Subscribe:

Ads 468x60px

19 ديسمبر، 2015

داء الشخصنة العضال

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 9 ربيع أول 1437 – 20 ديسمير 2015
داء الشخصنة العضال - فهمي هويدي

حين يعد الرئيس عبدالفتاح السيسي بأنه سيوقع بنفسه على طلبات المستثمرين لكي يكسر هيمنة البيروقراطية، فإن ذلك يقلقنا ولا يطمئننا.

وقبل أن أشرح ما أعنيه فإنني أستأذن في رواية قصة سمعتها قبل عدة سنوات من أحد رجال الأعمال الأردنيين.

ذلك أن الرجل التقى في إحدى المناسبات وزير الصناعة المصري بصفته رئيسا للغرفة التجارية في الأردن، وحين تطرق الحوار إلى فرص الاستثمار فإن الوزير شجعه على القدوم إلى مصر، ونقل بعض أنشطته إليها.

جاء الرجل ووجد أن الفرص متوافرة وعوامل الجذب كثيرة، فقرر أن يبدأ أحد مشروعاته الاستثمارية، لكنه ما إن بدأ خطوات التنفيذ حتى تاه وأدرك أنه وقع في حفرة لن يستطيع الخروج منها.
إذ عذَّبته الإجراءات وتعرض للابتزاز من جانب الموظفين والسماسرة،
وتناهت إلى أسماعه إشارات أقنعته بأنه لن يستطيع أن ينجز شيئا إلا إذا دفع مقابلا لكل خطوة.
حينئذ قرر الرجل أن يسارع إلى الخروج من الحفرة بأي ثمن، وهو ما حدث.

وفي وقت لاحق أتيح له أن يلتقى الوزير المصري الذي سأله عما فعله فأخبره صاحبنا الأردني بأنه يحمد الله أنه خرج من التجربة بعدما أوقف مشروعه وعاد سالما إلى عمان.

حينئذ أبدى الوزير أسفه ودهشته، وقال له معاتبا:
 لو أنك اتصلت بي لذللت لك كل العقبات التي صادفتك، فشكره رجل الأعمال المخضرم
وقال إنه تحرج من إزعاجه وسط مشاغله الكثيرة.

ولم يفصح عن السبب الحقيقي لانسحابه وإنما أشار إلى أنه لم يستطع أن يتابع التفاصيل من عمان ووجد أن في الأمر مشقة لم يحتملها.

وهو يروي القصة قال لي الرجل إن رد الوزير أقنعه بصواب قرار الانسحاب من السوق المصرية، لأنه إذا كان مضطرا للرجوع إليه لتجاوز كل عقبة يصادفها
فمعني ذلك أنه لا يوجد نظام لإدارة العملية ولا جهاز مسؤول عن تنشيط الاستثمارات وتشجيعها، ولكن الجميع يتحركون تبعا للتوجيهات والتعليمات التي تأتيهم من المراتب العليا أو تحت إغراء عوامل أخرى.

تذكرت القصة حين طالعت في صحف الجمعة ١٨/١٢ حديث الرئيس السيسي إلى كبار التجار الذين اشتكوا إليه من الإجراءات البيروقراطية التي تعطل تصاريحهم لمدة سنتين في المتوسط.

وكان رده عليهم أنه إذا حدث ذلك الفشل فسيقوم بنفسه بالتوقيع على تصاريح المشروعات لكي تنجز المعاملة خلال عشرة أيام.
وذلك خبر سار لا ريب، ولكن السؤال هو:
 هل سيكون بوسع كل صاحب مصلحة معطلة أن يلجأ إلى رئيس الجمهورية لإنجازها؟
وإذا جاز ذلك بالنسبة للمستثمرين فهل من العدل أن يمكنوا دون غيرهم من أصحاب المصالح من إنجاز مشروعاتهم في حين تستمر معاناة الآخرين وعذاباتهم في المكاتب والدواوين الحكومية.

لاتزال المشكلة التي تحدث عنها رجل الأعمال الأردني قائمة.
ذلك أن جهاز الإدارة في مصر لا يحكمه نظام واضح ييسر مصالح الخلق. فضلا عن أنه يفتقر إلى رؤية مرجعية واضحة يتم الاسترشاد بها في مجمل أداء الجهاز الوظيفي، حيث يبدو مثلا أن الدولة مهتمة بالمستثمرين والسياح بأكثر من اهتمامها بالخدمات البسيطة والبديهية للمواطن العادي.

إن المسؤول حين ينشغل بالتفاصيل فإنه يغرق فيها ويبتعد عن الرؤية الكلية والاستراتيجية، فضلا عن أنه يلغي النظام.
وهي معضلة ليست في الإدارة والاقتصاد فقط، لكنها داء في السياسة أيضا.
وهو ما يمكن أن يسمى بداء «الشخصنة» العضال، الذي يربط المحيط بالشخص وليس بالنظام أو المؤسسة.

 الأمر الذي يعلق المصائر على المصادفات والأمزجة والحسابات قصيرة الأجل. فضلا عن أن المعيار كله يمكن أن يختلف حين يتغير الشخص.

إن كثيرين يتصورون أن وجود المسؤول في الميدان طول الوقت ومتابعته للتفاصيل من علامات التفاني في الأداء والكفاءة في الإدارة.

ورغم أن ذلك يتم بحسن نية في أغلب الأحوال إلا أنه يعد إعلانا عن الفشل في الإدارة وإهدار مقومات النظام.

في هذا الصدد فإن المسؤول ينبغي أن يؤدي دور «المايسترو» الذي يهتدي بالنوتة المتفق عليها لكي يحرك فريق العازفين.
وهو قد يفشل إذا ما أراد أن يتحول إلى عازف، وفشله يتضاعف إذا أراد أن يقوم بدور المايسترو والعازف في نفس الوقت.

إن النجاح الحقيقي للمسؤول يتوافر إذا ما اتضحت لديه الرؤية الاستراتيجية أولا، وإذا ما تولى المراقبة والتوجيه عن بعد، من خلال المؤسسات المساعدة التي تتولى التنفيذ أو الرقابة.

وحين يتصور المسؤول أنه قادر على أن يباشر كل شيء فإنه يصبح خارج التاريخ والعصر،
 إذ يعيد إلى الأذهان مشهد الفرعون وكهنته، الذي وصفه الدكتور جمال حمدان بأنه يجسد الأساس الصلب لفكرة البيروقراطية في التاريخ المصري.
............

Delete this element to display blogger navbar