Subscribe:

Ads 468x60px

06 ديسمبر، 2015

طمأنة المجتمع أوْلى

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 24 صفر 1437 6 ديسمبر 2015
طمأنة المجتمع أوْلى - فهمي هويدي

الرسالة التي وجهها الرئيس عبدالفتاح السيسي أثناء زيارته لأكاديمية الشرطة يوم الخميس الماضي ٣/١٢ واجبة التسلم، والتفاعل معها أوجب،
 فحين يقول الرئيس إن الممارسات الفردية الخاطئة يجب عدم تعميمها فإن ذلك عين الإنصاف.
وحين يدعو إلى اليقظة والانتباه لإفشال محاولات بث الفرقة بين الشعب والأجهزة الأمنية فإن ذلك عين العقل.

بالتالي فلا مشكلة لا مع مضمون الرسالة، لكن المشكلة تنشأ والحيرة تطل برأسها حين نحاول تنزيلها على أرض الواقع، لكي نحافظ على العلاقة الإيجابية المرجوة بين الشرطة والمجتمع.

توقيت زيارة الرئيس لأكاديمية الشرطة له دلالته، ذلك أنها تمت في أجواء تصاعد أزمة الثقة في أداء الشرطة جراء تواتر الحديث عن الانتهاكات التي تمارس من قبل البعض في أماكن الاحتجاز، بحيث لم يعد يمر أسبوع دون أن يصدم الناس بنماذج من تلك الانتهاكات التي صارت مادة ثاتبة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وحين زاد الأمر على حده فإن الصحف اليومية ــ القومية والمستقلة ــ دخلت في الخط ولم يعد ممكنا أن تسكت على ما يجرى أو تبرره.

وكنت قد اعتبرت حملة الاحتجاجات والإدانات التي ترددت أصداؤها في الفضاء الإعلامي المصري بأنها بمثابة إشهار لبطاقة الإنذار الصفراء من جانب المجتمع في مواجهة الشرطة.
وهى تعبر عن الاحتجاج والغضب من ناحية كما أنها تدعوها إلى وضع حد للانتهاكات والتجاوزات في الوقت ذاته.

في هذه الأجواء تمت زيارة الرئيس لأكاديمية الشرطة وجاء كلامه الذي يدعونا التجاوب معه إلى تسجيل ثلاث ملاحظات ألخصها فيما يلي:

<
أنني أخشى أن يساء فهم الهدف من الزيارة والرسالة التي وجهها الرئيس أثناءها.
ذلك أنني أدرك أن مساندة الرئيس للشرطة لا تعني بالضرورة مباركته لممارساتها وانتهاكاتها، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي سارعت إلى التعبير عن القلق إزاء سيناريو سوء الفهم.

إذ ذهب البعض إلى القول بأن كلام الرئيس يمكن أن يوظف باعتباره رخصة تسوغ للشرطة الاستمرار في النهج الذي تسير عليه.

وإذ أفهم ان تكون طمأنة الشرطة مشروطة بالتزامها بالقانون، إلا أنني أفهم أيضا ان طمأنة المجتمع أولى وأجدر بالعناية.

وذلك جانب في الصورة لم يلق نصيبه من الاهتمام.
ذلك ان اطمئنان الشرطة في الوقت الذي يشيع فيه الخوف بين الناس، يعني أن ثمة خللا فادحا في المعادلة يحتاج إلى تصويب.

<
أن فرضية الانطلاق من ان الانتهاكات تمثل استثناء وسلوكا فرديا لا حكم له تحتاج إلى مراجعة وتدقيق. لأن تقارير المنظمات الحقوقية المستقلة والموثقة تقول بغير ذلك.

 أدري أن التعميم ظالم، حيث لا ينكر أحد أن بين رجال الشرطة أناسا شرفاء يحترمون القانون ويخافون الله، لكن القلة التي تمارس الانتهاكات ليست بذلك الاستثناء الذي يبرر تجاهله.

وحين يصدر مركز «النديم» لعلاج ضحايا الانتهاكات المشهود له بالصدقية والاحترام، تقريرا شهريا يوثق تلك الانتهاكات ويحدد الأماكن والأسماء فإن ذلك مما لا ينبغي السكوت عليه أو التهوين من شأنه.

وبين أيدينا الآن تقرير شهر نوفمبر الذي نشر يوم ٢ ديسمبر الحالي وسجل أن ١٣ شخصا ماتوا في أماكن الاحتجاز خلال الشهر، ٩ منهم بسبب التعذيب و٣ بسبب الإهمال الطبي وواحد أقدم على الانتحار.
إلى جانب ٦٣ حالة قتل خارج القانون، و٤٢ حالة تعذيب و٤٠ حالة اختفاء قسري و١٣ حالة تعذيب جماعي في خمسة سجون.

إذا كانت تلك حصيلة شهر واحد، فإننا نصبح بإزاء أمر جسيم يستحق تحقيقا نزيها، فإما أن تكون المعلومات صحيحة فيحاسب المسؤولون عنها أو أن تكون مغلوطة فيحاسب من روجها.

< حتى إذا افترضنا أو صدقنا أن الانتهاكات حالات فردية، فإننا لم نشهد حزما في محاسبة المسؤولين عنها من رجال الشرطة.
ولكننا شهدنا تبرئة لأغلبية الذين اتهموا بارتكابها، والذين أدينوا منهم جرى الالتفاف على الأحكام الصادرة بحقهم أو تمت إعادة محاكمتهم على نحو يمكنهم من الإفلات من العقاب بصورة أو أخرى.

إن انتهاكات حقوق الإنسان الحاصلة في مصر هي أكثر ما يشوه سمعة النظام ويسيء إليه في داخل البلاد وفي المحافل الدولية.

 ولأن الأمر كذلك فإنني لست واثقا من جدية الادعاء بمحاولات الوقيعة بين الشرطة والمجتمع في مصر، لا لأن المتربصين يتعففون عن ذلك، ولكن لأن الممارسات التي أهدرت كرامات الناس أغنتهم عن بذل أي جهد.
والفظائع التي تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي يوما بعد يوم أتت على أغلب رصيد الثقة في الشرطة.

 إذ لم تكتف بظلم الناس، لكنها ظلمت الشرطة أيضا وأشاعت سوء الظن بها.
لذلك فما لم يفتح الملف بصراحة وشجاعة لوضع حد لتلك الانتهاكات فإننا لا نستطيع أن نتوقع عودة للاستقرار أو انحسارا للتطرف والإرهاب،

ذلك أن الانتهاكات سبب رئيسي للاضطراب والفوضى ثم أنها غذاء رئيسي للتطرف والإرهاب.
......................

Delete this element to display blogger navbar