Subscribe:

Ads 468x60px

09 ديسمبر، 2015

الاختفاء القسري

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 27 صفر 1437 – 9 ديسمبر 2015
الاختفاء القسري - فهمي هويدي

حين يصبح موضوع الاختفاء القسري في مصر قضية رأي تتعدد فيها الاجتهادات وتختلف وجهات النظر، فإن ذلك يعد هزلاً وعبثاً في المسؤولية والجد.

ذلك أننا لسنا بصدد مسألة نظرية أو إشكال عقلي يرى من أكثر من زاوية، وإنما الأمر يتعلق ببشر من لحم ودم، وحوادث إما أن تكون قد وقعت أو أنها لم تقع، ومآلات تتحدد في ضوء القرائن والأدلة وشهادات الشهود، ولا يقضى فيها تبعا للأمزجة والأهواء.

منذ نحو عام تتحدث تقارير المنظمات الحقوقية المصرية عن حالات للاختفاء القسري،
 إذ تسجل أرقاما وتنشر صورا وأسماء تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي الوقت ذاته نقرأ أخبارا عن تجمعات لأهالي المختفين وحملات من قبيل «حي أم ميت» أو «الحرية للجدعان»،
 كما تطالع عدة مناشدات تطالب بالكشف عن مصيرهم على طريقة «ماصوني فين؟».

ولم يكن الأمر مقصورا على أصداء الحدث في الداخل، لأن الملف صار متداولا في المحافل الدولية، حيث تحدثت عنه تقارير الأمم المتحدة ومنظمة هيومان رايتش ووتش،
 إذ أشارت إلى حالات تم توثيقها لأناس اختفوا ولم يظهر لهم أثر، ولآخرين اختفوا حينا ثم شوهدوا بعد ذلك في السجون أو أثناء نظر بعض القضايا.

وفي حين تواترت الإشارات إلى حالات الاختفاء فإن مسؤولي وزارة الداخلية دأبوا على نفي تلك الحالات وإنكار حدوث أي اختفاء من ذلك القبيل.

طوال الأشهر الماضية ظللنا بين تأكيد للاختفاء القسري من جانب الحقوقيين والمحامين وبعض الأسر، وإنكار تام له من جانب وزارة الداخلية والمتحدثين باسمها.

إلا أن المشهد اختلف في الآونة الأخيرة. إذ حين كثر انتقاد وزارة الداخلية واتسع نطاق الانتهاكات التي يمارسها بعض رجالها، وساهمت وسائل الإعلام في كشف تلك الانتهاكات التي أصبحت وقائعها على كل لسان، حينئذ انتبهت الداخلية إلى ما أصاب سمعتها من تشوه ورصيد الثقة فيها من تراجع واهتزاز.

فتابعنا محاولات عدة لتحسين الصورة من خلال بعض التصريحات والبرامج الحوارية، التي حذرت من الوقيعة بين الشرطة والمجتمع ومما وصف بأنه محاولات لإسقاط الشرطة من جانب العناصر المناوئة.

في هذا السياق فتح ملف الاختفاء القسري على نطاق واسع في إطار مختلف،
 إذ بدلاً من إنكار حدوثه بالمطلق جرى الترويج لفكرة بديلة تقر بحدوث الاختفاء لكنها تفسره بأنه راجع إلى أن أولئك الأشخاص المختفين غادروا البلاد والتحقوا بتنظيم داعش سيئ السمعة.

وهي فكرة لا تخلو من وجاهة ولا يستبعد أن يكون لها ظل من الحقيقة.
إذ المفهوم أن عناصر داعش أغلبهم من الدول العربية، ولا غرابة في ان يكون بينهم بعض شباب المصريين شأنهم في ذلك شأن أقرانهم من الأقطار الأخرى.

أهم ما في هذا التطور أنه بمثابة إقرار باختفاء بعض الأشخاص، لكن السؤال هو:
هل الذين وثقت حالات اختفائهم في مصر هم أنفسهم الذين التحقوا بتنظيم داعش ورحلوا إلى سوريا؟
الداخلية والمتحدثون باسمها يتبنون فكرة التطابق بين المختفين والمغادرين ولا يقدمون دليلا على ذلك.

في حين أن الحقوقيين يرفضون الحجة قائلين إن مسألة بهذه الخطورة ينبغي ألا تترك للإحالات الغامضة.
 إذ المعلومات هي الفيصل والحكم في نهاية المطاف.
ذلك أن لديهم أسماء المختفين قسريا وعلى الداخلية إذا كانت واثقة مما تدعيه أن تبرز أسماء من تعرف أنهم غادروا البلاد والتحقوا بداعش.

في هذا الصدد فإن الأستاذ جمال عيد مدير مركز معلومات حقوق الإنسان ينبه إلى أن هناك مستويين من الاختفاء القسري.

فكل محتجز أخفي عن أسرته ومحاميه وتم إيداعه في مكان مجهول بمعرفة السلطة أو أية جهة ذات صلة بها يعد في نظر القانون مختفيا قسريا وان ظهر بعد ذلك.
وهو يصنف في التقارير الحقوقية بأنه «كان» مختفيا، وأمثال هؤلاء كثيرون،
 إذ إنهم يحتجزون لعدة أسابيع أو شهر بعيدا عن أهاليهم ومحاميهم، حيث يخضعون خلالها للاستنطاق بأساليب مختلفة ثم يظهرون بعد ذلك وقد انتزعت منهم الاعترافات وتم ترتيب الاتهامات.

وإلى جانب هؤلاء فثمة قوائم لآخرين اختفوا ولم يظهر لهم أثر منذ عدة أشهر تجاوز السنة في بعض الأحيان.

تضيف الدكتورة عايدة سيف الدولة الناشطة بمركز النديم إن لديهم ما بين ٣٠ و٤٠ اسما لأشخاص اختفوا قسريا منذ شهر فبراير الماضي، وهم مستعدون لإعلان الاعتذار إذا ثبت أنهم التحقوا بداعش وعلى الداخلية ان تعتذر للرأي العام إذا ثبت العكس.

والقوائم التي لديهم تضم مهنيين وفئات تختلف تماما عن الشبان الذين يجذبهم مشروع داعش وثقافة عناصره.

ومن القرائن التي يستدلون بها لإثبات حدوث الاختفاء القسري أن انكاره من قبل الداخلية ليس مستغربا، لأنه لا يختلف في شيء عن انكار التعذيب الذي لا يستطيع أحد أن ينكر حدوثه في أماكن الاحتجاز.

ثم انه جزء من الانتهاكات التي أصبحت من التقاليد الثابتة في ثقافة وأداء أغلب المنتمين إلى الأجهزة الأمنية، وإنكار حدوثها يدل على أن ذلك النهج أصبح عصيا على التغيير في ظل استمرار الظروف الراهنة،
 الأمر الذي يعمق الفجوة بين الشرطة والمجتمع.
وهي الفجوة التي يتعذر علاجها بالتصريحات الطنانة ومقالات المديح والتبرير الصحفية.

أما أغرب ما يحدث الآن أن اللوم والتنديد أصبح يوجه إلى الذين يكشفون وقائع الاختفاء القسري وليس الذين يمارسونه.
...........................

Delete this element to display blogger navbar