Subscribe:

Ads 468x60px

28 ديسمبر، 2015

إذ تصبح الطوارئ مطلبا

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 17 ربيع أول 1437 – 28 ديسمبر 2015
إذ تصبح الطوارئ مطلبا - فهمي هويدي

نمارس في الاقتصاد دلالا يصل إلى حد العبث والسفه.
يشهد بذلك تقرير وزارة التجارة عن السلع التي استوردتها مصر هذا العام التي منها:
تفاح أحمر بقيمة ٤٠٠ مليون دولار  ــ طعام للقطط والكلاب ١٥٣ مليون دولار
 ــ لعب أطفال ٥٥ مليون دولار ــ جمبري وكافيار ٧٨ مليون دولار
 ــ ياميش رمضان نحو ١٠٤ ملايين دولار
 ــ لحوم طاووس وغزلان ونعام وما في حكمها نحو ٩٥ مليون دولار
ــ شيكولاتة ٥٧ مليون دولار
 ــ سيارات للسباق وملاعب الجولف والبيتش باجى (للشواطئ) نحو ٦٠٠ مليون دولار
ــ ألعاب نارية كالشماريخ والبمب والمفرقعات ٦٠٠ مليون دولار،
 أيضا تحدث التقرير الذي نشره موقع «المصري اليوم» في ٢٣/١٢ عن أن مصر حتى نهاية عام ٢٠١٤ استوردت «مكسرات» شهر رمضان بقيمة ٢٠١ مليون دولار وبهارات بما يعادل ٤٨ مليون دولار
ــ وكاكاو ومستحضراته بمبلغ ٨١ مليون دولار وجبنة رومي بنحو ٢٤ مليون دولار وبصل وثوم(!!) بما قيمته ١٢ مليون دولار.

بسبب هذا الدلال قدم البنك المركزي خلال الشهرين الماضيين 7.6 مليار دولار لتغطية طلبات الاستيراد.
ووصل حجم الواردات المصرية إلى نحو ٦٨ مليارا و٣٧٦ مليون دولار في نهاية عام ٢٠١٤، منها ما لا يقل عن ٦ مليارات دولار سلع غير إستراتيجية.
 ولا غرابة والأمر كذلك في أن يتراجع احتياطي النقد الأجنبي وترتفع قيمة الديون الخارجية، كل منهما بنحو ملياري دولار.

المعلومات السابقة تسربت ونشرت على الملأ بمناسبة القرارات التي أصدرها البنك المركزي المصري في الأسبوع الماضي للحد من فوضى الاستيراد العشوائي خلال الشهر الأول من العام الجديد ضمن إجراءات مواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد.

لأن الأزمة ليست جديدة فإن المرء لا يستطيع أن يكتم شعوره بالدهشة إزاء فتح الأبواب واسعة لاستمرار الاستيراد العشوائي، في حين أن مصر تمر بضائقة مالية غير خافية على أحد.

ومن أهم أسبابها شح موارد النقد الأجنبي للأسباب المعروفة (توقف السياحة والاستثمارات وتراجع دخل قناة السويس جراء بطء حركة التجارة العالمية).
لذلك فإن الحد من السفه الاستيرادي يستحق الترحيب، رغم تأخر تلك الخطوة.
 لكن صواب الفكرة لا يعنى حل الإشكال وإنما قد يسهم في تخفيف وطأة الأزمة التي ستستمر لأسباب تستحق الشرح.

حين ناقشت من أعرف من خبراء الاقتصاد وجدت أن اتفاقهم منعقد على أن جوهر المشكلة المصرية يكمن في أن موارد النقد الأجنبي لا تكفى لتلبية الاحتياجات الضرورية، في الوقت الذي تعتمد فيه مصر على الاستيراد من الخارج حتى في توفير خبزها و٦٠٪ من احتياجاتها الغذائية.

وحل ذلك الإشكال له مدخلان ينبغي أن يتوازيا معا.
 الأول يكون بالحد من الواردات
والثاني يتمثل في زيادة الإنتاج وبالتالي زيادة الصادرات.
وقرارات الترشيد التي اتخذها البنك المركزي أخيرا تلبى الشرط الأول دون الثاني.
 إذ حين لا نرى عملا جادا ومبتكرا لزيادة الإنتاج ومن ثم زيادة الصادرات فإننا بذلك نحاول أن نتحرك معتمدين على ساق واحدة بدلا من اثنتين، أو قل إننا انتقلنا من عمى العينين إلى مرحلة العور والنظر بعين واحدة.

أكرر أن الحد من الاستيراد العشوائي خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن اللجوء إلى الاقتراض من الخارج خطوة إلى الوراء.
والحلان ينتميان إلى التفكير التقليدي والكلاسيكي.
 أما الذي يحتاج إلى ابتكار وإبداع حقا فهو استنهاض همم الداخل وتكثيف الجهود لزيادة الإنتاج وتجويده لكي يلبى احتياجات الاستهلاك ويصبح صالحا للتصدير إلى الخارج.

صحيح أن قرارات الحد من الاستيراد العشوائي والاقتراض من الخارج تعد حلولا سريعة المفعول، في حين أن خطط زيادة الإنتاج وتجويده تستغرق وقتا أول،
إلا أن الأولى مجرد مسكنات ولا يخلو الاقتراض من آثار جانبية سلبية،
 أما الأخيرة فتمثل حلولا أساسية تعيد إلى النظام الاقتصادي عافيته وتفتح أمامه آفاق التقدم والنهوض.

إن شبح التراجع في أسعار النفط والركود في أسواق التجارة العالمية يذكرنا بالأزمة الاقتصادية التي مرت بها دول جنوب شرق آسيا في تسعينيات القرن الماضي.

ورغم الفرق الواضح في طبيعة الأزمة وحدودها، إلا أن ما يهمنا في التجربة أن رئيس وزراء ماليزيا آنذاك مهاتير محمد أعلن الطوارئ الاقتصادية، فاختار الصمود ورفض الاقتراض من الخارج أو الانصياع لنصائح صندوق النقد الدولي.

كما أنه أجرى مجموعة من الإصلاحات الداخلية التي أوقفت التدهور وأنقذ بلاده من الانهيار.
وبذلك أعاد للاقتصاد الماليزي حيويته الأمر الذي مكنه من عبور الأزمة بسلام واقتدار. وهو ما يعد نموذجا جديرا بالدراسة والاحتذاء.

إن مصر بحاجة إلى طوارئ اقتصادية مبتكرة تتسم بالشجاعة والحزم تتبنى سياسات تؤسس لاقتصاد قوى ومستقر في الداخل، بدلا من إجراءات التسكين والامتصاص المؤقت للأزمات، صحيح أن العور أفضل من العمى، إلا أننا ينبغي ألا ننسى أن الإبصار بالعينين هو الأصل والهدف المنشود.
.................

Delete this element to display blogger navbar