Subscribe:

Ads 468x60px

30 ديسمبر، 2015

مشكلة أن تكون مستقلا

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 19 ربيع أول 1437 – 30 ديسمبر 2015
مشكلة أن تكون مستقلا - فهمي هويدي

ما حدث في انتخابات اتحاد طلاب الجامعات المصرية لا يدهشنا فحسب وإنما يقدم لنا أيضا نموذجا لابد أن يقلقنا على مستقبل الديمقراطية في مصر، فضلا عن مستقبل الأجيال الجديدة.

ذلك أن الطلاب أرادوها انتخابات مستقلة تمثل إرادتهم الحرة في حدودهم المتواضعة ولكن الأجهزة الأمنية استكثرت عليهم ذلك،
وأرادت للاتحاد أن يمثل السلطة من خلال المتعاونين معها،
ومن ثم دخلت معركة ماكرة استهدفت الالتفاف على القانون وإلغاء الانتخابات التي جاءت نتيجتها على غير هواها.

بداية القصة كانت في العاشر من شهر ديسمبر الحالي، وهو الموعد الذي أجريت فيه عملية انتخابات رئيس اتحاد طلاب الجامعات المصرية ونائبه.
وكان المتنافسون على المنصبين فريقين
 أحدهما مدعوم من الأمن وقيادات التعليم العالي الذين تقدموا ضمن تكتل حمل اسم «صوت طلاب مصر»،
والثاني من النشطاء المستقلين الذين ينتمون إلى شباب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١.

التصويت أسفر عن مفاجأة تمثلت في هزيمة ممثلي التكتل المدعوم من الأمن والوزارة، وفوز ممثلي شباب الثورة بالمنصبين،
وهو ما أزعج الجهات التي تدعم الفريق المهزوم، الأمر الذي أدخل النتيجة في نفق المماطلة والتسويف.

تمثلت المماطلة في تأخير إعلان نتيجة الانتخابات التي كان يفترض أن يعتمدها وزير التعليم العالي،
ولأن الأمر لم يكن يحتاج أكثر من يومين أو ثلاثة، فإن النتيجة ظلت على مكتب الوزير مدة أسبوعين
وقيل إنه لن يعتمدها إلا بعد الفصل في الطعون التي قدمت في العملية الانتخابية.

خلال هذه المدة تم وضع سيناريو إلغاء النتيجة من خلال الإعلان عن قبول أحد الطعون التي قدمت في سلامة انتخابات جامعة الزقازيق.

وقيل في هذا الصدد إن نائب رئيس اتحاد طلاب الزقازيق الذي اشترك في التصويت على انتخاب رئيس اتحاد طلاب الجمهورية ونائبه مطعون في صفته لأن اسمه لم يكن واردا في الكشوف.

وبناء عليه فإن عملية انتخاب رئيس الاتحاد ونائبه تصبح مشوبة بالبطلان، ويتعين تصحيح ذلك الوضع بإلغاء النتيجة التي أعلنت، وتحديد موعد آخر لانتخاب الرئيس ونائبه.

الطريف في الأمر أن موضوع تصويت نائب رئيس اتحاد طلاب الزقازيق كان قد أثير أمام لجنة الانتخابات لكنها تأكدت من سلامة موقفه بعد الرجوع إلى جامعة الزقازيق،
ومن ثم سمحت له بالتصويت في انتخاب رئيس الاتحاد العام ونائبه. إلا أنها إزاء ضغوط الأمن والوزارة غيرت موقفها وقبلت الطعن المقدم ضده.

المشكلة لم تكن قانونية في حقيقة الأمر، لأن السبب الحقيقي الذي أدى إلى إلغاء الانتخابات أن الناجحين كانا من المستقلين ولم يكونا من الفريق المؤيد من الأمن والسلطة،

 ولأنهما كانا يمثلان شباب الثورة فإنهما عبرا بعد انتخابهما عن مواقف أثارت غضب المسئولين. فأقرا بحق الطلاب في التظاهر السلمي داخل الجامعات،
 وأكدا أن الاتحاد سيهتم بملف الطلاب المعتقلين في السجون وسيعمل على إعادة الطلاب الذين فصلوا من جامعاتهم لأسباب سياسية
وهى آراء كانت كافية من وجهة نظر الأجهزة الأمنية لوقف إعلان النتيجة وإلغاء الانتخابات لإعادة الاتحاد إلى «بيت الطاعة» ليظل مشمولا برعاية الأمن.

ما أدهشني في الأمر الذي اختصرت تفاصيله أن يبذل ذلك الجهد الكبير لإجهاض أمل طلاب الجامعات في ممارسة الديمقراطية على مستواهم المتواضع،
وأن تصر الأجهزة الأمنية على بسط سيطرتها من خلال عناصرها على اتحادهم العام رغم أنها لم تكن مضطرة إلى ذلك.

حين يدقق المرء فيما جرى ويوسع من زاوية النظر سيجد أن ما جرى لاتحاد طلاب الجامعات هو حلقة في مسلسل تأميم المجال العام من خلال بسط سيطرة الأمن والسلطة على مختلف الأنشطة والميادين.

 وهو ما يعنى أننا لسنا إزاء حادثة وقعت في الجامعات، لكننا أمام سياسة متبعة في مواجهة جميع أنشطة المجتمع، ترفض أن يمارس نشاط خارج نطاق سيطرة السلطة وبعيدا عن الرعاية المباشرة للأجهزة الأمنية.

وهذه السياسة تضيق وتقاوم بشدة فكرة أن يمارس نشاط مستقل أيا كان نوعه، تشهد بذلك صور المعاناة والتضييق الذي يصل إلى حد القمع الذي تتعرض له الجمعيات الأهلية والنقابات العمالية المستقلة، والمراكز الحقوقية المستقلة وصولا إلى دعاة استقلال القضاء الذين يدفعون الآن أثمانا باهظة جراء رفعهم لتلك الراية، التي صارت تهمة تورد صاحبها موارد التنكيل والأذى.

في قاموس الأجهزة الأمنية والبيروقراطية المتحكمة فإن كلمة «الاستقلال» أصبحت مصطلحا مستنكرا وسيئ السمعة، الأمر الذي وضعنا إزاء مفارقة لا تخلو من دلالة.

 ذلك أن شعوبنا ناضلت طويلا لكي تنتزع الاستقلال من قبضة المحتل الأجنبي.
لكن الأمور انقلبت بمضي الوقت،
فالاستقلال الذي كان فضيلة وشرفا آنذاك تحول إلى رذيلة في ظل المتحكم الوطني بحيث صار الانفكاك من قبضته لعنة تلاحق الساعين إليه.

إن الخطر الماثل أمامنا الآن لا يهدد اتحاد الطلاب أو الكيانات الأهلية فقط، ولكنه يهدد مستقبل الديمقراطية في بلادنا.
إذ يراد لها أن تصبح شكلا بلا مضمون أو وظيفة، ضمن «ديكورات» وضع جديد يتم فيه خصخصة الاقتصاد في حين تؤمم السياسة وكل النشاط الأهلي.
.........................

Delete this element to display blogger navbar