطلق في الفضاء دون أن يحرك ذلك شيئا في المجتمع المصري. فذلك مما لا يليق أخلاقيا ووطنيا.

وحين تتجاهل وسائل الإعلام ونخبة المثقفين والسياسيين تلك الأصوات، بحيث لا تجد لها منفذا سوى مواقع التواصل الاجتماعي الخارجة عن السيطرة، فإن ذلك يشين هؤلاء جميعا.
 إذ يجعلهم متهمين بالتستر على تلك الانتهاكات، ولا يصنفهم فقط ضمن «الشياطين الخرس» كما ورد في الأثر.

لست أدعو إلى التسليم بكل ما يبث من بيانات أو استغاثات، لكنني أدعو أولا إلى عدم تجاهلها بالكلية.
وأدعو ثانيا إلى الكف عن التعامل معها بحسبانها شائعات مغرضة تستهدف الإساءة إلى الشرطة وتشويه صورة النظام القائم. وغاية ما أدعو إلىه
 ــ ثالثا ــ أن يخضع الأمر للتحقيق والتحري، للتثبت من صحة تلك الشكايا، خصوصا إذا تواترت وتعددت مصادرها وتبنتها منظمات حقوقية معترف بها قانونا.

وإذا ما ثبت أن الادعاءات ليست صحيحة فذلك سوف يسرنا لا ريب. لأنه غاية ما نتمناه. ليس ذلك فحسب وإنما ينبغي أن يحاسب من أطلقها وروجها لأنها ستكون حينئذ من قبيل الادعاءات الكاذبة.

 أما إذا ثبتت صحتها، كلها أو بعضها، فمساءلة ومحاكمة المسؤولين عنها تصبح واجبة، ليس فقط إعمالا للقانون والدستور (المادة ٥٢ منه تقرر أن التعذيب بكل صوره وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم)، وإنما أيضا لتطهير صفحة النظام وتعزيز الثقة فيه.

وغني عن البيان انه ما لم تتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات فإن التهمة ستظل وصمة تلاحق النظام في الداخل والخارج.

خذ مثلا هذا البيان الذي وقعته في ٢٤ مارس الحالي عشر منظمات حقوقية وذكرت فيه ما يلي: تدين المنظمات الموقعة عمليات التعذيب والتكدير الجماعي التي تتم في السجون المصرية، والتي حدثت في الأسبوع الماضي في ليمان ٢ عنبر ب بمجمع سجون أبوزعبل.

وهو ليس الأول من نوعه لأن بعض المنظمات الموقعة تلقت تقارير أفادت بوقوع حالات تعذيب في الأسابيع الأخيرة شملت سجون برج العرب وطرة.

 أضاف البيان أن عددا من المنظمات الموقعة تلقت إفادات بوجود حالات تعذيب ومعاملة مهينة للكرامة بحق محتجزين على خلفية قضايا سياسية بسجن أبوزعبل.

وبحسب الإفادات فإن تشكيلات ملثمة من عناصر الأمن المركزي اقتحمت الزنازين يوم ١٩ مارس ٢٠١٥، واعتدت على المحتجزين بالعصي وأطلقوا علىهم الكلاب البوليسية، كما استخدموا الغاز المسيل للدموع. مما أوقع إصابات بين المحتجزين وحدوث حالات إغماء بينهم.

كما قامت قوات السجن بإخراج ١٥ محتجزا من زنازينهم، وقامت بتعذيبهم طوال ثلاث ساعات متصلة، بعد تجريدهم من ملابسهم وإجبارهم على سب أنفسهم بكلمات بذيئة.

وبعد ذلك قاموا بنقلهم إلى زنازين التأديب الانفرادية. وبين أسماء المحتجزين حاليا في الحبس الانفرادي كل من:
عبدالرحمن طارق ــ مصطفي شحاتة ــ بلال المعداوي (مصاب)
ــ محمود أحمد سيد (مصاب) ــ عمر محمد موسي (مصاب) ــ محمود عاطف (مصاب).
كما ذكر البيان ايضا ان الصحفي أحمد جمال زيادة بدأ إضرابا كاملا عن الطعام احتجاجا على استمرار حبسه انفراديا لفترة تجاوزت ٤٥٠ يوما، وسوء معاملته في محبسه، حيث يتعرض بشكل مستمر للمعاملة المهينة والتعذيب.

في ختام البيان وجهت المنظمات الحقوقية العشر ثلاثة طلبات هي:
 التحقيق الفوري في أحداث التعذيب بسجن أبوزعبل
 ــ دعوة نقابة الأطباء والمجلس القومي لحقوق الإنسان لزيارة المحتجزين الذين تعرضوا للاعتداء، وفحصهم وتقديم الرعاية الطبية للمصابين منهم
 ــ تمكين منظمات المجتمع المدني الحقوقية من زيارة المحتجزين للتعرف على أوضاعهم، خاصة أنه قدمت في السابق عدة طلبات بهذا الخصوص قوبلت بالرفض.

هذا البيان ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد. وقد اخترته من بين عشرات الرسائل والبيانات التي صدرت عن أفراد وأمهات شكت كلها مما يتعرض له المحتجزون من تعذيب وانتهاكات،
الأمر الذي جرَّمه الدستور بنصه الصريح في المادة ٥٢ منه.

 كان اختياري للبيان راجعا إلى أنه يتحدث عن حالة تواترت بشأنها الشكايات، فضلا عن أنه صادر عن عشر منظمات حقوقية لها وضعها القانوني وتضم عددا غير قليل من القانونيين والخبراء الغيورين على كرامة الإنسان المصري، بصرف النظر عن هويته أو معتقده.

ربما لاحظت أن سقف طموحاتنا آخذ في التراجع، فما عدنا نتحدث عن انصاف مظلومين، ولا محاكمة المدنيين أمام قاضيهم الطبيعي، كما أننا فقدنا الأمل في إطلاق سراح ضحايا الاعتقالات العشوائية الذين سمعنا أكثر من مرة أن قوائمهم تحت الإعداد.

 ذلك كله سكتنا علىه، ولم ننسه أو نغفره، لكننا صرنا نتحدث عن مجرد الحفاظ على كرامة وإنسانية المحتجزين وهم في السجن، خصوصا أن الانتهاكات تزايدت بعد تعيين وزير الداخلية الجديد.
وهو ما يصدمنا مرتين. مرة لوقوع التعذيب ومرة ثانية لاتجاه مؤشراته إلى التصعيد.

لقد غضب البعض وثاروا لأن كلبا قتل في القاهرة، وصدر حكم بالسجن ثلاث سنوات للذين ارتكبوا تلك الجريمة، فليتنا نستثمر تلك الغيرة للدفاع عن كرامة المواطنين المصريين الذين يتعرضون لمختلف صور التعذيب في السجون.

.....................

25 مارس، 2015

مداولة بعد الحكم

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 5 جمادى الآخر 1436 25 مارس 2015
مداولة بعد الحكم - فهمي هويدي

في حين أبرزت جريدة الأهرام أمس (٢٤/٣) خبر توقيع اتفاق المبادئ حول سد النهضة باللون الأحمر ووصفته بأنه «خطوة تاريخية»، فإن العنوان الرئيس لجريدة «التحرير» كان كالتالي:
 الرئيس يوقع والشعب يسأل أين التفاصيل؟
 ــ ولم يكن الأمر مجرد سؤال عن التفاصيل، لأن الجريدة ذاتها ذكرت في عناوينها ان الغموض يتواصل حول بنود الاتفاق.
 ثم أوردت ضمن عناوين الصفحة الأولى رأيا لخبير مائي لخصه في عبارة واحدة أن الاتفاق: «مصيبة» تمنح شرعية للمشروع الاثيوبي (!).

صحيح أن الرأي الذي تبنته جريدة الأهرام هو ذاته الذي انحازت إليه بقية الصحف المصرية، إلا أن الحذر الذي أبدته جريدة «التحرير» بدا متفردا ومثيرا للانتباه.
 ذلك انها نقلت على صفحة داخلية آراء اثنين من الخبراء حول الموضوع.
 أحد الخبراء، الدكتور مساعد عبد العاطي الخبير في القانون الدولي للمياه، هو من وصف المبادئ العشرة التي وردت في وثيقة إعلان المبادئ بأنها «مصيبة».
 وقال إن الوثيقة كان ينبغي أن تكون محكمة ومنضبطة من الناحية القانونية، فتنص مثلا على عدة أمور أهمها تقليل السعة التخزينية للسد (المقدر لها ان تصل إلى ٧٥ مليار متر مكعب).
 كما تنص على مد فترة ملء الخزان بما لا يؤثر على حصة مصر المائية أو الإضرار بها.
 أيضا كان ينبغي أن تنص على التزام الدول بالتقرير الذي سيصدر عن المكتب الاستشاري. وهى البنود التي تكفل إلزام إثيوبيا بما تم الاتفاق عليه، وتسهل مقاضاتها دوليا إذا أخلت بالتزاماتها.

الخبير الثاني الذي تحدث في الموضوع هو الدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية والري بجامعة القاهرة، وقد أبدى عدة ملاحظات مهمة منها ما يلي:

<
إن هذه أول وثيقة في التاريخ الحديث تتحدث في إنشاء سد، لأن الاتفاقيات الدولية تتحدث عن تقسيم المياه.

<
إن الوثيقة لا تعترف بحصة مصر المائية ولا تقر بها، ورفضت الإشارة إلى تلك الحصة التي تقدر بـ٥٥ مليار متر مكعب، وهو ما يؤكد سوء نية الطرف الاثيوبي.

<
اثيوبيا فرضت الأمر الواقع على مصر حينما دعت إلى إجراء الدراسات الاستشارية التي سيقوم بها المكتب المختص خلال ١٥ شهرا وليس خمسة أشهر كما أرادت مصر.
وهذا الأجل الذي فرضته اثيوبيا يتوافق مع فترة انتهائها من بناء سد النهضة، وهو ما يعني أن أديس أبابا وضعت مصر أمام الأمر الواقع. خصوصا انها خططت لبناء السد التالي في عام ٢٠١٨.

< توقيع مصر على الوثيقة أكسب سد النهضة شرعية وسيترتب عليه عودة التمويل الدولي للمشروع. وهو التمويل الذي كان قد توقف بسبب التحفظات المصرية.

< لأن الوثيقة تهم المصريين جميعا في حاضرهم ومستقبلهم، فإنه كان ينبغي عرض مضمونها على الرأي العام. لكى يكون على بينة من الخطوة التي ستتخذها السلطة والنتائج المترتبة عليها.

هذا الذي عبر عنه الخبيران يمثل الرأي الآخر في وثيقة إعلان المبادئ. الذي لم يسمع من قبل.
وغاية ما يمكن أن أقوله إنه يستحق المناقشة، حتى إذا جرت تلك المناقشة بعد التوقيع عليها لمحاولة علاج الثغرات التي أشار إليه الخبيران.

وإذا شئنا الدقة فالمناقشة مطلوبة على مستويين،
مستوى الخبراء الذين هم أدرى بالجوانب الفنية المتعلقة بمضمون الوثيقة أو بصياغتها.
ومستوى الرأي العام الذي من حقه أن يحاط علما بمسار قضية مصيرية من ذلك القبيل.

وقد لاحظت أن زميلنا إبراهيم منصور رئيس تحرير الجريدة انتقد في عدد الجريدة ذاته غياب الشفافية في موضوع الوثيقة، معتبرا أن هذا الاسلوب يعيدنا إلى اساليب العهود السابقة التي يفترض أن مصر تجاوزتها بعد ثورة يناير.

الملاحظة الأخيرة لها أهمية خاصة، ليس فقط بسبب موضوعها. ولكن أيضا لأنها تكررت في تعليقات بعض الكتاب المحترمين على نتائج أعمال مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، خصوصا مشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذي أعلن عنه وتم توقيع الاتفاق الخاص بتنفيذه، دون أن يسبقه أي حوار مجتمعي، وهو ما يعيد إلى أذهاننا تلك الصيغة العبثية التي تتحدث عن المداولة بعد صدور الحكم!

لا يستطيع ــ ولا ينبغي ــ لأحد أن يقلل من أهمية التفاهم مع اثيوبيا ودول حوض النيل، بقدر ما ان أحدا لا يستطيع أن يقلل من ايجابيات مؤتمر شرم الشيخ.
لكن تقديرنا لمثل هذه الخطوات الايجابية لايحول دون التحفظ على ما تخللتها من قرارات كبيرة وخطيرة فاجأت الرأي العام الذي أصبح «آخر من يعلم».

ومن المفارقات انه في حين يستمر ذلك التجاهل بين الحين والآخر، فإن وسائل الإعلام عندنا تصر في عناوينها على أن «مصر تستيقظ»!

........................

Delete this element to display blogger navbar